أولاً: تعريف الحب
يندرج الحب تحت مظلة “علم الجمال”، وهو أحد أرقى فروع الفلسفة. ويُعدّ الحب من المصطلحات المرنة التي لا تخضع لتعريف واحد، تماماً كمصطلحي الحرية أو العدالة؛ فهي مصطلحات مجردة. ولكن يمكننا تعريفه في ضوء علم الجمال أو فلسفة الفن بأنه: ميل ونزوع تجاه المحبوب لأسباب متعددة، ليس الجمال أولها ولا آخرها، كما أن الجمال لا يقتصر على شكل الجسد فحسب، بل يمتد ليشمل المضمون والجوهر أيضاً.
وفي التراث العربي، جمع الفلاسفة والمتصوفة بين البعدين الروحي والواقعي؛ فمثلاً، يحلل ابن حزم الأندلسي في كتابه “طوق الحمامة” الحب تحليلاً نفسياً، ويرى فيه اتصالاً بين الأرواح. بينما يرى المتصوفة (مثل ابن عربي) الحب الإلهي كقوة محركة للكون. وفي التصور الإسلامي العام، يتجسد الحب في أرقى صوره في “المودة والرحمة”؛ كفعل أخلاقي عميق، وسكن، واستقرار نفسي وعاطفي.
ثانياً: رؤية مصطفى محمود للحب
نحن الآن بصدد قراءة عقلية فذة سطرت وتحدثت في شتى ألوان المعرفة؛ رجل جمع بين العلم والإيمان، ورغم عدم توفيقه في استمرار حياته الزوجية بسبب شغفه بالعلم والتفرغ التام له على حساب الأسرة، إلا أننا نجد لديه تعريفات عقلانية ورصينة عن الحب. ففي زمن أصبحت فيه الأنثى مجرد ديكور أو سلعة، وتحول الزواج عند البعض إلى ما يشبه التجارة حيث المال مقدم على الأخلاق، نجد مصطفى محمود ينصح الشباب بسر دوام الزواج في ضوء القرآن الكريم، وهو: المودة والرحمة، محذراً من الزواج القائم على المصلحة والمنفعة والشهوة دون اقتناع وتفاهم. والأمثلة على ذلك كثيرة بحكم تجاربي في الحياة؛ فعمري ثلاثون عاماً ولكنني أشعر وكأنني عشت ستين عاماً من كثرة ما رأيت.
يعرّف مصطفى محمود الحب بأنه “الألفة ورفع الكلفة”، والصدق في العلاقة والابتعاد عن الكذب، دون تجمل مصطنع أو أقنعة، وبعيداً عن التمثيل أو الابتذال؛ إذ تأتي الألفة لتجعل الطرفين يتعاملان بمنتهى الشفافية وتلقائية ودون أي تكلف.
ثالثاً: الحب بين الوهم والحقيقة الفلسفية
يقولون أحياناً إن الحب أكذوبة، لكنها أكذوبة جميلة! والحقيقة أنه موجود، لكن كل شخص يراه من منظور مختلف؛ فالحب عند مصطفى محمود هو العقلانية والتفاهم والمودة والرحمة. وعند فلاسفة اليونان، نجد الحب عند أفلاطون هو السمو والارتقاء نحو الكمال (الحب الأفلاطوني)، وعند أرسطو هو حب الفضيلة والصداقة. أما الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت، فيُعرّف الحب بأنه تلك الحالة من الميل أو الرغبة العميقة تجاه شخص يجلب لنا السعادة، وهو عند ديكارت ليس انفعالاً عاطفياً أعمى، بل عاطفة مبنية على الإرادة، والوعي، والاختيار، والرغبة في تقديم الخير للمحبوب.
ختاماً:
الحب ليس رفاهية بل هو مسؤولية؛ فإما أن تكون جديراً وقادراً على رعاية المحبوب وتحمل التزامات هذا الحب -إذ لا يُرى للمتحابين مثل النكاح (الزواج) وتوفير المناخ المناسب لزرع نبتة الحب- وإما أن تتركه. الحب سر مقدس من أسرار الحياة، والحياة بطبيعتها خُلقت شاقة لتمحيص واختبار هذا الحب؛ وللأسف، هناك الضعيف الذي يهدم كل شيء مع أول مطب عابر فتذبل وردته، وهناك المكافح الصامد على العهد مع الحياة، وهناك من يستحق أن تُكافح لأجله أيضاً.
وهناك من ينظر للحب باستهزاء قائلاً: (يا عم حب إيه؟!)، وفريق آخر يقدر الحب؛ لأننا لن نستطيع إنكار وجوده حتى لو لم نملك محبوباً في الوقت الحالي. يقول الله عز وجل في سورة الروم (الآية 21): “وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ” (صدق الله العظيم). فالمودة هي الحب الخالص المتبادل الذي يترجم إلى سلوكيات وأفعال طيبة.
ونختم مقالنا بمقتطفات للدكتور إبراهيم الفقي -رحمه الله-: “الحب هو ملح الحياة الذي يعطيها طعماً، عش حياتك بالحب، بالأمل، بالكفاح، ولنعش كل لحظة كأنها آخر لحظة في عمرنا، لأن الغد بيد الله”.










