بين موجات متتابعة من المتغيرات والمؤثرات السلبية والإيجابية، وفي عالم يموج بالصراعات والفتن والتقلبات أمسي وأصبح “إعلام العصر” الموضوعي في مفترق طرق.. وفي مأزق كبير.. يكون أو لا يكون، والفيصل مدي تحقق “الهدف”، “البصمة”، والأثر.
وفي طريقه نحو الجمهور المستهدف لتحقيق دوره الوظيفي يواجه “الإعلام الإيجابي” المبدع بروافده المتعددة جملة من التحديات بين متطلبات “السوق” ،والتحديات “الخوارزمية”،و الفنية والإبداعية قد تؤثر بطريقة أو بأخري في شكل ومضمون الرسالة الإعلامية.
الرئيسية مقالات
د.خالد محسن يكتب: الإعلام الإيجابي ..محددات وتحديات!!
بواسطة د.خالد محسن 1 أغسطس، 2026
د.خالد محسن يكتب: الإعلام الإيجابي ..محددات وتحديات!! 15 – جريدة المساء
من أول السطر
بين موجات متتابعة من المتغيرات والمؤثرات السلبية والإيجابية، وفي عالم يموج بالصراعات والفتن والتقلبات أمسي وأصبح “إعلام العصر” الموضوعي في مفترق طرق.. وفي مأزق كبير.. يكون أو لا يكون، والفيصل مدي تحقق “الهدف”، “البصمة”، والأثر.
وفي طريقه نحو الجمهور المستهدف لتحقيق دوره الوظيفي يواجه “الإعلام الإيجابي” المبدع بروافده المتعددة جملة من التحديات بين متطلبات “السوق” ،والتحديات “الخوارزمية”،و الفنية والإبداعية قد تؤثر بطريقة أو بأخري في شكل ومضمون الرسالة الإعلامية.
والإعلام بصورته التقليدية “مرسل ورسالة وجمهور مستقبل وتغذية مرتدة”، لكن ملامحه كثيرا تغيرت بدخول صحافة المواطن والإعلام الرقمي المنفتح وإن شئت فقل “المنفلت”.
والمتغير الأساسي في هذا السياق طغيان نمط الرسائل والمضامين السلبية التي تعتمد علي التربح والإثارة والتشويق وتتبع الفضائح،واختراق الخصوصيات والتسلية “الخبيثة” وغياب “الإعلام الإيجابي”، الذي يسهم بطريق مباشر وغير مباشر في البناء وتنشئة المواطنين معنويا وماديا.
كما يسهم في بث روح الأمل وتعزيز استقرار المجتمع ،ودعم أمانه النفسي ،بمايبثه من رسائل معززة وداعمة لتدشين صروح التنمية المستدامة بكافة أبعادها وصورها القديمة والمستجدة.
ووفقا لمعطيات الواقع ،ورغم ما يبدو علي السطح من نجاحات “مزيفة” للإعلام الرقمي الجديد، التي اختلطت فيها الحابل بالنابل ،فقد سئم الناس إعلام الإثارة وإعلام منصات التواصل.. وصوره ومشاهده السلبية المقززة.
ومبعث الملل والضجر من هذا الوافد الجديد،تجرده بقصد وبدون قصد من الضوابط المهني والقواعد الأخلاقية والتي تضمن الحد الأدنى من المسؤولية المجتمعية والوطنية في أوقات الاستقرار وإبان الأزمات!.
وغاية الإعلام “السلبي “، الإثارة وجمع التفاعل وتحقيق الأرباح
أما “الإيجابي” فهدفه البناء وترسيخ الوعي..
وبينما يعتمد الإعلام “السلبي” علي أساليب التهويل والصراخ والتجريح،والأثر يأس وانقسام وموت أخلاقي،قطع صلة الإنسان بمجتمع وأصله وجذوره!.
وعلي الجانب الآخر ينتهح “الإيجابي”، الهدوء والحجة والمنطق والحكم واحترام للعقل.
والأثر المتوقع،أمل ووحدة وإحياء للضمير وتعزيز للهوية والتجذر ،والانتماء.
وهنا تبرز أهمية إدراك أهمية محددات الإعلام الإيجابي،فهو ليس مجرد نقل للأخبار، بل هو رسالة بناء وهداية وإصلاح. وله ضوابط لا ينبغي تجاوزها، ومن بينها :
ـ محدد القيمة: أو الوظيفة القيمية،وتأتي عن طريق إلتزام الإعلام بمنظومة أخلاقية راسخة لا يحيد عنها.
وهنا تبدو أهمية الاهتمام بالمضامين البناءة ،فلا يروج للرذيلة، ولا يسخر من الفضيلة، ولا يصور الخيانة على أنها ذكاء، أو الانحلال على أنه حرية.
والخلاصة أن الإعلام الإيجابي حر في اختيار الأسلوب، والشكل لكنه مقيد بقيم الدقة والصدق، الأمانة، العفة، الاحترام، وترسيخ الهوية.
ـ محدد الغاية: فهو إعلام موجه بأهداف وغايات،وليس عشوائيا ويأتي هذا عن طريق وضوح الهدف من الرسالة الإعلامية قبل إنتاجها.
وعلي رأس أولويات غاية المضمون، التوعية، والبناء، وعلاج المشكلات، ونصرة المظلوم، وجمع الكلمة، لا أن تكون الغاية هي إثارة الفتنة، أو جمع المشاهدات بأي ثمن!.
ـ محدد الأثر البنّاء: وهو من المحددات الاكثر أهمية ،بحيث تترك الرسالة أثراً عمرانياً “فاعلا” في نفس المتلقي، وأن يخرج منها أكثر وعياً، وأكثر هدوءاً، وأكثر عزيمة على الإصلاح. لا أن يخرج منها يائساً، أو حاقداً، أو كارهاً لمجتمعه ونفسه.
والفرق الجوهري ، فلسان حال الإعلام السلبي يقول “انتهى كل شيء”، والإعلام الإيجابي يقول “فلنبدأ بالإصلاح”.
ـ محدد التوازن: ويأتي عبر عرض الحقيقة كاملة بميزان العدل، لا بميزان التهويل أو التجميل.
وهنا يجب أن يتضمن المحتوي ذكر المشكلة مقرونة بالحل، وذكر الفشل مقروناً بالعبرة المستفادة، وذكر الجانب المظلم مقروناً ببصيص الأمل.
والقاعدة أن الإفراط في عرض المصائب يورث الإحباط، والإفراط في التزيين يورث التضليل.
ـ محدد الهوية والجذور: ويعني به أهل المهنة والاختصاص،ارتباط الرسالة الإعلامية بثقافة الأمة وتاريخها ولغتها وقيمها.
وهنا من المهم أن يناقش “المضمون” قضايا المجتمع بلسانه هو، لا بتقليد أعمى للآخر، وهذا يعزز “التجذر الحضاري” ويحصن الأجيال من الاغتراب الثقافي.
ـ محدد المسؤولية والمحاسبة: فالإعلامي يجب أن يدرك أن كلمته “أمانة” وسيسأل عنها.
ومن ثم فلا غبار أن يأتي الاعتذار العلني عند الخطأ، وتصحيح الخبر المكذوب بنفس قوة نشره، لأن “حرية الإعلام تقف عند حدود كرامة الإنسان وحقه في الحقيقة”.
ـ محدد الإنسانية: وينضوي علي تقديم الإنسان على الرقم، والمنفعة المادية والقلب على المشاهدة.
ويجب أن ينتبه القائمون بالاتصال وحراس البوابات الأعلامية ،بأن يراعي المضمون عدم تحويل الناس إلى مجرد أرقام في الإحصائيات، وعدم المتاجرة بآلامهم لزيادة التفاعل، وعدم استغلال المآسي لتحقيق سبق صحفي، أو مجرد الوصول إلى “الترند”!.
وفي تصوري أن تلك المحددات تتكامل معا لتحقيق أهداف سامية ونبيلة في منظومة الإعلام الإيجابي القيمي الفاعل فهو ضوء كاشف،و بوصلة تهدي، وميزان يعدل، ومرآة تصفي.
(تحديات الإعلام الإيجابي)
اتفق الخبراء والمهنيون أن الإعلام الإيجابي أو “الإعلام القيمي” هدفه نبيل، ومهمته الوظيف من ضرورات المجتمع والحفاظ على الدول الوطنية ،لكن طريقه غير ممهد وبه الكثير من العقبات والمطبات،لأنه ببساطة يعمل عكس تيار “السوق” و”الخوارزميات”.
ومن بين هذه العقبات:
ـ التحديات الاقتصادية والخوارزمية : وعلي رأسها معركة المشاهدات والربح، والبحث طوال الوقت عن تمويل.
ـ التحديات الخوارزمية : فنجد الخوارزميات تكافئ “الصدمة والغضب والفضيحة” لأنها تجيب تفاعل.
والإعلام الإيجابي يكافئ “العمق والهدوء والبناء” وهو أبطأ وأقل ربحاً على المدى القصير.
والنتيجة: المعلن يهرب من المحتوى “الهادئ” ويجري وراء “الترند”.
ـ سباق السرعة: الإعلام السلبي يلاحق الخبر في دقائق،وربما في ثوان معدودات، أما الإعلام الإيجابي فيحتاج إلي بحث، تدقيق، سياق، حلول ووقت.
ـ التحديات الفنية والإبداعية: ومن أفخاخها الرسائل “المباشرة والوعظ”،وهو أكبر خطأ، حين يتحول الإعلام الإيجابي لمحاضرة إرشادية، وأحيانا تفتقد المنطق والقدرة على الإقناع والتوجيه.
ولتحدي الأكبر ،هو كيف نقدم القيمة في قالب دراما، قصة، تشويقي، كوميدي، بلا ملل أوضجر ،ومن ثم الهروب إلي الاعلام البديل بحلوه ومره!.
ـ نقص الكفاءات والكوادر المؤهلة غياب والبرامج التدريبية: فلا ريب أننا بحاجة لقائمين بالاتصال من صحفيين وإعلاميين وكتاب ومخرجين علي قدر من العلم والدراية والتدريب، لصناعة محتوى مؤثر وأخلاقي في نفس الوقت”.
ـ التحديات المجتمعية والثقافية،ومن بينها
عثرات الضبابية القيمية ،فالمجتمع نفسه في حالة عدم اتفاق على تعريف ما هية القيم، وفقا القناعات المتباينة، ففي أحيان كثيرة يسخر الجمهور وربما يستهزيء من المحتوى “الهادف” أي شيء جاد، بكم وافر من التنمر والتعليقات السلبية ،فتتحول القيمة إلى تهمة ودرس في الأخلاق !.
ـ التحديات الرقمية: وتتمثل في المناقشة الشرسة مع المحتوى “الرديء”، ووفقا لبعض الإحصائيات فيومياً،يبث أكثر من 500 ساعة “فيديو” على اليوتيوب،فكيف يتميز المحتوى الإيجابي وسط هذا الطوفان ،بدون ميزانية إعلانات ضخمة؟!.
والخلاصة،أن فرض الغلبة للإعلام الإيجابي ليس “صعبا” ،لكنه يتطلب تكلفة ووقتا، وجهودا كبيرة ،لكن تكلفة غيابه أغلى بمراحل !.
وفي زمن كثرت فيه التحديات والمؤامرات ما ظهر منها وما بطن يبرز قيمة إلتزام أهل المهنة بمحددات الإعلام الإيجابي، والتغلب على التحديات التي تواجهه بتعزيز الابتكار في القالب، الجودة والإبداع في الشكل والمضمون والبحث عن الجمهور الواعي،وتقديم سرديات قصص حقيقية، ونماذج ملهمة ووثائقيات، بودكاست، كوميديا هادفة..الخ.
ويبقي الإعلام الإيجابي استثمارا استراتيجيا طويل الأمد والوعي بأهمية مردوده، وبقاء “القيمة والأثر”، قضية مهمة تتطلب من مؤسسات الإعلام الأكاديمية والتنفيذية دراسات تقويمية متعمقة وموسعة لتحليل مضمون الإعلام وشكل بصورته الحالية عبر مختلف روافده المسموعة والمرئية والرقمية ،في سبيل إيجاد آليات قانونية وأخلاقية لضبط الأداء وإيجاد قواعد للمنافسة مع الإعلام الرقمي “الجامح” وتعديل مساره أولا بأول وقبل فوات الأوان.
من الحكمة :
ــ حلمي أن أخرج من الحياة بنفس النقاء الذي جئت به إليها.
ـ العقل هو جوهر الإنسان وهو الإنسان الحقيقي المفكر الشاعر المتأمل الباحث في ألغاز الحياة!
ـ وحين تأتي المحن وتضيق بنا الحياة، فإن الشدائد لا تأتي دائمًا لتكسرنا، بل لتكشف لنا حقيقة الأشياء وطبائع البشر وما تخفي الصدور … فهي إمتحان للصبر، ورسالة تؤكد أن الإنسان أقوى مما يظن، ويبقي اليقين بأن الغلبة في الدنيا والآخرة لمن حسنت نواياه وثقته بعون الله إلي أن يلقاه بقلب سليم.. ولله الأمر من قبل ومن بعد.










