في لحظةٍ من غرورِ البشر، ونشوة القوة الزائفة، وانتفاخِ الأنا، وفى غفلة دهر، اهتزت الأرض.
جاءَ الزلزال وكنا لا نعرفُ من أين أتى، ومتى سينتهي، فارتجفت القلوبُ قبل أن ترتجفَ الجدران..عرفنا حجمنا الحقيقى: صفر فى ملكوت الله
جاءَ في اللحظةِ التي تنافست فيها بعضُ الدولِ على مرتبةِ الألوهية، وعلى التحكمِ والسيطرةِ على مواردِ الحياة، لم يأت ليهلك الحرث والنسل، ولم يأت ليدمر الديار، جاء ليعرى البشرية من زيفها، ويوقظها صارخا: تريثوا فما زلت أيها الإنسان جزء من مخلوقات هذا الكون وليس سيده، أنت نطفة فى رحم الأرض، ووديعة فى حضن الحياة، انت عبد ضعيف، محمول على كف القدرة الألهية، فأرادَ الملكُ الجبارُ أن يقولَ للجميع: مهلاً… أنا الله.
أصبحنا أمام نداءٍ سماوى يجلجلُ في الأرواح: “يا أيها الإنسانُ ما غرَّكَ بربِّكَ الكريم”
ما أرحمَ السؤال! وما أعدلَ العتاب!
هذا يوضحُ عظمةَ الخالقِ عز وجلَّ في تدبيرِه. فالإنسانُ الذي خلقَه اللهُ من علق، وسوّاه ونفخَ فيه من روحه، يناديه العزيزُ الخبيرُ بمنطق ربانى حكيم.
نداءُ الإيقاظِ الربانيِّ للإنسانِ المفتونِ بنفسه، المغرور بقوته،السكران بعلمه.
الاستفهامُ مع النداءِ لتنبيهِ البشريةِ التي كرَّمها الله، وحملَها في البرِّ والبحر، وعلَّمَها البيان، وسخَّرَ لها ما في السماواتِ وما في الأرض.
وذُكرَ لفظُ “الكريم” في هذا السياقِ لإدخالِ الطمأنينةِ على الإنسان، حتى لا ييأسَ من رحمةِ الله، ودون أن يغترَّ بكرمِ اللهِ فينسى عظمةَ ربِّه الرحمنِ الرحيم.
فكانت الهزةُ رحمةً لا نقمة، وإنذاراً لا انتقاماً. اهتزت الأرضُ هزةً خفيفة، فاهتزت معها قلوبٌ كانت قد تحجرت.
تذكرَ الغافلُ ربه، ورجعَ العاصي إلى مولاه، فإذا بالضعيف يصرخ: يا الله، واذا بالقوى يسجد لله، وتصالحَ المتخاصمون وتعانقوا على أنقاض الخوف، ومدَّ القويُّ يدَه للضعيف.
كأن الله يقول لنا: أرأيتم؟ بقدرتي أحركُ الأرضَ من تحتِكم، وبقُدرتي أُثبتُها لكم. فعلامَ التكبر؟ وعلامَ الغرور؟
أيها العقلُ البشريُّ بكلِّ جبروتِه وسلطانِه، اقرأ هذا الخطابَ الربانيَّ بتدبر.
اقرأه في سكونِ البيوتِ بعد الفزع، وفي دموعِ التوبةِ بعد الخوف، وفي سجدةِ الشكرِ بعد النجاة.
اقرأه فهو رسالةٌ تذكير من السماء: “عودوا إليّ، فما زال البابُ مفتوحاً، وما زال الكريمُ يبسطُ يده بالليلِ والنهار”.
يا قوم… لو أرادَ اللهُ لجعلَها زلزالَ هلاك، ولكنه جعلَها زلزالَ إفاقة.
لو أرادَ لجعلَها فاجعة، ولكنه جعلَها موعظة.
فطوبى لمن اتعظَ قبل أن يُبتلى، وتابَ قبل أن يُغلقَ الباب.
اللهم اجعل هذه الهزةَ صحوةً لقلوبنا، ويقظةً لضمائرنا، وعودةً صادقةً إليك.
اللهم لا تؤاخذنا بما فعلَ السفهاءُ منا، وارحمنا فإنك بنا راحم، ولا تعذبنا فإنك علينا قادر.
اللهم احفظ مصرَ وأهلَها، واجعلها بلداً آمناً مطمئناً، وردنا إليك رداً جميلا.










