الوسطاء الإقليميون يعملون على دفع الولايات المتحدة وإيران نحو وقف إطلاق نار جديد، وسط مخاوف من أن يستقر الصراع بين الطرفين عند مستوى أقل من الحرب الشاملة، لكنه يستمر في تعطيل اقتصادات المنطقة إلى أجل غير مسمى، مع بقاء خطر وقوع خطأ في الحسابات قد يؤدي إلى تصعيد واسع؛ تأتي هذه الجهود بعدما نفذت الولايات المتحدة ليلتها الحادية عشرة المتتالية من الضربات الجوية، وردّت إيران باستهداف حلفاء واشنطن العرب، بينهم الكويت والبحرين، كما أصيبت سفينة أخرى في مضيق هرمز بمقذوف أدى إلى اندلاع حريق فيها، ما اضطر طاقمها إلى إخلائها؛ ولا تزال حركة الملاحة في المضيق شبه مشلولة، إذ بلغ متوسط السفن العابرة بين الأربعاء والجمعة 10 سفن يوميًا فقط، معظمها عبر المسار الذي تسيطر عليه إيران، وفق بيانات شركة كبلر المتخصصة في تتبع السفن.
الحوثيون والتناقض الكامل !
وزادت المخاطر بعد إعلان جماعة الحوثي اليمنية المدعومة من إيران، يوم الإثنين الماضي، فرض حصار على الملاحة السعودية في ظل التوتر القائم مع المملكة؛ وتأخذ السعودية وشركات الأمن البحري هذا التهديد على محمل الجد، لأنه قد يقطع طريق البحر الأحمر الذي تستخدمه الرياض لتصدير نفطها بعيدًا عن الحصار المفروض في مضيق هرمز؛ واقترحت قطر وقفًا لإطلاق النار لمدة عشرة أيام، إلى جانب إنهاء القيود المفروضة على الملاحة في مضيق هرمز، في محاولة لخفض التوتر، بحسب الوسطاء؛ طبقا لما نشرته جريدة وول ستريت جورنال الأمريكية، ولم يتضح بعد ما إذا كان أي من الطرفين مستعدًا لقبول هدنة جديدة، بعد انهيار اتفاق السلام الأولي الذي وُقع في منتصف يونيو الماضي وسقط في وقت سابق من هذا الشهر؛ كما طُرحت على إيران خلال الأيام الأخيرة مقترحات أخرى لوقف إطلاق نار مؤقت، إلا أن الحرس الثوري الإيراني لم يرد عليها حتى الآن، بحسب عدد من الوسطاء؛ طبقا أيضا لجريدة الواشنطن بوست الأمريكية.
وقال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، أثناء مغادرته الفلبين، إن إيران أبلغت عبر وسطاء أنها ترغب في إجراء محادثات؛ من جانبه، قال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن الوسطاء يعملون بنشاط لمنع مزيد من التصعيد، وقد نقلوا عدة مقترحات إلى طهران، مضيفًا أن الدبلوماسيين الإيرانيين سيدرسون ما إذا كان بالإمكان التوصل إلى حل؛ وأكد روبيو أن الولايات المتحدة لا تزال منفتحة على الدبلوماسية مع إيران، لكنه شدد على أن أي اتفاق يجب أن يكون “اتفاقًا تلتزم إيران بالعيش وفق شروطه”؛ ويواجه الوسطاء معضلة كبيرة بسبب التناقض الكامل بين مطالب واشنطن وطهران بشأن مضيق هرمز؛ فإيران ترى أن مذكرة التفاهم التي وقعتها مع الرئيس دونالد ترامب قبل شهر تمنحها حق إدارة إعادة فتح المضيق؛ أما الولايات المتحدة، فتساعد السفن على استخدام ممر بديل خارج إشراف إيران يمتد بمحاذاة الساحل العماني.
المهمة المستحيلة واغلاق المضيق
وقال عمر كريم، الباحث في شؤون أمن الخليج بجامعة برمنغهام لصحيفة وول ستريت جورنال: “في ظل استمرار غياب المرشد الأعلى الإيراني، وإصرار إيران على عدم التخلي بأي شكل عن إدارة مضيق هرمز، أصبحت الوساطة مهمة شبه مستحيلة”؛ وكانت إيران قد بدأت مطلع يوليو الحالي استهداف السفن التي تستخدم الممر العماني، ما أدى إلى سلسلة من الضربات والضربات المضادة تسببت في انهيار اتفاق وقف القتال وأدت إلى إغلاق المضيق أمام معظم حركة الملاحة؛ وقال ماركوس بيكر، رئيس قسم الشحن والبضائع في شركة الوساط للصحيفة الأمريكية وول ستريت جورنال “إذا نظرت إلى خرائط الهجمات، ستجد أن مواقعها أصبحت في كل مكان؛ لم يعد هناك مكان آمن”؛ وأضاف أن أسعار التأمين البحري ارتفعت بشكل كبير، حيث تُفرض رسوم أقل على السفن التي تستخدم المسار الإيراني، بينما تدفع السفن التي تختار الممر العماني رسومًا أعلى؛ وقال: “إنه أمر يثير السخرية، لكنه واقع الحال”.
وردّت الولايات المتحدة على الهجمات بشن ضربات جديدة، إلى جانب إعادة فرض الحصار على الموانئ الإيرانية؛ وفي الأردن، أدت الهجمات الإيرانية على قاعدة عسكرية إلى مقتل جنديين أمريكيين، وفقدان ثالث، وإصابة عدد آخر، في أحد أكثر الأيام دموية للقوات الأمريكية منذ اندلاع الحرب؛ كما وسعت الولايات المتحدة قائمة أهدافها داخل إيران لتشمل الجسور، والبنية التحتية للسكك الحديدية، وبرج المراقبة في ميناء جابهار؛ وترى قطر أن لديها فرصة للضغط من أجل هدنة جديدة، انطلاقًا من أن الاقتصاد الإيراني المنهك لا يستطيع تحمل مزيد من الخسائر الناتجة عن الحرب والحصار الأمريكي.
لكن القوات الأمنية الإيرانية أكدت أنها ستواصل القتال؛ وفي الوقت نفسه، تنقل الولايات المتحدة مقاتلات F-16 وF-35 إلى المنطقة لتعزيز قدراتها العسكرية؛ كما أعلنت بلغاريا، يوم الإثنين، أن الولايات المتحدة طلبت الإذن بنشر ثماني طائرات للتزود بالوقود جوًا على أراضيها، لدعم العمليات الأمريكية في الشرق الأوسط؛ من جانبه، قال رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين الإيرانيين محمد باقر قاليباف عبر وسائل التواصل الاجتماعي إن نقل المزيد من المعدات العسكرية الأمريكية إلى المنطقة يدل على أن واشنطن ليست جادة في إنهاء الحرب.
الإعلان عن أسماء القتلى والموارد
وفي تطور لافت، فقد اقتربت الولايات المتحدة وإيران أكثر من حافة الحرب الشاملة خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي، مع استمرار التصعيد المتبادل في استهداف المنشآت المدنية والعسكرية، ومقتل ما لا يقل عن ثلاثة، وربما أربعة، من أفراد القوات الأمريكية منذ استئناف القتال قبل أسبوع؛ كما ذكرنا في بداية المقال، وأطلقت القيادة المركزية الأمريكية مساء الأحد موجة جديدة من الضربات ضد مواقع عسكرية داخل إيران، قالت إنها تهدف إلى “تقليص قدرة إيران على مهاجمة السفن التجارية في مضيق هرمز”؛ وقال الرئيس دونالد ترامب للصحفيين، بعد عودته إلى قاعدة أندروز الجوية عقب نهائي كأس العالم، كما نشرت جريدة الواشنطن بوست، إن الضربات جاءت “تكريمًا لأولئك الوطنيين العظماء الذين قتلوا”.
وأعلنت وزارة الدفاع الأمريكية صباح الاثنين هوية الجنديين اللذين قُتلا يوم الجمعة في قاعدة بالأردن، وهما: الملازم أول تايلر جيمس فيهان (25 عامًا) من هاواي؛ المجندة إيزابيلا غونزاليس (19 عامًا) من ولاية تكساس؛ وأكدت الوزارة أن التحقيق في الحادث لا يزال جاريًا؛ كما أعلنت القيادة المركزية أنها عثرت على رفات غير محددة الهوية لشخص ثالث داخل القاعدة نفسها في الأردن؛ وفي حادث منفصل، أعلنت القيادة المركزية عن مقتل عسكري أمريكي في شمال العراق السبت أثناء تنفيذ تفجير مسيطر عليه لبقايا طائرة مسيرة إيرانية سقطت هناك؛ وقال ترامب: “نشعر بحزن شديد بسبب هذه الوفيات، لكن هؤلاء الوطنيين العظماء كانوا يقاتلون حتى لا تمتلك إيران سلاحًا نوويًا؛ لقد تعرضت إيران لضرر بالغ، وكادت تخسر كل قدراتها العسكرية”.
وأعلنت البحرين والكويت صباح الاثنين تعرضهما لسلسلة من الهجمات الإيرانية، في وقت تحدثت فيه تقارير عن إرسال البنتاغون مزيدًا من الطائرات العسكرية إلى المنطقة؛ وقال مسؤول أمريكي مطلع على النقاشات الداخلية داخل الإدارة: “الولايات المتحدة تستعد لاحتمال اتساع نطاق الحرب”؛ إلا أن المسؤول، الذي طلب عدم الكشف عن اسمه، أوضح أن أي توسع في العمليات الأمريكية سيواجه قيودًا كبيرة بسبب التناقص في مخزون صواريخ الدفاع الجوي؛ انخفاض مخزون الذخائر بعيدة المدى؛ صعوبة إرسال مزيد من القوات والطائرات بسبب الأضرار التي لحقت بالقواعد الأمريكية؛ وأضاف: “ليست لدينا الموارد الكافية للاستمرار في العمليات بأمان، ولا أعتقد أن البيت الأبيض يدرك ذلك”.
مخاوف من أي عملية برية
قال خبراء عسكريون إن الولايات المتحدة ليست مستعدة لأي عملية برية داخل إيران، وهو احتمال رفض ترامب استبعاده الأسبوع الماضي؛ وقال سيث جونز، مدير قسم الدفاع والأمن في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطن: “أعتقد أن إرسال قوات برية إلى الجزر داخل المضيق أو إلى الأراضي الإيرانية سيكون خطأ؛ القوات الأمريكية ليست مستعدة لمواجهة الضربات الإيرانية بعيدة المدى”؛ الغارات الجوية منذ انهيار اتفاق وقف إطلاق النار، بعد أن انهارت التفاهمات إثر الهجمات الإيرانية على السفن التجارية العابرة لمضيق هرمز، والتي قالت طهران إنها جاءت ردًا على انتهاك الولايات المتحدة لمذكرة التفاهم الموقعة قبل شهر؛ وأعلنت إيران أن القوات الأمريكية استهدفت أيضًا محطة نووية قيد الإنشاء في جنوب غرب البلاد؛ وقال وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت، خلال مقابلة مع شبكة ABC أن المهمة الرامية إلى تقويض قدرة إيران على إرهاب العالم ستستمر حتى تكتمل.
وأضاف مسؤول أمريكي لصحيفة الواشنطن بوست أن الضربات التي نفذتها الولايات المتحدة الأسبوع الماضي ضد الجسور وخطوط السكك الحديدية قرب بندر عباس اعتبرتها إيران تصعيدًا خطيرًا، وهو ما دفعها إلى توسيع ردها العسكري؛ وقال: “أصبح الإيرانيون أقل ترددًا في إيقاع خسائر بشرية كبيرة في صفوف الأمريكيين”؛ وقالت السلطات الكويتية إن إيران هاجمت محطة للكهرباء وتحلية المياه لليوم الثاني على التوالي؛ في المقابل، أعلنت إيران أنها شنت هجمات بطائرات مسيرة ضد مواقع عسكرية أمريكية داخل الكويت؛ كما أعلنت الأردن أنها اعترضت ثلاثة صواريخ إيرانية كانت تستهدف أراضيها، وسط تقارير عن تعرض ميناء ومطار العقبة لهجمات؛ ونفت الحكومة الأردنية تقارير للسفارة الأمريكية في عمّان تحدثت عن إخلاء مطار العقبة؛ كما أعلنت إيران أن سفينتين مجهولتي الهوية تعرضتا لحادث أثناء عبورهما “مسارًا غير آمن” داخل مضيق هرمز، في إشارة على ما يبدو إلى الممر الجنوبي الذي تحميه الولايات المتحدة بمحاذاة السواحل العمانية، والذي ترفض إيران الاعتراف به.
انقسام داخل إيران، وادعاءات ترامب
قال ترامب إن “المتشددين” داخل طهران تسببوا في انقسام داخل النظام الإيراني؛ لكن تقارير داخلية تشير إلى أن الحرب بدأت تدفع باتجاه تعزيز التأييد للتيار الأكثر تشددًا؛ وقال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، قبل مغادرته إلى الفلبين: “الولايات المتحدة ما زالت منفتحة على الحلول الدبلوماسية، لكن يبدو أن الانقسام داخل النظام الإيراني يتزايد”؛ ومن طهران، قال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن بلاده لن تدخر جهدًا في مواجهة الجرائم الأمريكية، لكنه أكد أيضًا وصول مبادرات تفاوض جديدة؛ دافع وزير الطاقة الأمريكي عن تصريحات ترامب السابقة التي توقع فيها أن تستمر الحرب من أربعة إلى ستة أسابيع حتى تستسلم إيران؛ وقال إن وقف القتال السابق كان يهدف إلى التوصل لاتفاق يسمح بتدفق النفط دون أن تهاجم إيران السفن.
ونفى الوزير الأمريكي صحة البيانات التي تشير إلى توقف شبه كامل لحركة النفط عبر مضيق هرمز؛ وأكد أن الولايات المتحدة تضمن استمرار تدفق النفط والغاز والسلع الأخرى سواء تعاونت إيران أم لم تتعاون؛ وأضاف أن نحو سبعة ملايين برميل نفط يوميًا عبرت الممر الجنوبي خلال الأسبوع الماضي؛ وقال رايت إن أسعار البنزين في الولايات المتحدة أصبحت أقل بدولار للغالون مقارنة بما كانت عليه خلال إدارة بايدن؛ لكن السيناتور الديمقراطي مارك وارنر رد قائلاً: “لا أعرف أي محطة وقود يقصدها الوزير، لكن متوسط سعر البنزين في ولاية فرجينيا قبل الحرب كان 2.81 دولار للغالون”؛ وأضاف: “لا أرى أي طريق قريب لتسوية أزمة مضيق هرمز؛ هذه الحرب كانت حرب اختيار، وكانت كارثة عسكرية وكارثة على صورة الولايات المتحدة في العالم”.
خسائر متزايدة في القواعد الأمريكية
وأعادت الوفيات الأخيرة النقاش حول سلامة القواعد الأمريكية المنتشرة في الشرق الأوسط؛ وقال أحد الجنود الذين خدموا سابقًا في قاعدة موفق السلطي الجوية بالأردن إن معظم المباني هناك عبارة عن منشآت معدنية أو حاويات أو خيام، وهي غير قادرة على تحمل هجمات الصواريخ أو الطائرات المسيّرة؛ وأضاف أن حتى المباني المحصنة لا تستطيع الصمود أمام إصابة مباشرة بصاروخ باليستي؛ وأشار إلى أنه في أوائل مارس، خلال موجة من الضربات المتبادلة بين واشنطن وطهران، أصاب صاروخ إيراني مباشر ثكنات محصنة في معسكر عريفجان بالكويت، واخترق طبقات الحماية ودمر نحو نصف المبنى؛ وأكد أن أضرارًا مشابهة لحقت بعدد من المنشآت العسكرية الأمريكية في أنحاء المنطقة.
وقال الجندي الأمريكي أن القوات تتعرض للضرب في كل مكان”؛ والأردن أصبح هدفًا متكررًا كان الهجوم الذي وقع الجمعة هو المرة الثانية خلال أسبوع التي تنجح فيها إيران في استهداف قاعدة موفق السلطي الجوية؛ وقبل ذلك بيوم تقريبًا أصاب هجوم آخر نحو عشرين عسكريًا أمريكيًا، بعضهم بشظايا الصواريخ؛ كما تعرضت خلال الأسبوع الماضي، قاعدة الملك فيصل الجوية، لهجوم أدى إلى إصابة عدد من العسكريين؛ والهجوم ألحق أضرارًا بعدد من مروحيات بلاك هوك؛ ورفض كل من البنتاغون والقيادة المركزية التعليق على تلك الهجمات السابقة؛ كما لم تعقد وزارة الدفاع الأمريكية أي مؤتمر صحفي بشأن العمليات العسكرية ضد إيران منذ الخامس من مايو.
الكاتب الصحفي والباحث في العلاقات السياسية الدولية










