فتح ملف المعاهد العليا ضرورة من أجل تصويب مسارها، وحل مشكلاتها المعقدة، ولا سيما ما يتعلق بتدني جودة التعليم وارتفاع المصروفات الدراسية، حتى باتت تنافس الجامعات الخاصة في التكلفة، بينما ينخفض العائد التعليمي والتدريبي عامًا بعد آخر، بما يهدد مستقبل حملة شهادات المعاهد العليا، ويؤثر في سعي عدد من النقابات إلى قبول خريجيها، وكذلك في سوق العمل.
ملف المعاهد العليا ثقيل ومعقد، ويحتاج إلى وقفة جادة من جانب وزارة التعليم العالي لدراسة هذا الوضع وتقديم الحلول. فالمعاهد العليا تضم نحو 20% من المقيدين بالتعليم العالي، ويبلغ عددها 208 معاهد، تضم 840 ألف طالب، وتتوزع على ثمانية قطاعات أكاديمية، أبرزها قطاع المعاهد الهندسية، الذي يضم 55 معهدًا، والمعاهد التجارية، وعددها 71 معهدًا، ومعاهد علوم الحاسب الآلي والمعلومات، وعددها 16 معهدًا، ومعاهد اللغات والإعلام، وعددها 19 معهدًا، ومعاهد السياحة والفنادق، وعددها 15 معهدًا، ومعاهد الخدمة الاجتماعية، وعددها 17 معهدًا، ومعاهد التمريض، وعددها ثمانية معاهد. وهذا العدد الهائل من المعاهد والطلاب لا تتوافر له فرص التعليم والتدريب بجودة مناسبة؛ فلا أعضاء هيئة تدريس كافون وأكفاء، ولا معامل ومختبرات وورش، ولا برامج تدريس حديثة تواكب تطور سوق العمل، ولا حتى منظومة إدارية قادرة على اتخاذ خطوات التطوير المناسبة.
لقد جاء السعي إلى تحقيق أعلى ربح على حساب الاستثمارات المطلوبة لتطوير البرامج الدراسية، وتوفير بنية تحتية مناسبة، والتعاقد مع أساتذة ومعيدين ومدربين أكفاء يحصلون على رواتب جيدة. ونتيجة لذلك، تراجع مستوى جودة التعليم في تلك المعاهد، رغم الرفع المتوالي للمصروفات الدراسية في معظمها، لتتفاقم أزمة تأهيل هذا العدد الكبير من منتسبي التعليم العالي في مصر، وتصبح أزمة تزداد عمقًا واتساعًا، وتؤثر سلبًا في القوة البشرية المنتجة. فلدينا 20% من طلاب التعليم العالي لا يحصلون على تعليم جيد، وعند خروجهم إلى سوق العمل سيجدون أن مهاراتهم غير كافية، فإما أن يعودوا إلى التدريب والتعليم من خلال الدورات، وإما أن يجري تهميشهم في سوق العمل. وهكذا يدفع الطلاب من أعمارهم ثمن تدني مستوى التعليم في تلك المعاهد، وتخسر مصر طاقة قطاع كبير من أبنائها، المنوط بهم رفع الإنتاجية وزيادة معدل التنمية.
إننا أمام مشكلة كبيرة لا ينبغي الصمت عليها أو تمريرها وكأنها أمر واقع لا يمكن تعديله أو إصلاحه. وعلينا مواجهة هذا الهدر في طاقات شبابنا، واتخاذ إجراءات سريعة تقوم على قياس مستوى الجودة، وتطوير المعاهد غير الملتزمة بمعايير جودة التعليم أو إغلاقها. فالهدف ليس تخريج حملة شهادات عليا بكفاءة متدنية حتى تواصل تلك المعاهد نشاطًا لا يعود بفائدة، بل يسبب ضررًا على المدى المتوسط والبعيد، بعد أن تحولت كثير من المعاهد إلى مجرد أبواب خلفية لبيع شهادات عليا لا قيمة حقيقية لها.










