حين تم إقصاء المنتخب المصري عن كأس العالم بمؤامرة علنية دنيئة خرجت مصر من السباق بشرف يفوق شرف الحصول على الكأس، وكسبت احتراما وتعاطفا يعلوان فوق فساد الفيفا والحكم المرتشي والإدارة المسيسة للبطولة، وشهدت شعوب الأرض أن مصر لم تكن تلعب ضد الأرجنتين وحدها، بل أيضا ضد الصهاينة وأذنابهم، الذين أزعجهم أن يرفع المنتخب المصري علم فلسطين، ويتحدث عن معاناة شعبها، فكان الانتقام منه بفجور أمام أعين العالم، وفازت الأرجنتين بأهداف مسروقة وبالعار معا، ولم يحتفل أحد معها بهذا الفوز الملوث إلا إسرائيل، بينما احتفل العالم باللاعبين المصريين الذين كانوا مثالا للاحتراف والكفاءة والكبرياء.
لم يكن المشهد مجرد مباراة، وإنما حلقة من حلقات التحول التاريخي نحو الوعي بالحرب التي تخوضها الصهيونية العالمية ضد من يجرؤ على كشف جرائمها والتعاطف مع ضحاياها والتذكير بحقوق الشعب الفلسطيني، وبفضل هذا التحول التاريخي لم تعد إسرائيل في نظر العالم واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط كما تدعي، ولم تعد الدولة المسالمة التي تبحث عن الأمن، بل انكشف أمرها وعرف العالم حقيقتها؛ دولة احتلال عنصري غاشم متوحش ضد كل القيم الإنسانية والحضارية، دولة ظلم واغتيالات وإبادة جماعية.
لقد دفع الشعب الفلسطيني ثمنا باهظا لكي يتحقق هذا التحول التاريخي عالميا نحو الوعي بحقيقة إسرائيل، ولكي نرى زعماء وساسة وقادة رأي وإعلاميين وبرلمانيين وطلابا يفضحون الغطرسة الإسرائيلية والهيمنة الأمريكية، وتصبح إسرائيل وأمريكا معا دولتين مارقتين منبوذتين، ونحن شهود على هذا التحول التاريخي الذي جعل العالم يتعافى من أكاذيب السردية الصهيونية، ويرى بصيصا من نور الحقيقة، وتلك معجزة العصر فعلا، فلو أن أحدا أخبرنا قبل سنوات قليلة بأن الكوكب بأسره سيتوحد ضد الكيان الصهيونى لظننا أنه يهذي.
في بلدة (إل بورغو) الإسبانية، وخلال احتفال تقليدي بـ (حرق يهوذا) السنوي، حيث تحرق دمية لأكثر الشخصيات شرا، صنع السكان هذا العام دمية ضخمة لبنيامين نتنياهو، طولها 7 أمتار، وحشوها بالمتفجرات، ودونوا عليها جرائمه في غزة و لبنان، ثم فجروها في مشهد سينمائي وسط هتافات آلاف الحاضرين، وعندما احتجت إسرائيل واعتبرت ذلك (معاداة للسامية)، لم يرضخ رئيس الوزراء بيدرو سانشيز لتهديدات تل أبيب وواشنطن، و طار إلى بكين لعقد تحالف استراتيجي شامل مع الصين، وأعلن استعداده لإنشاء جيش أوروبي مشترك بعيدًا عن الهيمنة الأمريكية.
ونشر رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ تغريدة زلزلت الأوساط الدبلوماسية، شبه فيها تنكيل جنود إسرائيل بشهيد فلسطيني بما كان يفعله جنود الاحتلال قسرا بنساء كوريا خلال الحرب العالمية الثانية، مؤكدا أن إسرائيل صارت في قفص الاتهام الأخلاقي بنفس الجرائم التاريخية التي عانت منها كوريا.
وقالت ناتاشا بيرك موسار رئيسة سلوفينيا: “حرب الإبادة ضد الفلسطينيين لم تتوقف، والناس في غزة والضفة الغربية لايعيشون في سلام وكرامة، لذلك نرفع علم فلسطين على واجهة القصر الرئاسي وبداخله ليكون تذكيرا لنا ولمن يزورون مكتبنا بالانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها إسرائيل بحق القانون الدولي، وبحق الإنسان الفلسطيني، وليكون نداء بسيطا لاحترام المبدأ الحضاري الإنساني؛ كرامة الإنسان للجميع”.
وشن السيناتور الأمريكي كريس فان هولين هجوما على نتنياهو بسبب قيام جندي إسرائيلي بهدم تمثال للسيد المسيح في جنوب لبنان، مؤكدا أن دولة إسرائيل تمارس اضطهادا مستمرا على المجتمع المسيحي في القدس وسائر الأرض المحتلة، كما يقوم المستوطنون بهجمات مستمرة على القرى المسيحية بالضفة الغربية.
وأمام البرلمان البولندي وقف النائب جريجورز براون يقول بأعلى صوته: “نحن نتعرض للابتزاز كي لا ننطق بالحقيقة؛ إسرائيل دولة إرهابية”.
وتتحول حفلات التخرج في الجامعات الأمريكية إلى مناسبات للتضامن مع القضية الفلسطينية، ورغم حملات الترهيب والتشويه تظل فلسطين حاضرة في كلمات الطلاب الذين اعتادوا فضح جرائم الاحتلال وإدانة تورط حكومتهم في تلك الجرائم من خلال الدعم العسكري والمالي واللوجستي، والتأكيد على أن التغيير قادم لا محالة مهما حاول نتنياهو تأخيره.
أما الصحفية الأمريكية آبي مارتن فتقول إن الصهيونية في رمقها الأخير، اعزلوا هذه الدولة المارقة، إنها لا تعيش إلا بفضل ثقل دعايتها، وقد انهارت تلك الدعاية تماما، وصار العالم يراها على حقيقتها.










