ثمة خيط خفيّ يربطني بكل ما هو “قديم”، لستُ أحنُّ إليه لمجرد أنه مضى، بل لأنه الزمان الذي عشتُ فيه بكل حواسي، يوم كانت ذاكرتي بكرًا، وطموحاتي تحلق في فضاءات واسعة لا تعرف المستحيل. في ذلك الزمن الجميل، كنتُ أمرح وألعب فوق الرمال، لا يساورني خوفٌ، ولا تقيدني جدران؛ فقد كانت السماء هي سقفي، والأرضُ بساطي الممتد.
أذكر كيف كنتُ أتحرك بخفةٍ بين أغصان البادية، أستنشقُ رائحة الطبيعة في فطرتها الأولى. كنتُ أخرج مع رعي الغنم، تلك المدرسة التي علمتني الصبر والتأمل قبل أن تقيدني أبجدية الحروف. هناك، بين الوهاد والنجاد، تشربتُ عادات قبيلتي؛ تلك القيم التي غرست في نفسي الانضباط والشهامة. ولا زلتُ أرى أمام عيني وجوهاً أصيلة لا تتكرر، ملامحها صادقة، محفورة في سويداء قلبي، وجوهٌ لم يعرف الزيفُ إليها طريقاً.
بالنسبة لي، كان كل قديم جميلاً؛ لأننا لم نكن نخشى شيئاً، ولم تكن تعقيدات الحياة المعاصرة قد أفسدت علينا بساطة العيش بعد. كنا نكتفي بضوء القمر يضيء سمرنا، وبحكايات الكبار تبني خيالنا، وبدفء الجماعة الذي يمنحنا الأمان. هذا الماضي الذي أكتبه الآن ليس مجرد زمن ولى، بل هو هويتي التي أحملها في قلبي أينما ذهبت، وهو الينبوع الذي أستقي منه قيمي في هذا العالم المتغير.










