قراءة نقدية
قراءة في نص «عصف القبلات» للشاعر أحمد بشار الحلاق
يقدم الشاعر أحمد بشار الحلاق في نصه «عصف القبلات» تجربة شعرية مشبعة بالحس الوجداني والرمزية، حيث تتحول القبلة من فعلٍ عابر إلى كيانٍ حيّ يقيم في الذاكرة والجسد معًا. فالقصيدة لا تتناول الحب بوصفه حالة آنية، بل بوصفه أثرًا ممتدًا يقاوم الزمن ويستمر في تشكيل الوعي والوجدان.
يفتتح الشاعر نصه بقوله:
«ما زالت كل القبلات تعصف في فمي»
ومنذ السطر الأول يضع القارئ أمام صورة غير مألوفة؛ فالقبلة هنا ليست ذكرى هادئة، بل عاصفة. إنها قوة اقتحامية ما زالت تمارس حضورها رغم انقضاء زمنها. ومن خلال هذا التوصيف يمنح الشاعر للمشاعر طاقة حركية تتجاوز حدود الاسترجاع التقليدي، لتصبح فعلًا مستمرًا يضرب أعماق الذات.
وتتجلى براعة الصورة الشعرية في قوله:
«شفاه تستحضر أمجادها… كفنًا وهوية!»
حيث ينتقل النص من الحميمي إلى الوجودي. فالقبلة لم تعد مجرد لحظة عشق، بل أصبحت جزءًا من هوية المتكلم، وفي الوقت نفسه كفنًا يلتف حول ذاكرته. إنها مفارقة تجمع الحياة والموت في صورة واحدة، وهو ما يضفي على النص عمقًا دلاليًا واضحًا.
كما يوظف الشاعر سلسلة من الصور المتلاحقة التي تقوم على التضاد والحركة المستمرة؛ فهناك:
النبع والأرض.
الحلم واليقظة.
الشوق والاعتياد.
البدايات والانهيار.
وهذه الثنائيات تمنح النص توتره الجمالي وتجعله قائمًا على صراع دائم بين الرغبة والفقد، وبين الحضور والغياب.
ومن أجمل المقاطع قوله:
«تبتكر للنوم حلمًا جديدًا في أحضان الألوان»
فالحلم هنا لا يأتي تلقائيًا، بل يُبتكر ابتكارًا، وكأن الذاكرة العاشقة ترفض الاستسلام للفراغ، فتواصل صناعة عوالمها الخاصة كي تحافظ على ما تبقى من أثر الحبيب.
أما على المستوى اللغوي، فيعتمد الحلاق على لغة كثيفة ومشحونة بالاستعارات والانزياحات الشعرية. فهو لا يصف المشهد العاطفي مباشرة، بل يقدمه عبر شبكة من الرموز والصور التي تفتح باب التأويل أمام القارئ. وهذا ما يمنح النص طابعه الحداثي ويجعله أقرب إلى قصيدة الرؤيا منه إلى القصيدة الغنائية التقليدية.
وفي خاتمة النص:
«ما زالت كل النبضات ترتحل في دمي، أوردة تغتال جسدها… بكرةً وعشيةً»
يصل الشاعر إلى ذروة المأساة الوجدانية. فالنبض نفسه يتحول إلى رحلة لا تنتهي، والأوردة تصبح أداة اغتيال ذاتي، في صورة مؤلمة تعكس استنزاف العاشق تحت وطأة الذكرى المستمرة.
في المجمل، ينجح أحمد بشار الحلاق في تقديم نص غني بالصور والإيحاءات، يتجاوز مفهوم الحب العاطفي المباشر ليغدو تأملًا في أثر العشق على الذاكرة والهوية والجسد. إنها قصيدة تكتب القبلة لا بوصفها لحظة، بل بوصفها قدرًا، وتحوّل الذكرى إلى كائنٍ حيّ يواصل العصف في الروح مهما ابتعد الزمن.
هدى حجاجي أحمد
كاتبة وروائية وناقدة أدبية.
النص
عَصْفُ القُبُلَاتِ
مَا زَالَتْ كُلُّ القُبُلَاتِ..
تَعْصِفُ فِي فَمِي،
شِفَاهٌ تَسْتَحْضِرُ أَمْجَادَهَا..
كَفَناً وَهُوِيَّةً!
مَعَارِكُ كُبْرَى تَاهَتْ جُذُورُهَا..
مَا بَيْنَ نَبْعٍ مُتَمَرِّدٍ،
وَأَرْضٍ شَهِيَّةٍ!
مَا زَالَتْ كُلُّ القُبُلَاتِ..
تَتَوَهَّجُ كَحُلْمٍ يَتَنَزَّهُ فِي رَأْسِ المَسَاءِ،
لِيَحْيَا تَفَاصِيلَهُ المُعْتَادَةَ..
مُعَلَّقاً فَوْقَ أَغْصَانِ لَيْلٍ لَا يَنَامُ!
تَبْتَكِرُ لِلنَّوْمِ حُلُماً جَدِيداً..
فِي أَحْضَانِ الأَلْوَانِ،
تِلْكَ الَّتِي تُزَيِّنُ ظَمَأَ سَرِيرٍ..
يَشْتَاقُ طَيْفَهُ الْمُغْتَرِبَ،
تَحْتَ سَطْوَةِ الغِطَاءِ!
تُرَاوِغُ اعْتِيَادَ الشَّوْقِ..
بِزَيْفٍ أَنِيقٍ، سَرْعَانَ مَا يَنْهَارُ..
فِي لَهْفَةِ البِدَايَاتِ..
رَقْصاً وَغِنَاءً!
مَا زَالَتْ كُلُّ النَّبَضَاتِ..
تَرْتَحِلُ فِي دَمِي،
أَوْرِدَةٌ تَغْتَالُ جَسَدَهَا..
بُكْرَةً وَعَشِيَّةً!
ديوان سِفْرُ العَاشِقيْنَ .. أحمد بشار الحلاق










