يقول الشاعر الإنجليزي لورد ألفريد تنيسون :” إنك لن تستطيع أن تقول كلمة وصف نهائية لأي قلب إنساني.” فما بالك بالنفس البشرية. حين نتساءل لماذا الظلال كانت عنوانا للرواية؟ سنحاول أن نبحث عن مفهوم الظل لدى “كارل يونج”. الظل هو الوحش الصغير الذي بداخل كل فرد منا وهو كل ما كبتته أخلاق الفرد نفسه وتصوراته والمجتمع داخل لاوعي الفرد ويضم الغرائز والنواقص ونقاط الضعف. يظهر الظل في الأحلام وفي زلات اللسان والانفعالات والهيجان كما أنه لا يحتوي على ما هو سلبي فقط بل يمكن أن يكون ملاذا للأفكار المبتكرة التي عوقبت بالكبت. إن التنافر بين الأنا والتي يمثلها الوعي وبين الظل المتمثل في اللاوعي يؤدي للمشكلات النفسية وإن إبراز الظل نحو الوعي جزء ضروري في تكوين الذات. فمثلا في رواية “دكتور جيكل والسيد هايد” لروبرت لوي ستيفنسون نرى الظل والأنا يتصارعان في نفس الشخص ولابد أن يأتي وقت يظهر الظل للعلن وأول خطوة لاستعمال الظل لصالح الفرد هو تقبل وجوده, فهو ليس سوى المكبوتات من شخصيتنا. الظل عبارة عن ممر ضيق لا ينجو أحد من تأثيره المؤلم. لذلك يجب على المرء أن يتعلم كيف يعرف ظله حتى يعرف من هو. ولا توجد طريقة فعالة لدمج الظل مع النفس الواعية. لكن لمفهوم الظل وما يمثله مما هو مكبوت داخل الفرد وفي تسليط الوعي عليه أهمية في فهم النفس البشرية. وبإمكان الظل أن يظهر على صورة أفعال تحدد مصير الفرد أو حتى تدمره.
من الأشياء المثيرة للدهشة في هذه الحياة أنك كإنسان تبدو مختلفا في عين كل إنسان يراك, البعض يراك هادئا والبعض الآخر يراك ثرثارا لا تتوقف عن الحديث والبعض يتذكرك بسبب عطفك وآخرون يتذكرون الطريقة التي رحلت بها. ستكون شريرا في قصة أحدهم وبطلا في قصة آخر وبالنسبة لمعظم الناس أنت مجرد فكرة عابرة واسم عرفوه في يوم من الأيام. وبالنسبة لمن يعرفونك حق المعرفة أنت غير موجود كإنسان واحد بل نسخ متعددة لا حصر لها تم تشكيلها من خلال الأيام التي مرت بك. أنت حقيقة لن تعرف نفسك كما يعرفك الآخرون. إنك لن تستمع لصوت ضحكاتك كما يسمعها الآخرون. لن تشعر بما يحدثه غيابك في غرفة كنت في الماضي تملؤها بحضورك. بالنسبة لنفسك أنت هو أنت. لكن في الحقيقة أنت ألف قصة وقصة تختلف كل واحدة عن الأخرى ولن تستطيع قراءة أي قصة منها لأنها تشكلت في عقول من يعرفونك.
يطل علينا د. عبد العزيز آدم في المقدمة بإعلان أن :” كل محاولة لفهم النفس أو وصفها كانت أشبه بمحاولة الإمساك بالماء أو السعي لإدراك المستحيل ذاته.” فنعلم من البداية أننا أمام صراع نفسي بدأ من السطور الأولى. يقوم الراوي بوصف “سليم” بأنه محاصر بالفقد وأن الذكريات مازالت تحاصره بل وتحمله وحده مسؤولية الفقد, ففقده لسماء مر عليه ثمان سنوات. والإشارة إلى حبيبته الأولى التي أحبها في الطفولة ولم يوضح الراوي هل الحبيبة الأولى هي “سماء” أم أنها فتاة أخرى والراوي هنا راو موضوعي يصف ما يراه في الظاهر ويتركنا بعد ذلك لسليم كي يخبرنا من خلال حواراته بدءا من حواره الأول يخاطب فيه “سماء” الغائبة منذ سنوات ولكنها لم تغادر شعوره ولم يتجاوز حبه لها.
مشكلة “سليم” أنه على الرغم من كونه معالجا نفسيا إلا أنه لم ينجح في تخطي ذكريات الفقد مع ذكريات أخرى ستظل تطارده في صحوه كظلال قاتمة تعكر صفو حياته والتي نراها مع أحداث الرواية التي تدور معظمها في عيادته النفسية مع مرضاه. “سليم” يحمل نفسه مسؤولية الفقد رغم أن والد “سماء” وضع على شقته لافتة للبيع واختفى هو وزوجه وابنته وعلم أن “سماء” تزوجت بغيره ومضت في حياتها وعلم أنها تدرس الدكتوراه ويبدو أنها تخطت الماضي بكل ما فيه أما “سليم” فبقي سجين ذلك الماضي.
السؤال الذي يفرض نفسه وبقوة كبف أصبح “سليم” :”واحدا من أشهرالأخصائيين في مجاله ومرجعا في أبحاثه وصوتا مطمئنا يثق به الناس” ومع ذلك عجز أن يعالج نفسه حتى وصل به الأمر أن تصيبه الهلاوس ويتخيل مريضة تدخل عيادته وتحاوره وعندما سأل “عم حسين” عنها أبلغه أنه لا توجد مريضة اسمها “هند”. كانت “هند” هي الظل الذي يطارده مع هواجسه التي يهرب منها. حتى زميله “أيمن” الذي طلب منه العون حذره من الهلاوس وتأثيرها السيء. لكن “سليم” لم يخبر زميله بالسبب الرئيس وراء تلك الهلاوس. وهناك مقولة هامة تشير إلى أهمية معرفة المعالج لكل شيء :” لا تخفي عن المشير خبرك فتؤتى من قبل نفسك.”
يخبرنا الراوي بأن “سليم” ليس معالجا نفسيا بارعا فحسب بل هو روائي له روايات ناجحة تتسم بالغموض والعمق وأنه “يعالج ما يواجهه في واقعه خوفا مكبوتا, جرحا قديما, أو روحا تبحث عن الخلاص…” (ص 12 ) إن العلاج النفسي وكتابة الروايات في حد ذاتهما هما أسلوبان متوازيان قد يكون من أهدافهما المستترة مساعدة “سليم” على التعافي من خلال علاج مشكلات المرضى النفسية وتسليط الضوء عليها وكذلك رواياته وما يحوطها من غموض.
نرى من خلال الأحداث أن “سليم” يبدو شخصا مختلفا في مخيلة من يعرفونه , “سليم” في مخيلة والدته ليس هو “سليم” في مخيلة “عم حسين” وكذلك في مخيلة مريضته “ليلى” قد يكون بطلا تنتظر أن يخلصها من ماض مؤلم لا تستطبع الهروب منه. لكن “سليم” في نظر نفسه مذنب, لم يستطع تجاوز شعوره بالذنب الذي أدى به لأن تصيبه الهلاوس. إنه كمعالج نفسي يسعى جاهدا ألا تصيب الهلاوس مرضاه ويعمل على علاجها قبل أن تتفاقم لتتحول إلى مرض عقلي لا علاج له.. ظل “سليم” يهرب من ذلك الذنب ولكنه ظل قابعا في اللاوعي لسنوات. ظن “سليم” أن تعايشه مع قصص الآخرين المؤلمة والتي يعالجها في عيادته قد يساعده ولكنه لم يمنعه من المرض.
“سليم” الآن هو نسخة مختلفة عن “سليم” المتدرب الذي خاف أن يفقد تدريبه في ذلك المركز الذي يستقبل العديد من الحالات للعلاج فتخلى عن المريضة “أمل” والتي استنجدت به ووثقت به وطلبت منه ألا يدعها تعود لمنزل زوج أمها, لأنها إذا أجبرت على العودة سوف تتخلص من حياتها. لم يجرؤ على منعهم من إجبارها على العودة لمنزل زوج أمها فقامت بالإنتحار. ظل هذا الذنب يطارده حتى أنه أفسد عليه حياته وأصابته الهلاوس. عندما قام “سليم” بقص تلك الحكاية المؤلمة على مسامع “ليلى” كان يشعر أنه سيحصل على فرصة للتصالح مع نفسه وغفران الذنب الذي ظل يطارده وكان يتساءل أمام “ليلى”هل يستحق هذا الغفران؟ كانت الظلال تطارده في صحوه لدرجة أنه لجأ لمعالج صديق لكنه لم يبح له بالسر الذي يخفيه. لكن صديقه حذره من الهلاوس. عندما صار البوح بينه وبين مريضته “ليلى” بوحا متبادلا استطاع أن يضعها على أول طريق التعافي وهي كذلك وضحت له أنه ليس ذلك المذنب الذي تخلى عن ضحية لجأت له وكيف أنه أبلغ عن زوج الأم والمعالج المتواطيء معه. وكما فعل بعد ذلك بسنوات في علاجه لرائد حين قام بانقاذ بريء من حبل المشنقة.












