سمعنا كثيراً عن محتالين انتحلوا صفات أطباء، ومهندسين، وضباط، وكبار مسئولين، ورجال أعمال… لكن ربما تكون هذه هى المرة الأولى التى نسمع فيها عن شخص بلغت به الجرأة أن ينتحل صفة قاضٍ، ولم يكتفِ بذلك، بل استأجر قاعة داخل محكمة شمال القاهرة، وتجول مرتدياً وشاحاً قضائياً، وصوّر نفسه فى مقاطع فيديو وهو يجلس على منصة القضاء بكل ثقة ويستعرض ملفات قضايا حقيقية ثم يقوم بنشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعى، وعاش بين الناس ثلاث سنوات بصفة «مستشار».
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل أقام احتفالاً كبيراً مدعياً ترقيته قاضياً، وذبح عجلين وأقام وليمة احتفالاً بالترقية.. ثم اشترى ساعات بث فى بعض البرامج التليفزيونية، وظهر أمام المشاهدين بثقة مدهشة، مستغلاً هذه الفيديوهات الزائفة فى خداع ضحاياه والاستيلاء على أموالهم.
لسنا أمام واقعة نصب عادية، بل أمام قصة تكاد تنافس أفلام السينما فى غرابتها، حتى إن كثيرين تساءلوا فى دهشة: كيف استطاع هذا الشخص أن يصنع لنفسه شخصية كاملة، ويعيشها بين الناس، ويقنع ضحاياه بأنه أحد رجال العدالة؟
المثير فى القضية ليس مجرد انتحال صفة قضائية، وإنما السيناريو الكامل الذى نُفِّذ بإتقان؛ تصوير داخل المحكمة، ووشاح قضائى مقلد، ومقاطع مصورة على مواقع التواصل، وظهور إعلامى، وثقة لا تتزعزع فى الأداء، حتى بدا وكأنه يعيش الدور أكثر مما يمثله.
لكن مهما بلغت براعة الممثل، فإن الحقيقة لا تموت، والعدالة لا تُخدع إلى الأبد، ولو عُرض هذا السيناريو على أكبر كاتب سينمائى، لربما اعتبره مبالغاً فيه، وقال إن الجمهور لن يصدقه. غير أن الواقع، فى كثير من الأحيان، يتفوق على الخيال.
ويبقى السؤال الأهم: كيف حدث كل ذلك؟ كيف استطاع الوصول إلى قاعة المحكمة؟ وكيف ارتدى الوشاح القضائى؟
وكيف صُورت تلك المقاطع داخل المحكمة؟ وكيف خرجت إلى الناس دون أن يتوقف أحد أمامها؟ وكيف صدقه هذا العدد من المواطنين؟
إن القضية لا تتعلق بشخص واحد، وإنما تكشف كيف يمكن للمظهر أن يخدع البعض، وكيف أصبحت صورة على مواقع التواصل، أو ظهور فى برنامج تليفزيونى، كافياً لدى البعض لمنح شخص شهادة ثقة، دون تدقيق أو تحقق.
ولذلك، فإن هذه القضية يجب ألا تنتهى عند حدود معاقبة المتهم، وإنما ينبغى أن تكون بداية مراجعة شاملة لكل الثغرات التى سمحت بصناعة هذا المشهد العبثى.
مراجعة إجراءات الدخول إلى المحاكم، ومراجعة لكل من يستغل صفات الدولة لتحقيق مكاسب غير مشروعة، ومراجعة بعض المنصات أو البرامج التى تمنح شاشاتها لمن يدفع أو يجيد التمثيل، دون التحقق الكافى من هويته أو صفته.
ولا يقل أهمية عن ذلك إعادة النظر فى العقوبات المقررة لجريمة انتحال الصفات العامة، خاصة عندما يتعلق الأمر بالقضاء أو القوات المسلحة أو الشرطة أو غيرها من المؤسسات التى تمثل هيبة الدولة.
أما من يثبت، وفقاً لما تسفر عنه التحقيقات، أنه سهّل أو مكّن أو تستر على مثل هذه الأفعال، فلا ينبغى أن يفلت من المساءلة، لأن مثل هذه الجرائم لا تُرتكب غالباً بمعزل عن مساعدين أو متواطئين.
ويبقى سؤال ربما يكون الأكثر غرابة: هل كان هذا الشخص يبحث عن المال فقط؟ أم كان يبحث عن مكانة واحترام لم يستطع أن ينالهما بالطريق المشروع؟ هل حلم يوماً بأن يصبح قاضياً، فلما عجز عن الوصول إلى منصة العدالة، صنع لنفسه منصة من الوهم؟ أم أننا أمام حالة اختلط فيها الطموح بالغرور، والتمثيل بالجريمة، حتى صدّق صاحبها الكذبة قبل أن يصدقها الآخرون؟ هذه الأسئلة يجيب عنها علماء النفس، أما القانون فقد بدأ بالفعل يقول كلمته، بعدما باشرت النيابة العامة التحقيقات، وأمرت بحبس المتهم وعدد من المتهمين الآخرين على ذمة القضية.
ووفقاً لما أعلنته جهات التحقيق، فقد أدلى المتهم باعترافات تفصيلية، وتبين أنه من مواليد عام 1993، ومقيم بمركز أطفيح بمحافظة الجيزة، وله سوابق جنائية، ومطلوب للتنفيذ فى عدة أحكام قضائية، كما أقر بحسب التحقيقات بانتحال صفة مستشار بمحكمة شمال القاهرة، وذكر أنه قام برشوة ثلاثة من موظفى المحكمة لتسهيل دخوله إلى قاعات الجلسات بعد انتهائها، وصنع وشاحاً قضائياً مقلداً، وصوّر مقاطع فيديو لنفسه على منصة القضاء، ثم استخدمها عبر مواقع التواصل الاجتماعى لإيهام ضحاياه بامتلاكه نفوذاً يمكنه من إنهاء قضاياهم، والاستيلاء على أموالهم.
وفى النهاية أنت كلمة.. قد ينجح المحتال فى خداع بعض الناس لبعض الوقت لكن لا أحد يستطيع أن يخدع الناس كل الوقت وأن يخدع العدالة إلى الأبد.
فالوشاح لا يصنع قاضياً، والكاميرا لا تصنع الحقيقة، والمسرح، مهما طال عرضه، فلا بد أن يُسدل ستاره. ويبقى أخطر ما فى هذه القضية ليس المحتال وحده، بل كل من ساعده على صناعة هذا الوهم، أو سهّل له ارتداء ثوب العدالة، لأن هيبة القضاء ليست مجرد زى أو منصة، بل ثقة أمة بأكملها فى ميزان العدالة.
فالجريمة لم تبدأ يوم ارتدى الوشاح.. بل يوم وجد من فتح له قاعة المحكمة وصنع له المشهد، وتركه يعبث بهيبة العدالة حتى سقط الستار.










