الأحد , 8 نوفمبر 2026

د.سامح صابر يكتب.. ​كيف نحول الثقافة من إستهلاك إلى إستثمار؟


​لطالما نظر البعض إلى الثقافة والفنون على أنها مجرد وسائل للترفيه أو أنشطة نخبوية تمارس في أوقات الفراغ . لكن الحقيقة التي تثبتها التجارب الحديثة هي أن الفكر والإبداع هما أقوى محركات الإقتصاد الحديث . عندما نربط الإبداع بالإستثمار ، فإننا لا نحمي الهوية الثقافية للمجتمع فحسب ، بل نخلق أيضاً فرص عمل ومصادر دخل هائلة للشباب .
​لتحقيق هذا التحول ، نحتاج إلى خطوات عملية وبسيطة ، مستلهمين تجارب حقيقية نجحت في تحويل الفن إلى مصدر ربح مستدام :
​أولا ـ تحويل التراث الإنساني إلى “منتجات عصرية”.
​التراث ليس تحفاً تعرض في المتحاف فقط ، بل هو مادة خام للإبداع يمكن إعادة صياغتها لتناسب العصر الحالي وتسويقها تجارياً .
​علي سبيل المثال ، تجربة اليابان وكوريا الجنوبية . نجحت كوريا الجنوبية في تحويل ثقافتها المحلية (من طعام، وموسيقى ، ومسلسلات) إلى صناعة عالمية تدر مليارات الدولارات سنوياً (ما يعرف بالموجة الكورية “Hallyu”) . لم يغيروا هويتهم ، بل غلفوها بطريقة ذكية وعصرية جذبت المستهلك العالمي .
​وعليه ، يمكن للمصممين والحرفيين المحليين دمج الخط العربي أو الزخارف التقليدية في تصميم الأزياء الحديثة ، أو الأثاث ، أو حتى واجهات التطبيقات الرقمية ، لتباع كمنتجات “فريدة” بأسعار مرتفعة .
​ثانياً ـ الإستثمار في “المنصات الرقمية” وصناع المحتوى .
​في العصر الرقمي، لم يعد الفنان بحاجة لإنتظار معرض أو مسرح ليعرض منتجه . الإنترنت فتح أبواباً لا حصر لها لتحقيق الأرباح المباشرة .
​علي سبيل المثال، منصات مثل Patreon أو YouTube أو حتى منصات بيع الكتب الرقمية مثل Kindle . هناك آلاف الرسامين ، والمؤلفين ، والموسيقيين المستقلين الذين يمولون مشاريعهم بالكامل من خلال إشتراكات شهرية بسيطة يدفعها جمهورهم بشكل مباشر (دون وسيط) .
​وعليه ، يمكننا تشجيع المبدعين على صناعة محتوى ثقافي أو تعليمي مبسط (بودكاست ، فيديوهات قصيرة ، دورات تدريبية)، وتحويل هذا الشغف إلى مصدر ربح من خلال الإعلانات ، أو الرعاية ، أو بيع المنتجات الرقمية .
​ثالثاً ـ تحويل المدن والأحياء القديمة إلى “وجهات إبداعية”.
​المكان الثقافي يمكن أن يتحول إلى مغناطيس إقتصادي يحيي منطقة بأكملها تجارياً وسياحياً .
​علي سبيل المثال، حي “سوهو” (SoHo) في نيويورك أو “حي التصميم” في دبي . كانت هذه المناطق سابقاً إما مناطق صناعية مهجورة أو مستودعات قديمة ، تم تحويلها إلى مراكز تجمع للفنانين ، والمقاهي الثقافية ، والمعارض الفنية . اليوم ، تعتبر هذه الأحياء من أغلى وأكثر المناطق جذباً للسياح والمستثمرين في العالم .
​وعليه ، يمكننا إعادة إحياء البيوت القديمة أو المصانع المهجورة في المدن ، وتحويلها إلى “مجمعات إبداعية” تضم ورش عمل ، ومعارض فنية ، ومقاهي ، مما ينعش إقتصاد المنطقة المحيطة ويوفر فرص عمل لأصحاب المشاريع الصغيرة .
​خلاصة القول ، إن ​تعزيز الفكر والإبداع يبدأ من تغيير عقلية المجتمع تجاه الفنان والمثقف . عندما نتعامل مع المنتج الثقافي كـ “صناعة” لها أصول ، وتسويق ، وجدوى إقتصادية ، وليس مجرد “عمل تطوعي”، حينها فقط سيصبح الإبداع وقوداً للتنمية ومصدراً مستداماً للربح والازدهار .

شاهد أيضاً

الأرشيف والمكتبة الوطنية يستعرض جهود الإمارات في حماية التراث الثقافي خلال مؤتمر منظمة الدرع الأزرق

كتب عادل البكل شارك الأرشيف والمكتبة الوطنية في المؤتمر السنوي الثلاثين لمنظمة الدرع الأزرق الدولية2026، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *