منذ أكثر من نصف قرن يعيش الشرق الاوسط على ايقاع الصراعات والحروب ورغم عشرات المبادرات والاتفاقيات لا يزال السلام الحقيقى بعيد المنال . لأن الأمن لايمكن أن يقوم على معادلة تمنح طرفا واحدا تفوقا استراتيجيا مطلقا بينما يطلب من بقية الاطراف الاكتفاء بالوعود والضمانات السياسية .
لقد اصبح السلاح النووى أحد أهم عناصر القوة والردع فى العالم وعندما تمتلكه دولة فى منطقة شديدة التوتر مثل الشرق الاوسط فإن ذلك يخلق شعورا دائما بعدم التوازن لدى الدول الأخرى ويدفعها الى البحث عن وسائل تحقق الردع وحماية أمنها القومى ومن هنا تتجدد الأزمات المتعلقة بالبرامج النووية فى المنطقة وتزداد المخاوف من سباق تسلح لا يعرف أحد كيف ستكون نهايته .
إن ازدواجية المعايير فى التعاممل مع الملف النووى لا تساعد على تحقيق الاستقرار بل تثير مزيدا من الشكوك وتعمق حالة انعدام الثقة فلا يمكن المطالبه بمنع الانتشار النووى بينما يبقى الحديث عن الترسانات النووية الموجودة فى المنطقة غائبا عن أى نقاش دولى جاد
ولهذا فإن الطريق الحقيقى نحو السلام ليس فى زيادة عدد الدول المالكة للسلاح النووى لان ذلك سيضاعف مخاطر وقوع كارثة لا تحمد عقباها وإنما فى تبنى مشروع شامل لإخلاء الشرق الاوسط بأكمله من الاسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل دون استثناء لآى دولة وبضمانات دولية ملزمة وأليات رقابة متساوية على الجميع
إن السلام لا يتحقق بتفوق عسكرى دائم لطرف على حساب الاخرين بل يتحقق عندما يشعرالجميع بإن أمنهم مصان . وأن القانون الدولى يطبق على الجميع دون تمييز أو استثناء , فالأمن الحقيقى لايقوم على احتكار القوة وإنما على العدالة والتوزان الاحترام المتبادل
لقد اثبت التاريخ أن سباقات التسلح لا تصنع سلاما دائما بل تؤجل الضراعات وتزيد من احتمالات انفجارها أما السلام القائم على العدالة والمساواة والالتزام المتبادل فهو وحده القادر على حماية شعوب المنطقة من ويلات الحروب
ان الشرق الاوسط يحتاج اليوم الى رؤية جديدة تجعل من اقامة منطقة خالية من السلاح النووى هدفا استراتيجيا لأن مستقبل الأجيال القادمة لا ينبغى أن يظل رهينة لترسانات قادرة على تدمير المنطقة بـأكملها فى لحظات . فإذا كان العالم يريد سلاما حقيقيا فى الشرق الاوسط فلا بد أن يكون هذا السلام قائما على أمن متكافىء ومعايير واحدة والتزام شامل من جميع الاطراف بعيدا عن الانتقائية وازدواجية والمعايير فبدون ذلك سيظل السلام هشا وستبقى المنطقة عرضة للتوتر والصراعات.
كاتب وباحث اقتصادى ومحام بالإستئناف العالى ومجلس الدولة









