جذور الفن وأصوله النجدية الحجازية
تضرب الجذور الأولى لـ “فن الواو” في عمق الجزيرة العربية؛ حيث كانت أصوله وأوزانه منتشرة في بلاد نجد والحجاز، قبل أن تفد إلى بلاد الصعيد عبر أمواج الهجرات العربية المتتابعة. وكانت التغريبة الهلالية – سيرة بني هلال الخالدة – هي الناقل الأكبر والمحمل الأساسي لهذا الفن العريق؛ فعندما استقرت قبائل بني هلال في صعيد مصر، حملت معها هذا النسق الشعري المتميز الذي تغنى به كبار الشعراء، يُناجون به الدهر ويصوغون منه حِكمهم على السليقة، متأثرين بصفاء البيئة الصحراوية واتساع الأفق النيلي.
وقد سُمي هذا الفن بـ “فن الواو” نسبة إلى واو العطف التي يستهل بها الشاعر مربعه القولي (“وقال الشاعر…”). وتميز بإيقاعه الموسيقي السلس ومربعاته المبنية على الجناس والروي المتقن:
وَقَالَ الشَّاعِرُ:
ما حد في الدار يرجاك … غير الذي خاطره فيك
إن كان حظك يواتيك … حتى في نومك يصحيك
ابن عروس الهواري وتدوين المربعات
ثم جاء الشاعر الفذ “ابن عروس”، المنتمي إلى قبائل الهوارة العريقة ذات النسب العربي الأصيل والمكانة التاريخية والاجتماعية المرموقة في الصعيد، ليحدث طفرة مفصلية في مسيرة هذا الفن؛ إذ لم يكتفِ بنظمه وإلقائه، بل أرسى قواعده، وجمع شتاته، ودوّن مربعاته حتى اقترن اسمه به. صاغ ابن عروس حكمة العربي الشهم ومكابدات الزمان في قوالب شعرية سارت بها الركبان وتداولتها الأجيال:
طنـبت في الهَم خيمة … ولانيـش علـى الـهَم قادر
أهـاود الوقـت وأصبـر … لمـا يـجي لـي المقادِر
الهجرات العربية ورسوخ قبيلة الرشايدة
يمتد التاريخ العربي في صعيد مصر عبر موجات متصلة من الهجرات الاستيطانية والثقافية، امتدت من الفتح الإسلامي الأول وصولاً إلى أواخر الهجرات التاريخية الوافدة من نجد والحجاز. وتعد قبيلة الرشايدة (التي ترجع أصولها العريقة إلى غطفان وبني عبس) آخر القبائل العربية هجرة من ديار نجد والحجاز إلى مصر، حيث اكتملت آخر موجات هجرتها في عام 1912م.
ولم يكن حضور الرشايدة مجرد استقرار جغرافي، بل كان حراكاً ثقافياً وأدبياً فارقاً؛ إذ تُعد قبيلة الرشايدة آخر القبائل العربية التي احتضنت فن الواو وتغنت به، فحفظت أوزانه ومربعاته في ذاكرتها الشفاهية الحية، وكانت بحق الحارس الأخير لهذه الشعلة الأدبية الشعبية قبل أن تأخذ طريقها إلى التدوين والتوثيق الحديث بعد بن عروس.
فن الواو في السامر وشواهد الذاكرة
وانطلاقاً من موقعي كاتباً وشاهداً على هذا الموروث الحي، فقد حافظت قبيلة الرشايدة على هذا الفن العريق وأدائه في مناسَبتاها وأمسياتها الشعريّة، لا سيما في “سامر الرجيعي” و”الزريبي”؛ حيث كان الشاعر يُؤديه بعفوية البديهة وسليقة الطبع العربي الناصع. ومن الشواهد المتداولة في سامر الرشايدة:
جيت العب جيت أهني بن عمي…
ومنه أيضاً في وصف الديار والأصالة:
يا محلا البيت مبني مثل السحاب…
وهي أبيات ومربعات تُظهر امتداد النظم البدوي وأصالته، وتؤكد ارتباط الموروث الشعري بالبيئة وأصالتها ومشاعر المودة والافتخار بالنسَب والجوار.
سليقة البيئة واستمرارية الموروث
لقد عكس فن الواو طبائع ابن الصعيد والبادية؛ فالبديهة حاضرة، والنظم يأتي عفو الخاطر بلا تكلف أو تصنع، اعتماداً على السليقة العربية الناصعة التي غذتها البيئة بما فيها من صبر وجلد وأصالة:
ناديت يا رب ينعَد … عوج الزمان اللي مالِي
وتعود الأيام وتِرَد … ويقعد غالي مع غالي
إن فن الواو ليس مجرد أوزان وقوافٍ، بل هو وثيقة تاريخية واجتماعية تسجل تداخل الهجرات الهلالية والعبسية والهوارية في مصر، وتبرز كيف احتضنت قبيلة الرشايدة (غطفان/عبس) هذا الموروث لتكون مسك ختام المتغنين به وحرّاس ذاكرته، مخلدة جزءاً أصيلاً من الهوية العربية للشعر الشعبي.









