دول الخليج تسعى جاهدة إلى إنهاء الحرب بين الولايات المتحدة وإيران والحد من تداعياتها، إلا أن تباين أولوياتها وخلافاتها القديمة يعرقل بلورة موقف موحد بشأن كيفية تحقيق ذلك، وفقًا لتقرير نشرته بوليتيكو الأمريكية؛ ورغم تكثيف التنسيق بين السعودية والإمارات، وعقد اجتماعات مشتركة مع الولايات المتحدة، وإصدار مجلس التعاون الخليجي بيانات تدين الهجمات الإيرانية، فإن الدول الخليجية تختلف حول أفضل السبل لإعادة فتح مضيق هرمز؛ إذ تفضل بعض الدول تشديد الضغط على إيران، بينما تعطي أخرى الأولوية لاستئناف الملاحة سريعًا مهما كانت التنازلات.
التباينات الخليجية وإيران
وهذه التباينات لا شك أنها تعزو إلى اختلاف المصالح الاقتصادية والبنية التحتية للطاقة، إذ تمتلك السعودية والإمارات وسلطنة عُمان منافذ بديلة لتصدير النفط خارج مضيق هرمز، في حين تعتمد قطر والكويت والبحرين عليه بصورة أكبر؛ كما أن الحرب أعادت إحياء الانقسامات داخل مجلس التعاون الخليجي، مع تباين مواقف الدول من التعامل مع إيران؛ فبينما واصلت عُمان وقطر جهود الوساطة، بدت الإمارات أكثر استعدادًا لدعم التحركات العسكرية، في حين تبنت السعودية موقفًا وسطًا؛ ويرى مسؤولون وخبراء أمريكيون أن دول الخليج قادرة على لعب دور أكبر في إدارة تداعيات الحرب، من خلال التعاون في حماية الملاحة والتنسيق مع القوى الدولية.
إلا أنهم يستبعدون قدرتها على فرض تسوية سياسية في ظل استمرار الخلافات الداخلية؛ إلى أن تعمل دول الخليج أيضًا على تطوير بدائل لطرق تصدير الطاقة، مثل خطوط الأنابيب الجديدة، لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز، لكن هذه المشاريع ستظل معرضة للمخاطر ما دامت الحرب مستمرة، خاصة مع تصاعد هجمات الحوثيين على السفن في البحر الأحمر واستمرار الضربات الأمريكية على إيران.
شكوك حول التهدئة وتوقف الضربات
إلا اننا نلاحظ وأحس بها العالم أجمع ، أن الجيش الأمريكي أوقف غاراته الجوية على إيران بعد نحو أسبوعين من التصعيد، بالتزامن مع تكثيف الجهود الدبلوماسية لتجنب العودة إلى حرب شاملة، إلا أن مستقبل التهدئة لا يزال غير واضح؛ وبينما لوّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإمكانية استئناف الضربات، أكد في الوقت نفسه أن المحادثات مع إيران مستمرة، وسط ترقب لزيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن الأسبوع المقبل، وما قد تحمله من تأثير على مسار الأزمة، كما أشارت مصادر وثيقة الصلة من صانعي القرار في واشنطن لصحيفة أسوشيتد برس.
ونرى أن غياب إسرائيل عن الضربات الأمريكية الأخيرة قد يبعث برسالة إلى طهران بأن واشنطن تسعى إلى احتواء الصراع، لكن أُحذر من أن الهدوء الحالي قد يكون مجرد توقف عملياتي أو فرصة لالتقاط انفاس القوات الأمريكية المرابطة في الخليج، أو حتى فرصة لإفساح المجال أمام مفاوضات تجري بعيدًا عن الأضواء؛ وفي المقابل، أكد مسؤول إقليمي مشارك في الوساطة أن توقف الضربات الأمريكية والهجمات الإيرانية يمثل “إشارة إيجابية” تدعم جهود خفض التصعيد، مشيرًا إلى أن المفاوضات تركز على التوصل إلى تفاهم بشأن إدارة الملاحة في مضيق هرمز، بما يسمح باستئناف حركة السفن مع قيود أقل.
“النواب والشيوخ” والانقسام علي ترامب
وعلى الرغم من توجيه الكونغرس رسالة متضاربة إلى الرئيس دونالد ترامب مؤخراً بشأن تعامله مع الحرب في إيران، وذلك في الوقت الذي تتصاعد فيه الأعمال العدائية في الشرق الأوسط؛ فقد انقسم مجلسا النواب والشيوخ حول مسألة وقف الحرب في اقتراعين حادين؛ ونجح الديمقراطيون في مجلس النواب، بدعم من عدد قليل من الجمهوريين، للمرة الثانية في انتقاد ترامب بسبب حملته العسكرية؛ لكن الجمهوريين في مجلس الشيوخ رفضوا محاولة مماثلة بعد ساعات قليلة، إذ لم يتمكن الديمقراطيون من حشد الدعم اللازم لتمرير إجراء آخر مناهض للحرب؛ وتُسلط الأصوات المتنافسة الضوء على التحديات التي يواجهها المشرعون في كبح جماح ترامب ووقف الصراع الذي استمر قرابة خمسة أشهر.
يُعدّ تصويت مجلس النواب مؤشراً آخر على تزايد استياء المشرعين من الصراع، في ظلّ تعثّر محادثات السلام وتصاعد حدة الأعمال العدائية بين الجانبين في الأسابيع الأخيرة، ما أسفر عن مقتل أربعة عسكريين أمريكيين في الشرق الأوسط خلال عطلة نهاية الأسبوع؛ ويأتي هذا التصويت أيضاً في وقت يسعى فيه الجمهوريون للحفاظ على أغلبيتهم الضئيلة في مجلس النواب في انتخابات نوفمبر؛ لكن تقاعس مجلس الشيوخ يُبرز العقبات الكثيرة التي تواجه الديمقراطيين، وبعض الجمهوريين، وهم يدرسون نهاية الصراع؛ وقد أقرّ كل من مجلس النواب ومجلس الشيوخ تشريعًا لإنهاء الحرب في يونيو؛ ومن المؤكد أن ترامب سيتجاهل تلك الأصوات، ومن المرجح أن يفعل ذلك مجددًا.
هذه القرارات غير مختبرة قانونياً، وهي رمزية إلى حد كبير؛ ولن يُرفع مشروع القانون المقدم إلى مجلس النواب إلى ترامب للتوقيع عليه ليصبح قانوناً نافذاً، ومن شبه المؤكد أنه سيستخدم حق النقض ضد أي تشريع ملزم يقيد سلطته؛ لقد خالف أربعة جمهوريين صفوفهم ليؤيدوا قرارًا بشأن صلاحيات الحرب، تجدد الحرب؛ وقد فعل ذلك يوم الخميس أربعة جمهوريين كانوا قد صوتوا سابقًا لصالح إنهاء الحرب، ثم رفض مجلس الشيوخ، في تصويتٍ بنتيجة 47 صوتًا مقابل 49، محاولةً منه لتمرير قرارٍ مناهضٍ للحرب، واحتفى الديمقراطيون في مجلس النواب بهذا الانتصار، الذي أثبت مجدداً قدرة حزب الأقلية على انتزاع عدد كافٍ من الجمهوريين لإلحاق هزيمة مُذلة بترامب.
صلاحيات الحرب والأعمال العدائية
وقد اعتمد الديمقراطيون على بنود صلاحيات الحرب، وهي إحدى الأدوات القليلة المتاحة لهم، لإجبار الجمهوريين على الإدلاء بتصريحات رسمية بشأن هذا الصراع غير الشعبي، إذ يواجه الحزب الجمهوري خطر تحميله مسؤولية ارتفاع أسعار الوقود قبل أشهر قليلة من انتخابات التجديد النصفي؛ وصرّحت النائبة براميلا جايابال (ديمقراطية من ولاية واشنطن)، لأحد مواقع التواصل الإجتماعي، وهي راعية القرار؛ قائله “هذا يعكس عزمنا على مواصلة الضغط على الرئيس لوقف هذه الحرب، ونسعى من خلال العمل المشترك بين الحزبين إلى ضمان وقوف جميع الجمهوريين إلى جانب الدستور، وضمائرهم، وناخبيهم”؛ الحرب، التي بدأت في فبراير بين الولايات المتحدة وإسرائيل، دخلت شهرها الخامس ولا تلوح في الأفق أي بوادر لانتهاء وشيك؛ وقد انهار وقف إطلاق النار الهش الذي أُعلن عنه في أبريل في وقت سابق من هذا الشهر، مع تبادل الولايات المتحدة وإيران للهجمات.
وإعادة ترامب فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية؛ زعم البيت الأبيض أن وقف إطلاق النار أوقف سريان مهلة الستين يومًا لإنهاء النزاع دون موافقة الكونغرس بموجب قانون صلاحيات الحرب؛ ثم أبلغ ترامب المشرعين الأسبوع الماضي أن البلاد عادت إلى حالة الحرب مع طهران، في محاولة لإعادة احتساب مهلة الستين يومًا؛ ويرى النقاد أن تبرير الإدارة هو قراءة خاطئة لقانون صلاحيات الحرب، مشيرين إلى أن الولايات المتحدة انخرطت في أعمال عدائية، وتحديدًا حصار بحري، حتى خلال فترة وقف إطلاق النار؛ على الرغم من انشقاق عدد قليل من الجمهوريين، إلا أن معظمهم ظلوا مع ترامب؛ كان هناك عدد قليل من الجمهوريين الذين انضموا إليهم لتمرير هذا القانون، ولكن من المهم ملاحظة أن الغالبية العظمى من الجمهوريين لم يتبعوا ضمائرهم ولم يستمعوا إلى ناخبيهم، وصوتوا بدلاً من ذلك لمواصلة إنفاق مليارات الدولارات على هذه الحرب.
إنهم يقولون ان التصويت يُظهر أن لديهم عددًا من الأعضاء الذين لا يعترفون إطلاقًا بتضحيات القوات الأمريكية والهجمات التي شنتها إيران في المنطقة؛ ربما تكون حرب ترامب الجوية في إيران قد وصلت إلى حدودها القصوى، إذ يحاول ترامب ممارسة المزيد من الضغوط على طهران، لكن النظام لم يتزحزح حتى الآن، ولا توجد نهاية واضحة للحرب.
حرب ترامب الجوية وحدودها القصوى
وتشعر إدارة ترامب بالإحباط بشكل متزايد بسبب رفض إيران الاستسلام، حيث صعد الجانبان الهجمات خلال الشهر الماضي في معركة للسيطرة على مضيق هرمز، وهو ممر مائي رئيسي لإمدادات الطاقة العالمية؛ والآن، تعهد ترامب بضرب “جسر واحد أو محطة كهرباء” مقابل كل سفينة تتعرض للهجوم في الخليج العربي؛ لكن بعد مرور خمسة أشهر على الحملة الجوية الأمريكية الضخمة، أصبح وقف إطلاق النار في حالة يرثى لها، ولم تتخلى طهران عن مطالباتها بشأن المضيق، ولم يتمكن البنتاغون من القضاء بشكل كامل على قدرة النظام على شن هجمات بطائرات بدون طيار وصواريخ، وهي حقيقة أكدها مقتل ثلاثة من أفراد الخدمة الأمريكية خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي؛ وما لم تكن الإدارة الأمريكية مستعدة لرفع مستوى الرهان بشكل حاد، ربما عن طريق توسيع قائمة الأهداف المقبولة بشكل كبير أو حتى نشر قوات برية، فمن المرجح أن تستمر الدورة الحالية من الهجوم والهجوم المضاد دون نهاية واضحة أو مخرج من البيت الأبيض.
لقد رأينا أنه عندما تستخدم الولايات المتحدة القوة بتردد أو بشكل تدريجي، فإن ما تفعله هو أنها تطيل أمد الصراع وتزيد المخاطر؛ وحتى الآن، لم يكن هناك أي حشد للقوات البرية يشير إلى أن الغزو البري يلوح في الأفق؛ وقال مسؤول أمريكي إن وضع القوة الأمريكية لا يزال كما كان في فبراير عندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل أولى ضرباتهما الجوية، مع تناوب الأجنحة الجوية والسفن مما أدى إلى إبقاء عدد القوات في المنطقة عند حوالي 50 ألف جندي؛ وقال مسؤول في البيت الأبيض: “في الوقت الحالي، يركز الرئيس على جعل إيران تدفع ثمن انتهاكاتها لمذكرة التفاهم وأعمالها الإرهابية المستمرة في مضيق هرمز”؛ بالإضافة إلى ذلك، سيجعل الرئيس إيران تدفع ثمن الوفيات الأخيرة للجنود الأمريكيين؛ وستستمر هذه الضربات المدمرة حتى يرى الرئيس خلاف ذلك، لكن المحادثات بين البلدين مستمرة.
ولم يستجب البنتاغون لطلب التعليق؛ تاريخياً، نجحت القوة الجوية في القضاء على أهداف محددة، لكنها أثبتت أنها أقل فعالية عندما يتعلق الأمر بتغيير النظام أو تحقيق نصر استراتيجي على إيران؛ وأبدت طهران استعدادها لتحمل القصف الأمريكي؛ حتى الآن، لا توجد مؤشرات واضحة على أن كبار المسؤولين في أي من الجانبين قد شرعوا في السير على طريق واضح لإيجاد مخرج من القتال؛ وبدلاً من ذلك، فإنهم يتطلعون إلى الفوز بأي ميزة يمكنهم الحصول عليها في صراع صغير نسبياً؛ من المؤكد أن القوة الجوية يمكنها أن تفعل الكثير بمفردها؛ كما يقول أحد كبار قادة البنتاجون، لكن يبدو أن القيادة الإيرانية قررت أن الأمر يستحق الاستمرار فعلياً في ممارسة السيطرة على مضيق هرمز، وأعتقد أنهم يعتقدون أن الحفاظ على تلك السيطرة يستحق العودة إلى هذه الحملة الجوية المحدودة.
الكاتب الصحفي والباحث في العلاقات السياسية الدولية









