وقع شريكان في حقل تمار الإسرائيلي للغاز مذكرة تفاهم غير ملزمة مع مشتر مصري لم تُكشف هويته، لتصبح بذلك ثالث اتفاقية توريد طويلة الأجل يبرمها الحقل مع مصر، بقيمة إجمالية قد تصل إلى نحو 20 مليار دولار، وفق إفصاح تلقته البورصة الإسرائيلية من شركة إسرامكو المنتجة للغاز، وبحسب تقرير نشرته نشرة ميس . ووقعت إسرامكو وشركة مبادلة للطاقة المملوكة لحكومة أبوظبي تلك المذكرة لتوريد ما يصل إلى 80 مليار متر مكعب من الغاز من حقل تمار، في الفترة الممتدة بين عامي 2031 و2038، مع إمكانية التمديد التلقائي حتى عام 2043 في حال تجديد عقد إيجار إنتاج الحقل.
ما يعنيه المبلغ الإجمالي:
لم يُذكر هذا الرقم صراحة في الإفصاح، إذ تقدر إسرامكو حصتها بنحو 5.75 مليار دولار، وهي الإيرادات التي ستجنيها من حصتها البالغة 28.75% في حال باع حقل تمار الكمية بالكامل (80 مليار متر مكعب). ووفقا لحساباتنا، يبلغ الإجمالي لجميع شركاء الحقل نحو 20 مليار دولار، ولكن بشرط انضمامهم جميعا إلى الاتفاقية. ويوضح الإفصاح أن توريد الكمية الكاملة يتوقف على مشاركة جميع الشركاء، ما يعني أن الكميات المتعاقد عليها والقيمة الإجمالية قد تنخفضان نسبيا إذا قرر بعضهم عدم المشاركة.
انضم شريكان وتبقى أربعة:
وقعت المذكرة حتى الآن شركتا إسرامكو ومبادلة للطاقة، اللتان تمتلكان معا 39.75% من حقل تمار. ولم يؤكد الشركاء الباقون رسميا انضمامهم. ويشمل الشركاء الآخرون شركة شيفرون المشغلة للحقل (25%)، وتمار بتروليوم (16.75%)، ويونيون إنرجي (14.5%)، ودور غاز (4%). كما أشارت نشرة ميس إلى أن المشتري ليس شركة بلو أوشن إنرجي، مما يرجح أن شركاء الحقل قد اتفقوا مع طرف مصري آخر.
التسعير مرتبط بخام برنت، مع وضع حد أدنى:
سيتبع التسعير في هذه الاتفاقية تسعير خام برنت، مع وضع حد أدنى للسعر، والإبقاء على شروط الدفع أو الاستلام، من أجل أن تتماشى بوجه عام مع اتفاقيات التصدير السابقة لإنتاج الحقل مع مصر. وتفترض الاتفاقية متوسط سعر محقق يبلغ نحو 7 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية طوال مدتها، استنادا إلى تقديرات إيرادات إسرامكو، بحسب ميس. ويقل هذا السعر عن السعر المتوسط الذي دفعته مصر خلال عام 2025 مقابل الغاز المستورد من حقلي تمار وليفياثان المجاور، والذي بلغ 7.60 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية.
ثالث اتفاق طويل الأجل لتوريد الغاز من حقل تمار إلى مصر:
يأتي هذا الاتفاق المقترح في أعقاب عقد سابق وقعته شركة دولفينوس في عام 2018 لتوريد 25.3 مليار متر مكعب (قبل أن يحال إلى شركة بلو أوشن إنرجي المدعومة من الدولة ويُعدل في عام 2019)، والذي يغطي الشحنات بداية من النصف الثاني لعام 2020. كما يأتي أيضا في أعقاب اتفاقية أخرى وُقعت في 2024 لتوريد 43 مليار متر مكعب، ارتبطت بتوسعة إنتاج الحقل والبنية التحتية الجديدة للتصدير، بما في ذلك خط أنابيب نيتسانا ومسار خط الغاز العربي الموسع عبر الأردن.
وبدلا من استبدال العقود الحالية، ستُضاف الاتفاقية المقترحة تدريجيا إليها، حسبما أفادت نشرة ميس في تقريرها. وستبدأ الإمدادات بكميات سنوية قليلة نسبيا في عام 2031 مع استمرار سريان الاتفاقيات السابقة، قبل أن تتزايد الكميات تدريجيا مع اقتراب موعد انتهاء تلك العقود.
خلفية:
تأتي اتفاقية تمار المقترحة بعد مرور نحو عام على تعديل مصر وتحالف ليفياثان اتفاقية تصدير الغاز الحالية لتأمين 130 مليار متر مكعب إضافية من الغاز حتى عام 2040، بموجب اتفاقية بلغت قيمتها 35 مليار دولار. وفي وقت سابق من هذا العام، أعلن شركاء ليفياثان وشركة نيوميد إنرجي استيفاء جميع الشروط المسبقة للاتفاقية، مما مهد الطريق أمام شيفرون وشركائها للمضي قدما في توسعات بقيمة 2.4 مليار دولار، من شأنها أن تضاعف القدرة الإنتاجية للحقل تقريبا لتصل إلى 21 مليار متر مكعب سنويا بحلول عام 2029، وزيادة الصادرات تدريجيا لتبلغ نحو 2.1 مليار قدم مكعب يوميا.
خطة القاهرة للتحول إلى بوابة إقليمية
لا تقتصر هذه الخطوات على ضمان الحصول على إمدادات إضافية؛ فكل عقد غاز إسرائيلي طويل الأجل يُمرر عبر مصر يعزز من مساعي القاهرة لترسيخ مكانتها لتصبح بوابة رئيسية لغاز شرق المتوسط. وبدلا من أن تبني إسرائيل بنية تحتية محلية للإسالة، بتكلقة قد تصل إلى 10 مليارات دولار، تواصل تحقيق أرباح من معظم فائض صادراتها عبر محطتي إسالة الغاز المصريتين في إدكو ودمياط، مما يرفع من معدلات استغلال البنية التحتية، حتى في ظل تراجع حجم الإنتاج المصري.
كما ستسمح الاتفاقية المقترحة للمشتري أيضا بتسويق الغاز خارج مصر، على عكس عقود شركة بلو أوشن الحالية، وفق ما أفادت به نشرة ميس. ويتيح هذا إعادة توجيه أي فائض عبر محطتي إسالة الغاز المصريتين لإعادة تصديره، مع مشاركة شركاء حقل تمار في الأرباح. وأكدت مصادر حكومية لإنتربرايز في وقت سابق إمكانية إعادة تصدير الغاز الإسرائيلي المستورد بعد دخوله الشبكة القومية، لكن ارتفاع الطلب المحلي أدى إلى استهلاك تلك الكميات في السوق المحلية بدلا من تصديرها إلى الخارج.
مركز للعبور:
فضلا عن صادرات الغاز الطبيعي المسال، تسعى مصر لاستغلال شبكة خطوط الأنابيب الخاصة بها لتزويد الأسواق المجاورة بالغاز عبر خط الغاز العربي. فقد أثارت اتفاقيات تصدير الغاز السابقة إلى لبنان وسوريا تكهنات بأن بعضا من هذه الكميات قد تتضمن في النهاية غازا إسرائيليا عند اختلاطه بالغاز المحلي في الشبكة القومية المصرية.
مرونة السوق المحلية:
يمكن توجيه الغاز المستورد إلى أي وجهة تحقق أعلى عائد، سواء باستهلاكه محليا لتخفيف نقص الإمدادات، أو إسالته بغرض التصدير عندما تكون هوامش الربح جذابة، أو توجيهه لتغذية الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة. وتتزايد أهمية الاستخدام المرتبط بالصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة مع نمو الاستثمارات في قطاع الأسمدة (كما نرى مع شركة إندوراما وغيرها). إذ تنتج مصر نحو 12 مليون طن من الأسمدة سنويا، وهو ما يمثل أكثر من 4% من الإنتاج العالمي، وتعد واحدة من أبرز الصناعات التصديرية في البلاد. لذا أصبح تأمين إمدادات موثوقة من اللقيم أولوية صناعية لا تقل أهمية عن كونها أولوية لقطاع الطاقة.
تذكر- واردات الغاز الإسرائيلية لا تخلو من المخاطر:
ثمة مخاطر تتمثل في أن الحقول عرضة للإغلاق المفاجئ عند تصاعد التوترات الإقليمية، وهو ما أدى إلى توقف الصادرات عدة مرات هذا العام وقطع الإمدادات عن الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة.
وجهة نظر نشرة “انتربرايز” الاقتصادية المتخصصة — المشهد الأوسع يتمحور حول تنوع البدائل: تساعد واردات الغاز الطبيعي المسال، والواردات عبر خطوط الأنابيب طويلة الأجل، والبنية التحتية (مثل محطات التسييل وسفن التغويز)، في توسيع قدرة مصر على تحديد الوجهة النهائية للغاز المستورد، وهي مرونة تبرز تدريجيا بوصفها واحدة من أكبر الميزات التنافسية للبلاد. فقبل عقد من الزمان، تركزت الطموحات حول التحول إلى منتج رئيسي للغاز بالاعتماد على حقل ظهر، أما اليوم، تتمحور الاستراتيجية حول السيطرة على البنية التحتية وتدفقات التجارة.
الخطوة التالية:
تعد مذكرة التفاهم غير ملزمة، وترتهن بالحصول على موافقات تنظيمية، بما في ذلك تصريح تصدير من وزارة الطاقة، بالإضافة إلى موافقات مجلس الإدارة والموافقات الضريبية ومشاركة باقي الشركاء. وتتوقع ميس إرجاء القرار إلى ما بعد الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية المقرر عقدها في أكتوبر. ففي ظل حل الكنيست ووجود حكومة تسيير أعمال، من المرجح أن يُترك البت في المذكرة للإدارة المقبلة. ومن المقرر أن تنتهي صلاحية المذكرة بعد نحو شهرين في حال عدم توقيع اتفاق ملزم، مع أن الأطراف قد تتفق على تمديدها، وهو السيناريو الذي ترجحه نشرة ميس.










