لماذا نخشى أن نسمى الأشياء بأسمائها؟
عندما تنشأ أزمة بين دولتين فى الغرب، يُعرض الخلاف على الرأى العام باسمه الحقيقى، لا بالتلميح ولا بالإيحاء.
فعندما ألغت الولايات المتحدة وأستراليا وبريطانيا صفقة الغواصات الفرنسية عام 2021، وأبرمت بدلاً منها اتفاق «أوكوس»، لم تكتفِ باريس ببيان دبلوماسى مقتضب، بل استدعت سفيريها من واشنطن وكانبيرا، فى خطوة غير مسبوقة، ووصف وزير خارجيتها ما حدث بأنه «طعنة فى الظهر».
وخرجت الصحافة الفرنسية والأمريكية تتناول الأزمة بأسماء أطرافها صراحة، ومن دون مواربة.
وعندما فرضت واشنطن عقوبات على تركيا بموجب قانون «كاتسا»، بسبب شرائها منظومة الصواريخ الروسية «إس-400»، أُعلنت الأسباب والعقوبات بالتفصيل، ولم يُترك شيء لتخمين القارئ أو تفسيره.
وعندما وضعت تركيا شروطها أمام انضمام السويد وفنلندا إلى حلف الناتو، أعلن الرئيس أردوغان مطالبه علناً، من تسليم أشخاص مطلوبين إلى مواقف سياسية محددة كان يريد من الدولتين تغييرها، وتابعت الصحافة الأوروبية كل جولة من جولات التفاوض، بالأسماء والتفاصيل.
وعندما احتجزت الصين مواطنين كنديين رداً على توقيف كندا لمسؤولة تنفيذية فى شركة «هواوي»، لم تتردد الحكومة الكندية ولا الصحافة الغربية فى وصف ما حدث بأنه «دبلوماسية الرهائن»، وبالاسم نفسه.وفى آسيا أيضاً، رغم ما يسودها من تقاليد تقوم على المجاملة فى الخطاب، فإن الخلافات بين الدول، عندما تشتد، تخرج إلى العلن من دون مواربة.
فعندما وقع الاشتباك الحدودى بين الهند والصين فى وادى جالوان عام 2020، أعلنت نيودلهى رسمياً أعداد ضحاياها، وردت علناً بحظر عشرات التطبيقات الصينية باعتباره إجراءً واضحاً ومعلناً، وناقش البرلمان الهندى القضية باسم الصين صراحة، لا بالتلميح إليها.
وعندما صعّدت الفلبين خلافها مع الصين فى بحر الصين الجنوبى، نشرت رسمياً حكم هيئة التحكيم الدولية، وسمّت الصين صراحة، كما نشرت تسجيلاتها الخاصة بالمواجهات بين خفر السواحل الصينى وسفنها بالقرب من الشعاب المتنازع عليها.
وعندما تدهورت العلاقات التجارية بين أستراليا والصين عام 2020، نُشرت بالتفصيل قائمة المطالب والشكاوى الصينية من أستراليا، وردت كانبيرا علناً، مسميةً بكين باسمها.
والدرس هنا يتكرر: حتى فى ثقافة تقدّر المجاملة، لا يعنى ذلك دفن الخلافات بين الدول أو إخفائها، بل تشخيصها بدقة، فالتشخيص الدقيق هو أول شروط الوصول إلى الحل.أما فى عالمنا العربى، فالأمر مختلف تماماً. وقد أصبح ذلك جزءاً من طريقتنا فى التعامل مع كل قضية خلافية تقريباً.
وأعتقد، بحكم خبرة عملية طويلة، أن هذا الأسلوب الغامض فى تناول الخلافات قد ترسخ بعد عبد الناصر، باعتباره نوعاً من التصحيح غير المعلن لخطاب كان قد اتسم، فى بعض مراحله، بقدر كبير من الحدة.
ثم استمر، وإن بدرجة أقل، فى عهد السادات بعد حرب أكتوبر.والقارئ المصرى يعرف هذا التاريخ بما يكفى، ولا أرى حاجة إلى التوسع فيه هنا.
المهم أن هذا الأسلوب، أياً كانت مبرراته فى ذلك الوقت، تحول اليوم إلى عادة تلقائية، وإلى رد فعل غريزى أكثر منه اختياراً واعياً.
ولعل أفضل مثال على ذلك ما حدث أخيراً حول حلف الدفاع الإقليمى الثلاثى، الذى يكشف اسمه نفسه عن مضمونه، والذى وقعته ثلاث قوى إقليمية بعد مفاوضات استمرت قرابة ثلاث سنوات، بينما انسحب طرف رابع كان قد شارك فى كل مراحل التفاوض، فى اللحظة الأخيرة.
ومن بين الأطراف الثلاثة الموقعة، لم يلتزم كوكب المشترى الصمت عند بداية الأزمة. فقد تحدث مبكراً، وأعلن علناً أمله فى أن تنضم نبتون إلى الحلف فى مرحلة لاحقة.
أما زحل، فظل على عادته شريكاً صامتاً، ولم يصدر عنه تعليق.أما المريخ، فقد ترك الأمر يصل إلى الرأى العام عن طريق «مسؤول سابق»؛ وهى صفة يفهم الجميع معناها الحقيقى.
وقيل إن قرار نبتون بالانسحاب جاء تحت تأثير عطارد، وإن القدرات العسكرية لنبتون لا تستوفى، فى الأصل، المستوى الذى يتطلبه الحلف.
ثم جاء اجتماع التنسيق الثنائى بين المشترى ونبتون فى عاصمة نبتون، فحظى الطرفان بتغطية غير عادية، وإن كانت نبتون هى الأكثر اهتماماً به.
والحقيقة أن الاجتماع كان مقرراً منذ العام السابق، باعتباره جزءاً من آلية التنسيق المعتادة بين البلدين. لكن نبتون هذه المرة أحاطته بتغطية استثنائية إلى درجة جعلتنى أتساءل، ولو للحظة، عما إذا كان هناك مشروع اندماج بين البلدين.
أما المشترى، فقد قابل ذلك بتغطية من جانبه، انسجاماً مع الأمل الذى كان قد أعلنه من قبل، ومع رغبته الصادقة فى انضمام نبتون إلى هذا الترتيب، وإن كانت تغطيته أقل كثيراً من تغطية الطرف الآخر.
وفى الوقت نفسه، قدمت نبتون تغطية واسعة لمناورات عسكرية كبرى، كانت، على الأرجح، مقررة منذ وقت طويل، لكنها ظهرت هذه المرة وكأنها الدليل العملى على القدرات العسكرية التى شكك المريخ فيها.وهنا كانت لحظة وقوف مع الذات.
فبينما كنت أروى هذه القصة، وجدتنى، بصورة تلقائية، أستخدم الأسلوب الغامض نفسه الذى أنتقده. اخترت أن أخفى الأسماء الحقيقية وراء أسماء كواكب المجموعة الشمسية، بدلاً من أن أسمى الأطراف منذ البداية.
وأظن أن القارئ المتابع كان قد اكتشفها منذ الفقرة الأولى، فالأمر لا يحتاج إلى كثير من الذكاء أو الاستنتاج.
فمصر والسعودية هما الطرفان الرئيسيان، وتركيا هى الوسيط العقلانى، وباكستان هى الشريك الصامت حتى الآن، والإمارات العربية المتحدة هى الطرف الذى ظن كثيرون أنه قد يفسد هذا المسعى.وهنا تحديداً تكمن المفارقة.
فأنا، فى اللحظة التى كنت أكتب فيها عن مرض الغموض فى إعلامنا، وقعت فيه بنفسى من دون أن أشعر، لم أكن فى حاجة إلى الكواكب أصلاً. فالقارئ المصرى يعرف تفاصيل هذا الملف أكثر مما أعرف أنا، ولا يحتاج إلى أن أخفى عنه الأسماء، لكن العادة أقوى من القناعة أحياناً.
وهذا، فى حد ذاته، ربما يكون أصدق دليل على حجم المشكلة التى أتحدث عنها.إن التقارب بين مصر وتركيا يمثل سداً قوياً أمام أى مغامرة من أى طرف.
والتقارب بين مصر والسعودية هو العمود الذى يقوم عليه النظام العربى كله.وطالما أن هذه هى الحقيقة، فلا مبرر لأن نتحدث عنها بالرموز ونحن قادرون على الحديث عنها صراحة، ولا مبرر لأن نخفى التشخيص، ما دام ما يهمنا فى النهاية هو الوصول إلى العلاج.









