في قلب تشيرنوبل، حيث يموت البشر وتزدهر الفطريات في مايو 1997، دخلت عالمة الأحياء الأوكرانية نيللي زهدانوفا (Nelli Zhdanova) إلى أكثر الأماكن إشعاعاً على وجه الأرض: أطلال المفاعل رقم 4 في تشيرنوبل. كانت تعلم أن الجرعات الإشعاعية هناك كافية لقتل إنسان في دقائق. لكنها لم تكن وحدها. فعلى امتداد الأسقف والجدران وداخل القنوات المعدنية التي تحمي الكابلات الكهربائية، كان عفن أسود قد استوطن في مكان كان يُعتقد يوماً أنه غير صالح للحياة.
لم يكن هذا العفن مجرد كائن صامد، بل كان ينمو متجهاً نحو مصادر الإشعاع، كما لو كانت تنجذب إليه. فطر أسود، يحمل اسم Cladosporium sphaerospermum، كان يفعل ما يبدو مستحيلاً: يتغذى على الإشعاع. وكما تكتشف النباتات أشعة الشمس وتنمو نحوها، كانت هذه الفطريات تنمو نحو جزيئات السيزيوم المشع.
هذا الاكتشاف، الذي هز أركان علم الأحياء، فتح الباب أمام سؤال لم يكن أحد ليتخيله: ماذا لو كانت الحياة، بدلاً من أن تستسلم للإشعاع، قادرة على استخدامه وقوداً؟ وماذا لو كانت هذه الكائنات، التي تعيش في أكثر الأماكن قسوة على الأرض، تحمل مفتاح حماية البشرية في رحلاتها إلى الفضاء؟
من تشيرنوبل إلى المحطة الفضائية: فطريات تعشق الإشعاع
بعد خمس سنوات من كارثة تشيرنوبل، وتحديداً في عام 1991، عثر الباحثون على فطريات سوداء تنتشر على جدران المفاعل المهجور. لكن الأمر استغرق أكثر من عقد لفهم ما كانت تفعله حقاً. ففي عام 2007، تمكنت الدكتورة إيكاترينا داداشوفا (Ekaterina Dadachova) من كلية ألبرت أينشتاين للطب في نيويورك وزملاؤها من الحصول على بعض هذه الفطريات ودراستها معملياً.
وما وجدوه كان مذهلاً: الفطريات تنمو بشكل أسرع في وجود الإشعاع مقارنة بالفطريات الأخرى. بل إنها زادت في الكتلة الحيوية في بيئة كان مستوى الإشعاع فيها أكثر خمسمئة مرة من البيئة الطبيعية. والسر كان يكمن في الميلانين (Melanin)، وهي الصبغة ذاتها التي تمنح البشر لون بشرتهم وشعرهم.
ففي الفطريات، لا يقتصر دور الميلانين على الحماية من أشعة الشمس كما يفعل في جلد الإنسان، بل يقوم بشيء أكثر إدهاشاً: يمتص الإشعاع المؤين ويحوله إلى طاقة كيميائية يمكن للفطر استخدامها للنمو. هذه العملية، التي أطلق عليها العلماء اسم “التخليق الإشعاعي” (Radiosynthesis)، تشبه إلى حد كبير عملية التمثيل الضوئي التي تقوم بها النباتات، لكنها تستخدم الإشعاع بدلاً من ضوء الشمس.
ولم تقتصر هذه الظاهرة على فطر واحد. فقد وجد الباحثون أن ثلاثة أنواع مختلفة من الفطريات المحتوية على الميلانين – Cladosporium sphaerospermum، وCryptococcus neoformans، وWangiella dermatitidis – تنمو بشكل أسرع في وجود الإشعاع. وكانت النتائج الأكثر إثارة للدهشة عندما اختبر العلماء هذه الفطريات على متن التجربة تم إرسالها إلى محطة الفضاء الدولية على متن رحلة (SpaceX CRS-16) في ديسمبر 2018 واستمرت الأبحاث حتى 2019 ورُفعت الورقة البحثية في 2020.
) ففي تجربة استمرت 26 يوماً، أظهر الفطر قدرة على النمو في بيئة الفضاء، مع ميزة نمو بلغت 21% مقارنة بالظروف الأرضية. والأكثر من ذلك، أن طبقة رقيقة من هذا الفطر بسمك 1.7 ملم تمكنت من تقليل الإشعاع بنسبة 0.84%، مما يجعله مرشحاً محتملاً ليكون درعاً حيوياً ضد الإشعاع في رحلات الفضاء المستقبلية.
البكتيريا الخارقة: حين يصبح إصلاح الحمض النووي رياضة
لكن الفطريات ليست وحدها في هذا المضمار. فهناك كائنات أخرى تتفوق عليها في مقاومة الإشعاع، وتتصدرها بكتيريا “المكورة الغريبة المقاومة للإشعاع” (Deinococcus radiodurans). هذه البكتيريا، التي اكتشفت لأول مرة عام 1956، هي أكثر الكائنات مقاومة للإشعاع على وجه الأرض.
فبينما يموت الإنسان بعد تعرضه لجرعة 5 غراي، وتنتهي حياة معظم البكتيريا عند 50 غراي، تستطيع Deinococcus radiodurans تحمل جرعات تصل إلى 5000 غراي دون أن تفقد حيويتها. أي أنها تتحمل ألف ضعف الجرعة القاتلة للإنسان. وكما يصفها الباحثون، فإن هذه البكتيريا تمتلك قدرة استثنائية على إصلاح الحمض النووي بعد تعرضه للتلف الإشعاعي.
وتكمن عبقريتها في طريقة تغليفها للحمض النووي. فبدلاً من ترك جزيئات DNA مبعثرة في الخلية كما تفعل معظم الكائنات، تقوم هذه البكتيريا بتعبئة جينومها في حزم مضغوطة، تشبه إلى حد كبير الطريقة التي تُطوى بها الخريطة. وعندما يتعرض الحمض النووي للتلف، يكون لديها نظام إصلاح متطور يعيد بناء الجزيئات المكسورة بدقة متناهية، وكأنها تعيد تجميع زجاج محطم إلى حالته الأصلية. وقد اكتشف الباحثون حديثاً أن هذه القدرة الفائقة على الإصلاح تنبع من شبكة تنظيمية معقدة من جزيئات RNA الصغيرة التي توجه عملية الإصلاح بدقة.
وليس هذا كل شيء. فقد عُثر على بكتيريا مقاومة للإشعاع في أماكن غير متوقعة، مثل التربة في القارة القطبية الجنوبية، والينابيع الساخنة، وحتى على سفح جبل إيفرست. ويبدو أن مقاومة الإشعاع هي صفة جانبية لتكيف هذه الكائنات مع الجفاف الشديد، حيث أن آليات حماية الحمض النووي من الجفاف تشبه إلى حد كبير آليات الحماية من الإشعاع.
فطر غامض يعيش داخل تشيرنوبل قد يكون قادرًا على الاستفادة من الإشعاع
بعد ما يقرب من أربعة عقود على كارثة مفاعل تشيرنوبل النووي، لا تزال المنطقة المحيطة بالمفاعل غير صالحة لعيش البشر بسبب مستويات الإشعاع المرتفعة، إلا أن بعض الكائنات الحية نجحت في التأقلم مع هذه البيئة القاسية، بل ويبدو أن أحدها يستفيد من الإشعاع بدلًا من أن يتضرر منه.
ويتعلق الأمر بفطر أسود يُعرف باسم Cladosporium sphaerospermum، أثار اهتمام العلماء بعدما وُجد ينمو بكثافة على الجدران الداخلية لأحد أكثر المباني تلوثًا بالإشعاع داخل موقع تشيرنوبل.
اكتشاف حيّر العلماء
في أواخر تسعينيات القرن الماضي، أجرى فريق من الباحثين مسحًا علميًا داخل المنطقة المحظورة في تشيرنوبل لدراسة الكائنات الحية التي تمكنت من البقاء هناك.
وكانت المفاجأة العثور على 37 نوعًا من الفطريات، معظمها داكن اللون أو أسود بالكامل، إلا أن فطر Cladosporium sphaerospermum كان الأكثر انتشارًا، كما احتوى على أعلى مستويات من التلوث الإشعاعي بين جميع الأنواع التي تم العثور عليها.
هل يتغذى على الإشعاع؟
أظهرت التجارب اللاحقة أن هذا الفطر لا يتحمل الإشعاع فقط، بل ينمو بصورة أفضل عند تعرضه للإشعاعات المؤينة، وهي نوع من الإشعاعات يمتلك طاقة عالية قادرة على إتلاف الحمض النووي والخلايا لدى معظم الكائنات الحية.
وأثار هذا السلوك غير المعتاد فرضية علمية مثيرة تُعرف باسم “التخليق الإشعاعي” (Radiosynthesis).
وتقترح هذه الفرضية أن الفطر قد يستخدم صبغة الميلانين، المسؤولة عن لونه الأسود، لالتقاط طاقة الإشعاع وتحويلها إلى طاقة يستفيد منها، بطريقة تشبه إلى حد ما اعتماد النباتات على الكلوروفيل لاستغلال ضوء الشمس في عملية البناء الضوئي.
الميلانين يؤدي وظيفتين
لا يمنح الميلانين هذا الفطر لونه الداكن فحسب، بل يبدو أيضًا أنه يعمل كدرع يحميه من الآثار الضارة للإشعاع.
ويعتقد الباحثون أن هذه الصبغة قد تؤدي دورًا مزدوجًا، فهي تقلل من تأثير الإشعاع على خلايا الفطر، وربما تساعده أيضًا على الاستفادة من جزء من هذه الطاقة، إلا أن هذه الفكرة ما زالت بحاجة إلى إثبات علمي مباشر.
تجربة خارج الأرض
في عام 2022، نقل العلماء هذا الفطر إلى محطة الفضاء الدولية، ووضعوه على الجزء الخارجي للمحطة ليتعرض مباشرة للإشعاعات الكونية.
وأظهرت أجهزة القياس أن كمية الإشعاع التي مرت عبر طبقة الفطر كانت أقل من تلك التي مرت عبر العينات الخالية منه، مما يشير إلى أن الفطر يمتلك قدرة على حجب جزء من الإشعاع.
وقد دفع ذلك العلماء إلى التفكير في إمكانية استخدامه مستقبلًا ضمن مواد واقية تحمي رواد الفضاء من الإشعاعات خلال الرحلات الفضائية الطويلة.
ما زال السر مجهولًا
ورغم النتائج المثيرة، يؤكد العلماء أنهم لم يثبتوا حتى الآن أن الفطر ينتج طاقة فعلًا من الإشعاع.
فلم يتمكن الباحثون حتى الآن من إثبات وجود مسار حيوي واضح يحول الإشعاع إلى طاقة، كما لم يثبتوا أن الفطر يستخدم الإشعاع في تثبيت الكربون كما تفعل النباتات أثناء البناء الضوئي.
ولذلك تبقى فرضية “التخليق الإشعاعي” احتمالًا علميًا واعدًا، لكنها لم تتحول بعد إلى حقيقة مثبتة.
ليس كل الفطريات تمتلك هذه القدرة
تشير الدراسات إلى أن بعض الفطريات السوداء الأخرى تستجيب للإشعاع بطرق مختلفة، فبعضها ينمو بصورة أفضل، بينما يزداد إنتاجه للميلانين دون أن يزداد معدل نموه.
وهذا يدل على أن الاستجابة للإشعاع تختلف من نوع إلى آخر، وأن قدرة فطر Cladosporium sphaerospermum قد تكون نتيجة تكيف خاص تطور عبر الزمن في البيئات شديدة الإشعاع.
آفاق علمية جديدة
يفتح هذا الاكتشاف الباب أمام أبحاث جديدة لفهم كيفية تكيف الكائنات الحية مع البيئات القاسية، كما قد يساعد مستقبلًا في تطوير مواد جديدة للحماية من الإشعاع، سواء في المفاعلات النووية أو في رحلات الفضاء.
وتؤكد هذه الدراسة أن الطبيعة لا تزال تخفي كثيرًا من الأسرار، وأن بعض الكائنات الحية استطاعت تطوير وسائل مدهشة للبقاء في أماكن يعجز الإنسان عن العيش فيها، وهو ما يمنح العلماء فرصة لفهم آليات جديدة قد تُستخدم مستقبلًا في مجالات الطب والفضاء والهندسة الحيوية.
دب الماء والديدان والحشرات: مملكة واسعة من الصمود
لكن قصة مقاومة الإشعاع لا تقتصر على الميكروبات. فهناك مملكة كاملة من الكائنات الحية الدقيقة والحيوانات المجهرية التي طورت قدرات خارقة على تحمل الإشعاع.
فالجرعة القاتلة لـ 50% من ذباب الفاكهة ( LD_{50} ) تتراوح بين 600 إلى 800 غراي فقط، أما النمل فيتحمل ما بين 1,000 إلى 1,200 غراي حسب النوع. الجرعات الفائقة (أكثر من 2,000 غراي) خاصة بالبكتيريا، وبطيئات المشية، وبعض أنواع طفيليات (Trichinella).
في مقدمة هذه الكائنات تأتي بطيئات المشية (Tardigrades)، أو ما يُعرف بـ “دببة الماء”. هذه المخلوقات المجهرية، التي لا يتجاوز حجمها 0.5 ملم، هي من أكثر الكائنات تحملاً للظروف القاسية على وجه الأرض. فقد ثبت أنها تستطيع تحمل جرعات إشعاعية عالية، أي ما يعادل أضعاف الجرعة القاتلة للإنسان. كما أنها تتحمل الفراغ، والجفاف الشديد، ودرجات الحرارة المتجمدة، مما يجعلها مرشحة للبقاء في الفضاء.
أما ذبابة الفاكهة (Drosophila)، رغم صغر حجمها، فتستطيع تحمل جرعات إشعاعية عالية. وقد ساعدت هذه القدرة الباحثين على دراسة آليات مقاومة الإشعاع على المستوى الجيني، حيث تمكنوا من تحديد الجينات المسؤولة عن هذه الصفة.
ولا ننسى العقارب، التي تمتلك قدرة عجيبة على التكيف مع أقسى الظروف، بما في ذلك مستويات عالية من الإشعاع. وفي عالم الحشرات، يتميز النمل بقدرته على تحمل جرعات إشعاعية تصل جرعات عالية من الاشعاع، مما يجعله من بين أكثر الحشرات مقاومة للإشعاع.
من المعمل إلى المستقبل: كيف ستغير هذه الكائنات حياتنا؟
ما يثير الدهشة حقاً هو أن هذه الكائنات، التي تبدو غريبة وبعيدة عن حياتنا اليومية، قد تكون مفتاحاً لحل بعض أكبر التحديات التي تواجه البشرية.
في الفضاء: رواد الفضاء الذين يسافرون إلى ما وراء الغلاف الجوي للأرض يتعرضون لمستويات عالية من الإشعاع الكوني، الذي يشكل خطراً صحياً جسيماً. وإحدى الأفكار التي يدرسها العلماء حالياً هي استخدام الفطريات المحتوية على الميلانين كدرع حيوي في المركبات الفضائية والمحطات المدارية. فبدلاً من حمل دروع معدنية ثقيلة، يمكن زراعة طبقة من هذه الفطريات على جدران المركبة لامتصاص الإشعاع.
في التنظيف البيئي: يمكن استخدام هذه الكائنات في معالجة النفايات المشعة وتنظيف المواقع الملوثة. فالبكتيريا المقاومة للإشعاع قادرة على تحليل بعض الملوثات الكيميائية والإشعاعية، مما يجعلها أدوات طبيعية لـ “التنظيف الحيوي” (Bioremediation).
في الطب: إن فهم آليات إصلاح الحمض النووي في Deinococcus radiodurans قد يساعد في تطوير علاجات جديدة للسرطان، حيث يمكن الاستفادة من هذه الآليات لحماية الخلايا السليمة أثناء العلاج الإشعاعي. كما أن الميلانين الموجود في الفطريات يفتح آفاقاً جديدة في مجال الحماية من الإشعاع للأشخاص المعرضين له في بيئات العمل النووية.
في الصناعة: تُنتج هذه الكائنات مركبات فريدة تُعرف بـ “الإكستريموليتات” (Extremolytes)، وهي جزيئات تساعدها على البقاء في الظروف القاسية، ولها تطبيقات محتملة في صناعات الأدوية والتجميل والمواد الغذائية.
دروس من أقسى بقاع الأرض
في أعماق مفاعل تشيرنوبل، حيث يموت البشر وتزدهر الفطريات، وفي صحاري أنتاركتيكا، حيث لا شيء ينمو إلا البكتيريا الخارقة، وفي جبال إيفرست، حيث يخف الهواء وتشتد الإشعاعات، تعيش كائنات تخبرنا أن الحياة أقوى مما نظن. إنها تذكير بأن الحدود التي نضعها للحياة هي حدود في أذهاننا، وليس في الواقع.
فطر أسود يتغذى على الإشعاع. بكتيريا تعيد بناء حمضها النووي كأنها تلعب لعبة تركيب. دب ماء بحجم نقطة حبر يتحمل ما لا يتحمله إنسان. هذه الكائنات ليست مجرد فضول علمي، بل هي مختبرات حية تحمل في داخلها حلولاً لمشكلات لم نعرف بعد كيف نواجهها.
وكما قالت الدكتورة نيللي زهدانوفا، وهي تراقب فطرها الأسود ينمو نحو مصادر الإشعاع في تشيرنوبل: “لقد قلبت أبحاثنا مفاهيمنا حول تأثير الإشعاع على الحياة على الأرض رأساً على عقب”. ولعلها ستقلب أيضاً مفاهيمنا حول ما هو ممكن، وما هو مستحيل.
عندما تصبح الحياة درعاً: الفوائد المدنية والعسكرية للكائنات المقاومة للإشعاع
من مختبرات تشيرنوبل إلى ساحات المعارك والمستشفيات
في أعماق مفاعل تشيرنوبل المهجور، حيث لا يجرؤ إنسان على الاقتراب، تنمو فطريات سوداء تتغذى على الإشعاع وكأنها تتناول وجبةً شهية. وفي مختبرات الفضاء، تشكل طبقة رقيقة من هذه الفطريات درعاً حيوياً يحمي رواد الفضاء من الأشعة الكونية. وفي ساحات المعارك المستقبلية، قد تصبح هذه الكائنات المجهرية سلاحاً خفياً يحمي الجنود من أثر القنابل القذرة. ما كان قبل عقود مجرد فضول علمي، أصبح اليوم أداة استراتيجية في مجالات الدفاع والطب والطاقة والفضاء.
لا نتحدث فقط عن كائنات تعيش في الظروف القاسية، بل عن ثورة صامتة في كيفية تعامل البشرية مع الإشعاع، وكيف أن الطبيعة، في أعمق زواياها، قد تكون قد اخترعت حلولاً لمشكلات لم نعرف بعد كيف نواجهها.
في المجال المدني: من تنظيف الكوارث النووية إلى حماية مرضى السرطان
- تنظيف الكوارث النووية: بكتيريا تمتص الإشعاع من التربة والمياه
بعد كارثة فوكوشيما، واجه العالم تحدياً هائلاً: كيفية التعامل مع مياه مشعة تحتوي على السيزيوم والسترونشيوم. الحلول التقليدية باهظة الثمن وتستغرق عقوداً. لكن هناك بديلاً طبيعياً: بكتيريا “المكورة الغريبة المقاومة للإشعاع” (Deinococcus radiodurans).
فهذه البكتيريا، التي تتحمل جرعات إشعاعية عالية لتصل إلي أ ضعاف الجرعة القاتلة للإنسان)، تمتلك قدرة فريدة على امتصاص المعادن الثقيلة والمواد المشعة من البيئة المحيطة. وقد نجح العلماء في هندستها وراثياً لتكسير الملوثات العضوية في النفايات المشعة، مما يجعلها أداة تنظيف حيوي مثالية للمواقع الملوثة.
والأكثر إثارة، أن فريقاً من الباحثين في جامعة جورجيا تمكن من استخدام هذه البكتيريا لتثبيت اليورانيوم المذاب في المياه الجوفية، وتحويله إلى شكل صلب يمكن استخراجه بسهولة. تخيلوا معي: بدلاً من حفر ملايين الأطنان من التربة الملوثة، يمكننا نشر بكتيريا تقوم بالتنظيف بنفسها.
- حماية مرضى السرطان: درع حيوي أثناء العلاج الإشعاعي
يعرف أي مريض خضع للعلاج الإشعاعي أن الأعراض الجانبية قد تكون أقسى من المرض نفسه: التهاب الأمعاء، وتلف الجلد، وضعف المناعة. لكن الباحثين اكتشفوا أن بعض الكائنات المقاومة للإشعاع يمكن أن تحمي الخلايا السليمة أثناء العلاج.
ففي دراسة حديثة، تبين أن بروتيناً يُستخلص من بكتيريا Deinococcus radiodurans يمكنه حماية الخلايا الجذعية المكونة للدم من التلف الإشعاعي، مما يقلل من حدة الأعراض الجانبية للعلاج الكيميائي والإشعاعي. وهذا يعني أن المرضى قد يتمكنون مستقبلاً من تلقي جرعات أعلى من العلاج الإشعاعي، مع أضرار جانبية أقل، مما يزيد من فرص شفائهم.
كما أن الميلانين الموجود في الفطريات السوداء، مثل Cladosporium sphaerospermum، يُستخدم حالياً في تطوير كريمات واقية من الإشعاع، تحمي جلد العاملين في المفاعلات النووية، أو رواد الفضاء، أو حتى مرضى السرطان الذين يتلقون جلسات علاج إشعاعي موضعي.
- حماية رواد الفضاء في رحلات المريخ: درع حيوي يتجدد ذاتياً
تخيل أنك في رحلة إلى المريخ تستغرق 9 أشهر في كل اتجاه. طوال هذه المدة، ستتعرض للإشعاع الكوني الذي يزيد عن حدود الأمان المسموح بها لرواد الفضاء. الحل التقليدي هو دروع معدنية ثقيلة، لكنها تكلف ملايين الدولارات لإطلاقها إلى الفضاء.
هنا يأتي دور الفطر الأسود. ففي تجربة على محطة الفضاء الدولية، تمكن العلماء من زراعة طبقة من Cladosporium sphaerospermum على جدران المركبة، ووجدوا أن طبقة بسماكة ملم فقط قللت من الإشعاع بنسبة أقل من واحد مئوية. هذا الرقم قد لا يبدو كبيراً، لكنه يفتح الباب أمام فكرة ثورية: دروع حيوية ذاتية التجدد، يمكن زراعتها على متن المركبات الفضائية باستخدام مواد محلية من المريخ أو القمر.
- التنبيه المبكر للكوارث الإشعاعية: كائنات حية ترصد الخطر
هل يمكن أن تكون الكائنات المقاومة للإشعاع أجهزة استشعار حية؟ الإجابة هي نعم. فقد طور باحثون في جامعة كولومبيا بكتيريا معدلة وراثياً، تتحول إلى اللون الأخضر الفلوري عند تعرضها للإشعاع. هذه البكتيريا، التي يمكن نشرها في المناطق القريبة من المفاعلات النووية، تقدم إنذاراً مبكراً بأي تسرب إشعاعي، قبل أن تتمكن أجهزة الكشف التقليدية من رصده.
في المجال العسكري: من حماية الجنود إلى إخفاء الطائرات
صبغة الميلانين تمتص الضوء والمرئي والأشعة فوق البنفسجية وجزءاً من الإشعاع الكهرومغناطيسي العالي (مثل أشعة غاما والحرارة/الأشعة تحت الحمراء)، ولكن موجات الرادار (Microwave Radar Waves) تعتمد على امتخاص مغناطيسي/كهربي مختلف وما يلي عبارة عن بحوث استشكافية للاستخدام العسكري وتطبيقاتها
- حماية القوات في ساحات المعارك النووية والإشعاعية
في حالات الحرب النووية أو الهجمات الإرهابية باستخدام “قنابل قذرة”، يتعرض الجنود لمستويات عالية من الإشعاع. وهنا، يمكن استخدام مكملات غذائية تحتوي على مستخلصات من بكتيريا Deinococcus radiodurans، لحماية الجنود من التلف الإشعاعي.
فقد أثبتت الدراسات أن إعطاء هذه المكملات للفئران قبل التعرض للإشعاع قلل من تلف الحمض النووي بنسبة 60%، وزاد من فرص البقاء على قيد الحياة. وهذا يعني أن الجنود يمكن أن يحصلوا على “درع داخلي” ضد الإشعاع، مما يزيد من قدرتهم على البقاء في ساحات المعارك الملوثة إشعاعياً.
- تمويه الطائرات والمعدات العسكرية: كائنات تمتص الحرارة والرادار
الأكثر إثارة للدهشة هو الاستخدام المحتمل لهذه الكائنات في التمويه العسكري من خلال بحوث جديدة تجري. فالميلانين الموجود في الفطريات السوداء ليس مجرد صبغة، بل هو مادة فائقة الامتصاص للإشعاع الكهرومغناطيسي. وقد بدأت شركات الدفاع في دراسة استخدام هذه المادة في طلاء الطائرات العسكرية، لجعلها أقل اكتشافاً بواسطة الرادار والأشعة تحت الحمراء.
تخيل طائرة حربية مغطاة بطبقة من الميلانين الحيوي، تمتص موجات الرادار بدلاً من عكسها، وتخفي حرارتها عن كاميرات التصوير الحراري. هذا ليس خيالاً علمياً، بل هو موضوع أبحاث جارية في مختبرات الدفاع في الولايات المتحدة والصين وروسيا.
- معالجة النفايات النووية في القواعد العسكرية
القواعد العسكرية التي تعمل بمفاعلات نووية، أو التي خزنت أسلحة نووية، تترك وراءها إرثاً من النفايات المشعة. وهنا، يمكن استخدام البكتيريا المقاومة للإشعاع في معالجة هذه النفايات في الموقع، دون الحاجة إلى نقلها إلى مراكز دفن بعيدة.
فقد أثبتت التجارب أن Deinococcus radiodurans قادرة على تقليل حجم النفايات المشعة عن طريق تكسير الملوثات العضوية، وتثبيت العناصر المشعة في شكل صلب لا يتسرب إلى البيئة. وهذا يعني أن القواعد العسكرية قد تصبح أكثر أماناً، وأقل عرضة للتسرب الإشعاعي.
- تعزيز قدرات البقاء في البيئات القاسية
في الحروب غير التقليدية، مثل العمليات في الصحاري أو المناطق القطبية، يتعرض الجنود للإشعاع الشمسي العالي، والإشعاع الكوني، والجفاف. وهنا، يمكن استخدام الأنزيمات المستخلصة من الكائنات المقاومة للإشعاع في تطوير ملابس واقية، وأغذية مدعمة، ومعدات تحمي الجنود من هذه الظروف القاسية.
فالأنزيمات التي تستخدمها هذه الكائنات لإصلاح حمضها النووي، يمكن استخدامها في كريمات تحمي الجلد من الأشعة فوق البنفسجية، وفي مكملات غذائية تقوي جهاز المناعة، وفي مواد عازلة تحمي المعدات من الحرارة والبرد، مما يجعل الجنود أكثر قدرة على الصمود في بيئات لم تكن صالحة للحياة من قبل.
دروس من تشيرنوبل إلى المستقبل
من مفاعل تشيرنوبل المهجور، حيث تنمو الفطريات السوداء متغذية على الإشعاع، إلى مختبرات ناسا حيث تختبر الدروع الحيوية، إلى ساحات المعارك حيث يحمي الميلانين الجنود من الرادار، تقف هذه الكائنات المجهرية شاهدة على قوة الحياة في مواجهة الموت.
ما بدأ كفضول علمي حول كائنات تعيش في الظروف القاسية، تحول إلى ثورة في مجالات الدفاع والطب والطاقة والفضاء. فبكتيريا Deinococcus radiodurans قد تصبح مفتاحاً لتنظيف الكوارث النووية، وفطر Cladosporium sphaerospermum قد يصبح درعاً لرواد الفضاء، وميلانين الفطريات السوداء قد يصبح مادة لتمويه الطائرات.
وكما قال عالم الأحياء الدقيقة إيكاترينا داداشوفا: “لقد قلبت أبحاثنا مفاهيمنا حول تأثير الإشعاع على الحياة على الأرض رأساً على عقب”. ولعلها ستقلب أيضاً مفاهيمنا حول ما هو ممكن، وما هو مستحيل، في عالم يزداد فيه التحدي، وتتسع فيه حدود المعرفة.
في المرة القادمة التي تسمع فيها عن الإشعاع، تذكر أن هناك كائنات لا تخافه، بل تعتبره غداءً. تذكر أن الحياة، في أقسى ظروفها، تجد طريقها دائماً. وتذكر أن ما نعتبره نهاية، قد يكون، بالنسبة للبعض، مجرد بداية.









