يرتبط مفهوما التبعية القانونية والتنمية الاقتصادية في الفلسفة التشريعية الحديثة بعلاقة طردية وثيقة؛ حيث يُعد التنظيم القانوني لصور التبعية أداة رئيسية لتحقيق التنمية الاستقرارية وحماية الأسواق. يتجلى هذا الترابط في مستويين أساسيين: القانون الخاص (تنظيم علاقات العمل) وقانون المنافسة (حماية الأسواق والتنمية).
التبعية القانونية تعني الخضوع لسلطة وإشراف وتوجيه طرف آخر (كصاحب العمل)، بينما التنمية الاقتصادية ترتبط بتحسين الدخل والنمو المادي. في القانون، تختلف التبعية القانونية عن التبعية الاقتصادية (الاعتماد المالي)، وغالباً ما تُستعمل الأولى كمعيار لتحديد نطاق تطبيق قوانين العمل وحماية الطرف الضعيف ضد التعسف أو الاستغلال
لقد اكتفى الأمر 03-05 في المادة 19 منه تحديد مالك الحقوق على المصنفات المنجزة في اطار علاقة العمل وهو المستخدم ، إذا لم يوجــد شرط مخالف ،دون توضيـــح الشروط والظروف التي يتم فيها ذلك ، ودون تحـــــديد المصنفات المعنية بذلك . فالمؤلف المرتبط بعقـــــد العمــــــــــل مع المستخـــــدم ، تكــــون له صفتـــان في آن واحـــــــد وهي صفة العــــامل، وصفــــة المؤلف. ففيمــــا يتعلق بصفة العامل عرفـــــــــــت المــــــادة 2 من القــــــــــــانون 90-11 المتعـــــلق بعــــــلاقات العمل ، العامــــل بنصهـــــــا علـــــى ما يلي : “يعتبر عمالا أجراء في مفهوم هذا القانون ، كل الأشخاص الذين يؤدون عملا يدويا أو فكريا مقابل أجر في إطار التنظيم ولحساب شخص آخر طبيعي أو معنوي ، عمومي أو خاص يدعى المستخدم ” فصفة العامل تكمن في أداء عمل ذهني حسب ما نصت عليه المادة 2 من القانون 90-11 المنظم لعلاقات العمل فالفقه الحديث اعتمد في تحديده لطائفة العمال الذين يخضعون لقانون العمـــل على تطبيق معيار التبعية ،
فالتبعيـــــــة تتحقق بمجرد القيام بعمل لدى حساب الغير ، لكن الاختلاف يكمن في تحديد مفهوم وشكل التبعية ، التي يتحـــــــدد على أساسهـــا مدى خضوع العامل وعدم خضوعه لقواعد قانون العمل ، وبالنظـــــر إلى الشكل الذي تتخـــــذه التبعية ، فالبعض يعتــــمد على معيار التبعية سواء كانت تبعية قانونية أو تبعية اقتصادية ،ومنه يمكن ملاحظة أن أغلب التشريعات تميل إلى الأخذ بالمعيارين معا أي أنها تضع الشروط والتنظيمات والقواعد العامة لتنظيم الحقوق والالتزامات التي تنشأ عن علاقات العمل ، وهي الأحكام والقواعد التي لا يمكن في غالب الأحيان للطرفين محالفتها نظرا لكونها من النظام العام . أما فيما يخص صفة المؤلف لم ترد في الاتفاقيات الدولية الخاصة
بحق المؤلف تعريفا صريحا ، لمن يطلق عليه وصف المؤلف ، تاركين الأمر لتشريعات دول الأعضاء ، بالنظر لكون المؤلف هو المبدع ، وأن هذا الأخير هو الشخص الطبيعي كونه قادرا على التفكير ، ومن الأمثلة التي اعتمدنا عليها في بحثنا وهي حالة الصحفيين المرتبطين بالعمل الفكري . وما تم استنتاجه أن المشرع الجزائري أدخل فئة الصحفيين المحترفين ضمن نطاق الأجراء ، من مقتضيات قانون العمل ومما يمكن معه تطبيق مقتضيات المادة 19 من الأمر 03-05 المتعلق بحقوق المؤلف والحقوق المجاورة التي تسري على الأجراء المبدعين ،
وذلك وان كانت مهنة الصحفي المحترف تنطوي على عمل أبداعي يكون في شكل مصنفات قابلة للحماية هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فبند الضمير بين الطابع الشخصي لمهنة الصحفي ، فهي مهنة فكرية بامتياز ، فالصحفي ليس مجرد أجير فهو مبدع حقيقي ، وإبداعه لا يجب أن يتم تشويهه عن طريق الظهور في جريدة لا تتناسب مع قناعاته الفكرية.
هناك نمو متزايد في الاستثمارات الاجنبية الخاصة في الدول النامية خلال العقود الماضية ، وقد ارتبطت الشركات المتعددة الجنسية بالاستثمار الاجنبي في عمومه والمباشر منه بوجه خاص . وما يجدر ذكره ان هذه الشركات لا تعمل في مجال التنمية فالهدف هو تعظيم الربح ، لذلك فان غالبية توجهها نحو الدول سريعة النمو في جنوب شرق آسيا ، فهي دائما تبحث عن افضل ربحية وغير معنية بالقضايا التنموية : الفقر والبطالة وان كانت تحمل معها تكنولوجيا الانتاج ، وانماط واساليب ادارية وترتيبات تسويقية واعلانية فهي مؤهلة لأنشطة لا تخدم الطموحات التنموية للدول التي تعمل فيها. وقد اصبح لها مواقع عالمية تبحث عن الفرص في اي مكان بالعالم ،
ولدى بعضها حجم مبيعات يزيد عن الناتج المحلي الاجمالي لكثير من الدول ، وفى هذا الاطار قد تتعارض مصالح هذه الشركات مع علاقاتها بالدول المضيفة ، وتنمو بمعدلات اكبر من معدل نمو الصادرات ، والقوة الاقتصادية في الشركات الصناعية الاساسية الناتج عن حجمها الهائل وقوتها الاحتكارية في السوق يكسبها قدرة فرض الاسعار وجنى الارباح من خلال منع المنافسين والسيطرة ، وتاريخيا كانت تركز على انشطة استخراج المواد الاولية والبترول والانشطة الزراعية ولكن الاتجاه الحديث تناول العديد من الانشطة الصناعية والخدمات.
وهناك المؤيدون للاستثمار الاجنبي باعتباره وسيلة لسد الفجوات التي تنشأ بين العرض المحلى من الادخار والنقد الاجنبي والايرادات الحكومية ومهارات رأس المال البشرى من جانب ,وبين المستوى المرغوب فيه من الموارد الضرورية لأهداف النمو والتنمية فإلى جانب تدبير الموارد المالية واقامة المصانع في الدول النامية فإنها تقدم الخبرات والقدرات التنظيمية وتقدم الخبرات التدريبية ، وتجلب المعارف الفنية. وعلى الجانب الآخر يرى المعارضون انها تسهم في اتساع الفجوات فمع تدبير رأس المال فإنها تقلل من المدخرات المحلية في قدرتها على المنافسة ،
وان كانت تقدم تحسينا في وضع النقد الاجنبي ولكنه سيقل مع الاجل الطويل ، وان المساهمة في ايرادات الدولة المضيفة من ضرائب في الغالب تكون على غير المستوى لما تحصل عليه من امتيازات وان هذه الآراء المعارضة وخاصة في الدول النامية ناتج عن الاثر السلبى على التنمية فى ازدواجية الهيكل الاقتصادي وتعميق مشكلة توزيع الدخل ، والانتاج الذى لا يتلائم مع طلب غالبية السكان انما يخاطب فئات قليلة ، بالإضافة الى عدم قدرة العديد منها على حل مشكلات البطالة ،
ثم تأتي الاثار السلبية في استخدام القوة الاقتصادية بالتأثير على القرارات الحكومية لصالحها وليس لصالح الاتجاهات التنموية ، وقد تضعف من الاقتصاد المحلى وقطاعه الانتاجي والضغط على المنافسين المحليين لما تملكه من ادوات ومهارات اعلانية لاكتساب الاسواق المحلية والدولية. هذه الامور تدفع بالكثيرين في النظر الى اهمية الرقابة الوطنية على الانشطة الاقتصادية المحلية والرغبة في عدم تمكين هذه الشركات من الهيمنة واخضاع الاقتصاد لتبعيتها والامر في كل الاحوال يتطلب دراسة كل حالة والتحقق من مدى تجاوز سلبياتها لمصالح الدول المضيفة لها.
رغم الأهمية الكبيرة لنظرية التبعية في فهم العلاقات الاقتصادية الدولية، إلا أنها لم تسلم من الانتقادات. يرى بعض الاقتصاديين أن النظرية تفتقر إلى الحلول العملية وتفترض أن الدول النامية غير قادرة على تحقيق التنمية من خلال التكامل في الاقتصاد العالمي. كما أن بعض الدول النامية استطاعت تحقيق نمو اقتصادي كبير من خلال الاستفادة من العولمة والاندماج في الأسواق العالمية، مما يضعف من صحة الفرضيات الأساسية للنظرية.
نظرية التبعية قدمت إطارًا تحليليًا لفهم العلاقات الاقتصادية غير المتكافئة بين الدول المتقدمة والنامية. رغم الانتقادات، ساهمت هذه النظرية في تسليط الضوء على التحديات التي تواجه الدول النامية ودورها في النظام الاقتصادي العالمي، ودعت إلى تبني سياسات تنموية تعزز من استقلالية هذه الدول وقدرتها على تحقيق تنمية اقتصادية مستدامة. تبقى نظرية التبعية أداة هامة لفهم ديناميكيات الاقتصاد العالمي وتحديات التنمية في الدول النامية.
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا










