لم تكن ثورة الثلاثين من يونيو ٢٠١٣ مجرد انتفاضة شعبية ضد أزمات اقتصادية أو معيشية عابرة، بل كانت حِرَاكًا وِجُوديًّا لاسترداد الهُوية المصرية من محاولات الاختطاف والصَهر الأيديولوجي، وإعادة الاعتبار لقِيَم العقد (الدستور) الشعبي والاجتماعي الذي يتسع لجميع المواطنين على حدٍ سواء.
وتَتَجلَّى هذه الثورة في جوهرها التاريخي والسياسي لحظةَ صدامٍ بين مفهومين متناقضين لهُوية الدولة: الأول يتمثل في الدولة الأيديولوجية الإقصائية، والثاني في الدولة الديمقراطية الوطنية الجامعة.
كما تََتجلَّى أبعاد هذه الثورة من خلال رصد أبرز التحديات السياسية التي واجهتها الدولة المصرية في مسار تثبيت أركانها والنهوض بها؛ بدءًا من تحدي الشرعية والمشروعية، وجَدَليّة الصندوق، وصولًا إلى ترسيخ الهُوِيَّة المصرية.
حَيثُ واجهت الثورة في مَهدها مُعضلة فلسفية؛ طرحتها القوى الغربية لتنفيذ مشروعها التوسعي حول مفهوم الشرعية الإجرائية المتمثلة في صناديق الاقتراع، في مقابل المشروعية الموضوعية المتمثلة في الإرادة الشعبية العامة للحفاظ على الهُوية المصرية. وكان التحدي السياسي الأبرز هو إثبات أنَّ الديمقراطية لا تُختزل في تدبير إجرائي يصنع استبداد الأغلبية، بل هي نَسق قيمي يحمي هُوية المجتمع وتعدديته وتماسكه من محاولة التفكك.
وقد نَجحت الثورة في تقديم أطروحة سياسية عملية تُثبت أنَّ انحراف السلطة عن مسار العقد الشعبي والاجتماعي يُسقط عنها شرعيتها السياسية، وأنَّ خروج الملايين كانَ بمثابة استفتاء شعبي مباشر لإعادة تأسيس الدولة على هُويتها التاريخية والثقافية.
وواجهت الدولة هذا التحدي عبر مسارين متوازيين؛ المسار الأول يتمثل في الجانب الأمني والعسكري لاجتثاث بؤر العنف والإرهاب، وتأمين الشعب المصري باعتباره مقومًا أساسيًا للحرية. أما المسار الثاني فيتمثل في الجانب الفكري والتنويري، ويهدف إلى تفكيك الخطاب المتطرف، وإعادة الاعتبار للمؤسسات الدينية والتربوية الرسمية، لتقديم خطاب تنويري عقلاني يحترم كل أطياف المجتمع ومؤسسات الدولة.
وخلاصة القول:
شَكّلت ثورة الثلاثين من يونيو طوق نجاة للهُوية المصرية بأبعادها التاريخية والثقافية والاجتماعية. فَبِها استردت الدولة وَجهها الحضاري القائم على الوسطية والتسامح، وحَمت نسيجها المجتمعي من التمزق عبر ترسيخ الترابط بين كافة أطيافه؛ لتستعيد ريادتها الثقافية والفنية، وتؤكد أنَّ هُويتها الراسخة هي المحرك لحاضرها والضامن لمستقبلها المُشرق.
الباحث في الشؤون السياسية والتربوية.









