أستاذ العلوم اللغوية المساعد
كلية التربية بجامعة عين شمس
عندما أطلت علينا نظريات التحليل النفسي وفي مقدمتها نظرية فرويد أجمعت هذه النظريات على أهمية النفس البشرية، وما يدور داخلها، وأثر بواطن النفس في تفسير كثير من السلوكيات التي قد تبدو متناقضة، وهي في جملتها تعبر عن مكنون مضطرب للنفس البشرية.
لقد أضحت هذه النظريات اليوم تشكل ملامح منهج نفسي يعطي النص الأدبي تفسيرًا ينطلق من داخل النفس وما تخفيه من بواطن ونوازع وهمهمات لا تظهر للعيان إلا لروح من يقترب منها ويسبل النظر والتأمل في بواطنها.
وقد وجدت هذه المناهج النفسية صداها لدى كتاب الرواية المعاصرين الذين لم يكتفوا برصد ملامح الواقع المشاهد وتصوير التجارب الحية لأبطال رواياتهم؛ ولكنهم انطلقوا إلى ما وراء ذلك يسبرون أغوار النفس البشرية، ويستنطقون نوازعها ويحللون سلوكيات أبطالهم في ضوء ما يحكمها من نوازع نفسية ذات طبيعة متناقضة في كثير من الأحيان.
وجاءت هدى جلبي لتمثل هذا الاتجاه في كتابة الرواية المعاصرة؛ فأولت النفس البشرية قدرًا هائلًا من المساحة في البناء الروائي، وأطلقت العنان لأبطال رواياتها ينطلقون وراء حواراتهم الداخلية المعبرة عن نوازع وكوامن نفسية لا نراها بعيوننا؛ ولكننا نلمسها بإحساسنا من خلال لغة الراوي وسردياته المعبرة بقوة عن أبطال الرواية؛ كشفًا عن تناقضاتهم الخفية.
وقد ساعد في ذلك أن المبدعة هدى جلبي تجعل الراوي عادة يختبئ في مظلة البطل الرئيسي للرواية، فهو في هذه الرواية (رسالة الى هزار) يتحدث على لسان سلمى عاطف، وهي الأم التي وصفتها هدى جلبي في مقدمتها بأنها تكتب حكايتها؛ فهي حكاية أم بين الأمس واليوم، تعبر عن مكنون نفسي مضطرب لأم تعاني من عقوق ابنتها البكر التي أولتها اهتمامها ورعايتها، ولم تبخل عليها هي ولا أبوها بحب ورعاية وحنان، حتى تخرجت في كليه الطب وصارت طبيبة، ولكن هذه الشخصية النرجسية كانت تخبئ داخلها نوازع وبواطن كامنة تعبر عن حقد دفين تجاه أسرتها.
لم تجد هذه الأم المكلومة في ابنتها سوى نكران الجميل والتمرد والشقاق، وهي التي ربتها وأولتها عنايتها ورعايتها واهتمامها، ولكنها قابلت كل ذلك برد فعل يتمثل في نكران الجميل.
جعلت هدى جلبي من هذه الشخصية محور روايتها، وجعلت الرواية كلها في شكل رسالة تكتبها الأم المكلومة إلى ابنتها هزار، ولكنها ليست رسالة من طابع عادي، إنها رسالة تعبر فيها عن كوامن نفسية داخل البطلة الأم؛ فهي الرسالة التي كتبتها لهزار ولكنها لم ترسل بها إليها، وكأنها تكتب وتفرغ طاقاتها النفسية وشحناتها العاطفية المكنونة فوق الأوراق؛ لتعبر بذلك عن صرخة أم لم تُعط الفرصة لتطلق صرخاتها في الهواء الطلق، فجعلت من صرخاتها كلمات تكتب بها فوق أوراقها بدموع قلبها ودماء وجيعتها.
أبدعت هدى جلبي في التعبير عن ذلك في روايتها، وشكلت الرواية في شكل التداعي الحر في لغة سردها، فالأزمة تبدأ منذ الصفحات الأولى من الرواية؛ فتبدأ الرواية بالأزمة التي تعانيها الأم المكلومة عندما رأت ابنتها أمام ناظريها تغادر المنزل دون أسى أو أسف او اعتذار، وهنا بدأت الام تستدعي بالتراسل الحر وبطريقه اللاوعي الأحداث والمشاهد التي عاصرتها مع ابنتها منذ لحظات ولادتها الأولى؛ فتتذكر كل ما كان بينهما، تتذكر كل الأحداث؛ ولكنها في هذه المرة تنظر إلى الأحداث برؤية مختلفة.
كانت الأم في تلك الفترات التي تتذكرها تعامل ابنتها بمنطق الأم الحانية العطوفة، ولكنها الآن تحلل وتسبر أغوار نفسية البنت، وتقرأ من جديد كل التصرفات والسلوكيات التي رأتها في ابنتها على مدار هذه السنوات.
لا نجد في هذه الرواية أسبابًا قد تكون كافية لتفسير رد فعل الابنة المتمثل في نكران الجميل بهذه القسوة، فلا نجد تفسيرًا لسلوكيات الابنة إلا أن تكون هذه الابنة قد جمعت في قلبها عوامل غيرة وحقد وحسد نفسي مرضي تجاه المجتمع الذي تعيش فيه، وبصفة خاصة الأسرة التي عاشت في كنفها، ولكن هدى جلبي قد تركت لنا خيطين ربما نستطيع من خلالهما أن نتعرف أسباب هذه الفجوة النفسية التي قامت بين البنت والأم؛ أما الخيط الأول فيتمثل في كون أبيها قد رفض زواجها من رجل تقدم لها وكانت الابنة تريده؛ ولكن الأب رأى أن هذا الزواج لا يمكن أن يحمل عوامل زواج ناجح، وأما الخيط الثاني فهو يتمثل في أن هذه الابنة كانت الضحية لحقد دفين من صديقة أمها التي كانت تتستر وراء أثواب الصداقة المزيفة، ولعل هذه الصديقة قد أخذت من اسمها صفتها؛ فهي الصديقة (سهام) صديقة البطلة التي تقربت من ابنتها، وأوهمتها بحبها، ولكن سلمى أدركت في ثنايا تحليلها لسلوكيات هذه الصديقة بعد ذلك أنها كانت تحرض ابنتها عليها، وتحاربها بسهام غيرة خفية لم تدرك سلمى إلا بعد حين قسوة هذا المشهد ودمويته في أبشع صور خيانة الصديقة لصديقتها.
تنطلق البطلة وراء همهمات نفسها ووراء حواراتها الداخلية، وتنطلق وراء تحليلها لشخصيات قصتها، فهاهي تتذكر سهام وكل ما فعلته مع ابنتها ومعها، فتقول لابنتها في رسالتها: “هنيئًا لك بغض سهام!، إياك أن تشكي في حقيقة مشاعرها نحوك، يا لك من حمقاء! لقد رسمت لك خطة الخروج والرحيل كي تضغطي عليَ لإملاء شروطك؛ لكنها لم ترسم لك خطة العودة، إنك وإياها لم تدركا ولم تعرفا أنك بهذا الرحيل كسرت كل الجسور بيني وبينك حين اتخذت منها صديقة ومؤتمنة على أسرارك”، كانت توجه هذه الكلمات الى ابنتها بعدما أرادت ابنتها التقرب منها مره أخرى من خلال بعض الأقارب؛ كي تعود وترجع وكأنها هي الضحية، وكأن الأم هي الجلاد، ولكن الأم في هذه المرة رفضت ذلك، وأرادت أن تعلو فوق سذاجتها التي استمرت بها لسنوات وسنوات، فهاهي تقول في حوارها مع نفسها: “لن أسمح لك ولا لغيرك أن تجعل مني ممسحة باب تدوسينها في الدخول وفي الخروج، لن أسمح لك باستغلالي والكذب عليّ؛ كما كنت تفعلين لسنوات وسنوات”.
إنها الأم المكلومة التي تتعجب من ابنتها ومن تصرفاتها ومن كل ما فعلته معها؛ فهل هي أخطأت في تربيتها؟ هل هي أساءت في التعامل معها؟ ولكنها في النهاية تجد العوض في ابنتها وابنها الآخرين؛ ولربما كان سبب التدليل المفرط الذي أسهبت به البطلة في تدليل ابنتها المارقة هزار، ربما يرجع ذلك أنها لم تنجب بعدها إلا بعد بضع عشرة سنة، فهي في هذه السنوات الطوال لم تجد معها سوى هزار، فنظرت إليها على أنها الابنة والصديقة والحبيبة؛ فأغدقت عليها من عواطفها، وسخرت كل مكنونات نفسها لتحقيق أحلامها. إنها الأم المحطمة البائسة، ولكنها لم تعد كذلك في نهاية الرواية؛ فقد وجدت نسخة أفضل منها؛ أما النسخة الأفضل التي وجدتها في نهاية الرواية؛ فبعد كل هذا الأسى وكل هذه الكلمات والرسائل المبطنة بدموع نفسها ودماء قلبها استطاعت أن تنتصر على نفسها، واستطاعت أن تعيش سعادتها، وأيقنت أن السعادة لا تبنى من خلال أشخاص يحيطون بها؛ ولكن السعادة هي قدرتك على التأقلم والحياة، فالسعادة تكمن في التعلم في أن تعيش مع نفسك، وهاهي تقول في آخر صفحات الرواية: “ستدرك أن السعادة الحقيقية تنبع من داخلك أنت، وأنها لم تكن ولن تكون أبدًا في أيدي البشر. لن تجد شيئًا خارجيًا يقول لك: أنا السعادة، لن يعرفها لك أحد مهما بلغت به المقدرة على التعبير أو بلاغة اللفظ. كانت وستظل نابعة منك وحدك”. ولعلها بهذه الكلمات القليلة قد عبرت عن الهدف الأساسي الذي أرادت هدى جلبي أن ترسي دعائمه من خلال هذه الرواية؛ فهي في هذه الرواية تعبر عن كبوات نفسية يتعرض لها المرء في حياته، ولكنها كبوات -رغم صعوبتها ودمويتها وقسوتها- تصنع من الإنسان إنسانًا جديدًا، وتجعله يتغلب على نفسه وذاته الهشة الضعيفة التي كان عليها؛ لتخرج منه نسخة جديدة قادرة على الحياة والبقاء. نسخة تستطيع أن تَسعد وتُسعد من حولها دونما سذاجة ودونما غفلة عن مكنونات البشر المحيطين بها.
استطاعت هدى جلبي من خلال هذه الرواية أن ترسي بقوة فكر اللاوعي في البناء الروائي. استطاعت أن تجعل من هذه الرواية ناطقة بلسان المشاعر والقلوب الكلمى. استطاعت أن تعبر من خلال سردياتها ومن خلال حواراتها الداخلية التي كانت تتبادلها البطلة بينها وبين نفسها أن تقف على أبعاد عميقة من أبعاد النفس البشرية، وهو اتجاه أدبي نفسي يتمثل في بناء روائي متكامل معبر عن النفس وهمهماتها ونوازعها وكوامنها الخفية بشكل يعبر عن جزء كبير من شعورنا ربما نغفل عنه؛ ولكنه يؤثر بقوة في سلوكياتنا وفي سلوكيات من حولنا.
إن السلوك البشري ينطلق من النوازع الكامنة داخل النفس البشرية، ولا نستطيع أن نفسر هذا السلوك إلا في ضوء قراءة هذه النوازع النفسية والكوامن الخفية، فإن استطعنا أن نفعل ذلك فإننا نكون قد أجدنا في رسم مشهد نفسي معبر بصدق عما حولنا ومن حولنا.
ومن الملامح المميزة لهذا البناء الروائي في تلك الرواية أن الكاتبة المبدعة قد أجادت في اختيار أسماء أبطال روايتها، أما الأم فهي سلمى المسالمة التي كانت تمثل السلام والأمان لابنتها؛ ولكنها طُعنت في ظهرها، وأما الابنة الأخرى لها فهي أبرار التي برت أمها وقدمت لها العوض عن الغدر والمكر الذي ذاقته من جفوة ابنتها هزار، وأما الصديقة الحقودة التي حرضت هزار على أمها فهي سهام التي تعبر عن سهام مسمومة أطلقتها في ظهر سلمى، وأرادت من خلالها أن تفرق الشمل والجمع.
وأخيرًا نقول: إن هذه الرواية التي أبدعت هدى جلبي في صياغة أفكارها ومشاعرها وكتابة كلماتها استطاعت بقوة أن تعبر فيها عن نوازع النفس البشرية، وأجابت بريشتها الروائية ورسمت ملامح البطلة والشخصيات الأخرى داخل البناء الروائي في لغة سردية شائقة، والقارئ لهذه الرواية لا يمل منها؛ فهو يشرع في قراءتها، ولا يترك مقعده إلا بعد الانتهاء منها، فهذه الرواية لم تقسمها الكاتبة فصولًا أو مقاطع ولكنها تركتها من أولها إلى آخرها في استرسال سردي روائي حر، وكأنها أرادت أن تقول للقارئ: إن هذه الرواية لا فكاك من أن تُقرأ في جلسة واحدة، ولن تستطيع أيها القارئ أن تترك مقعدك قبل الانتهاء منها؛ فالرسالة هكذا تُقرأ في مرة واحدة، وهذه الرواية هي رسالة أم إلى ابنتها. رسالة لم تر النور أبدًا بين ناظري قارئ سواك أيها القارئ المحظوظ.











