لَيْسَتِ الكَارِثَةُ الْوَلِيدَةَ الْمُفَاجِئَةَ؛ فَمَا يَدُورُ الْيَوْمَ عَلَى ضِفَافِ النَّهْرِ الْخَالِدِ لَيْسَ إِلَّا فَصْلًا مُكْتَمِلًا مِنْ مَخَاضٍ جِيُوبُولِيتِيكِيٍّ عَمِيقٍ بَدَأَتْ غَرْسَتُهُ الْأُولَى مُنْذُ حُقْبَةِ الْخَمْسِينِيَّاتِ.
حِينَما وَقَّعَتْ مِصْرُ وَالسُّودَانُ اتِّفَاقِيَّةَ عَامِ 1959م لِتَقَاسُمِ المِيَاهِ (بِوَاقِعِ 55.5 مِلْيَارَ مِتْرٍ مُكَعَّبٍ لِقَاهِرَةِ المِعِزِّ وَ 18 مِلْيَارًا لِلْخَرْطُومِ)، سَارَعَ المَكْتَبُ الأَمْرِيكِيُّ لِاسْتِصْلَاحِ الأَرَاضِي—بِإِلْهَامٍ حَاذِقٍ مِنَ الكَيَانِ العِبْرِيِّ—إِلَى إِرْسَالِ بَعْثَةٍ فَنِّيَّةٍ مَكَثَتْ سِتَّ سَنَوَاتٍ كَامِلَةً عَلَى نَفَقَةِ وَاشِنْطُنَ.
كَانَتِ النَّتِيجَةُ حَصْرَ 33 مَوْقِعًا لِبِنَاءِ السُّدُودِ، وَتَقْدِيمَ تَوْصِيَةٍ حَاسِمَةٍ عَامَ 1963 م بِتَشْيِيدِ أَرْبَعَةِ سُدُودٍ رَئِيسِيَّةٍ عَلَى النِّيلِ الأَزْرَقِ؛ كَانَ أَعْظَمُهَا هُوَ المَوْقِعُ الحَالِيُّ لِـ “سَدِّ النَّهْضَةِ”، تَلِيهِ سُدُودُ “كَارَدُوِيِه”، وَ”بِيكُو آبُو”، وَ”مَنْدَايَا”.
فِي الْحَقِيقَةِ لَمْ تَكُنْ أَدِيسُ أَبَابَا طَوَالَ تَارِيخِهَا الْمُمَادِّ سِوَى حَجَرِ زَاوِيَةٍ فِي اسْتِرَاتِيجِيَّةِ الْخَنِيقِ؛ بَدْءًا مِنْ عَهْدِ الْإِمْبِرَاطُورِ “هَيْلَا سِيلَاسِي” الَّذِي حَارَبَ النُّفُوذَ الدِّينِيَّ لِلْكَنِيسَةِ الْمِصْرِيَّةِ، وُصُولًا إِلَى نِظَامِ “مِنْجِسْتُو هَيْلَا مِيرْيَام” الشُّيُوعِيِّ.
وَعَقِبَ انْفِصَالِ إِرِتْرِيَا وَفَقْدَانِ إِثْيُوبِيَا لِمَنَافِذِهَا الْمَائِيَّةِ عَلَى الْبَحْرِ الْأَحْمَرِ، سَارَعَ التَّحَالُفُ الْعِبْرِيُّ لِتَوْثِيقِ رَوَابِطِهِ مَعَ الْأَطْرَافِ الْكَائِنَةِ فِي أَسْمَرَا وَأَدِيسَ أَبَابَا عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ، لِيَكْتَمِلَ لَهُ الطَّوْقُ الْحَيَوِيُّ: النِّيلُ وَالْبَحْرُ.
وِفْقًا لِمَا وَثَّقَهُ الْأَكَادِيمِيُّ الدُّكْتُورُ “زَكِي الْبُحَيْرِيُّ” فِي كِتَابِهِ “مِصْرُ وَمُشْكِلَةُ مِيَاهِ النِّيلِ: أَزْمَةُ سَدِّ النَّهْضَةِ” (الصَّادِرِ عَنِ الْهَيْئَةِ الْمِصْرِيَّةِ الْعَامَّةِ لِلْكِتَابِ، ص 485-486):
- يَنَايِرُ 2010 م: كَشَفَتْ دِرَاسَةٌ كَنَدِيَّةٌ رَسْمِيَّةٌ كَلَّفَتْهَا الحُكُومَةُ المِصْرِيَّةُ أَنَّ المُخَطَّطَ لَا يَسْتَهْدِفُ سَدَّ النَّهْضَةِ فَحَسْبُ، بَلْ بِنَاءَ السُّدُودِ الأَرْبَعَةِ لِاحْتِجَازِ نَحْوِ 140 مِلْيَارَ مِتْرٍ مُكَعَّبٍ إِضَافِيَّةٍ.
- تَقْرِيرُ الْخُبَرَاءِ (2011 م): أَنَّ تَشْغِيلَ هَذِهِ السُّدُودِ الْأَرْبَعَةِ لِأَغْرَاضِ الْكَهْرُبَاءِ الْمَحْضَةِ سَيَحْرِمُ مِصْرَ مِنْ 14 مِلْيَارَ مِتْرٍ مُكَعَّبٍ سَنَوِيًّا، وَيُخَفِّضُ قُدْرَةَ السَّدِّ الْعَالِي وَخَزَّانِ أَسْوَانَ بِمِقْدَارِ 500 مِيجَاوَاتٍ. أَمَّا فِي حَالِ اسْتِخْدَامِهَا لِلزِّرَاعَةِ، فَسَيَقْفِزُ الْعَجْزُ إِلَى 19 مِلْيَارَ مِتْرٍ مُكَعَّبٍ سَنَوِيًّا.
- الِاخْتِرَاقُ الصَّامِتُ (2009-2010 م): تُوِّجَ التَّمَدُّدُ العِبْرِيُّ فِي حَوْضِ النِّيلِ بِجَوْلَةِ “أَفِيجْدُور لِيبَرْمَان”، وَتَوْقِيعِ اتِّفَاقِيَّاتٍ زِرَاعِيَّةٍ وَعَسْكَرِيَّةٍ مَعَ أُوغَنْدَا وَرُوَنْدَا وَكِينْيَا، مِمَّا أَدَّى لِتَوْقِيعِ “اتِّفَاقِيَّةِ عَنْتِيبِي” السَّاعِيَةِ لِإِلْغَاءِ الحُقُوقِ التَّارِيخِيَّةِ.
وَفِي الْوَاقِعِ، إِنَّ النَّظْرَةَ السَّطْحِيَّةَ الَّتِي تُحِيلُ الْكَارِثَةَ إِلَى أَحْدَاثِ ثَوْرَةِ يَنَايِرَ 2011 م هِيَ تَعْمِيَةٌ عَنِ الْحَقِيقَةِ؛ فَقَدْ أُنْشِئَتِ الْمُنْطَلَقَاتُ فِي عُقُودِ الِانْكِفَاءِ، وَاسْتُكْمِلَتْ بِوَثِيقَةِ الْمَبَادِئِ عَامَ 2015 م.
وَالْيَوْمَ، يَمْتَدُّ الْمَخَاطُ لِيَطَالَ الْقَلْبَ النَّابِضَ لِلْأَمْنِ الْقَوْمِيِّ الْمِصْرِيِّ: جُمْهُورِيَّةَ السُّودَانِ.
وَفِي دَوْلَةِ السُّودَانِ، لَا يَنْفَصِلُ دَعْمُ مِيلِيشِيَّاتِ “الدَّعْمِ السَّرِيعِ” عَنْ سِينَارِيُو السُّدُودِ؛ إِذْ يَهْدِفُ تَمْزِيقُ السُّودَانِ وَمُحَاوَلَةُ السَّيْطَرَةِ عَلَى “بُورْتْسُودَانَ” إِلَى خَلْقِ سُلْطَةٍ خَاضِعَةٍ تُقِرُّ بِالِاتِّفَاقَاتِ الْإِثْيُوبِيَّةِ الْمُنْفَرِدَةِ، وَتُحَاصِرُ الْقَاهِرَةَ جُغْرَافِيًّا وَعَسْكَرِيًّا، خَاصَّةً مَعَ انْطِلَاقِ الْمُسَيَّرَاتِ مِنْ قَاعِدَةِ “هِيرَار مِيدَا” الْإِثْيُوبِيَّةِ.
إنَّ الْحَرْبَ الْمُوَجَّهَةَ ضِدَّ مِصْرَ لَا تَعْتَمِدُ الْمُوَاجَهَةَ الْعَسْكَرِيَّةَ الْمُبَاشِرَةَ، بَلْ أُسْلُوبَ “التَّجْفِيفِ الْبَطِيءِ” لِمُقَوِّمَاتِ الْحَيَاةِ، وَبَثَّ الْفِتْنَةِ مَعَ الشَّعْبِ السُّودَانِيِّ الشَّقِيقِ لِقَطْعِ آخِرِ جُسُورِ التَّكَامُلِ.
كَمَا إِنَّ السُّكُوتَ عَنِ التَّحَرُّكَاتِ الإِثْيُوبِيَّةِ وَحُلَفَائِهَا الإِقْلِيمِيِّينَ يُهَدِّدُ بِتَحْوِيلِ شِرْيَانِ الحَيَاةِ إِلَى سِلْعَةٍ تُبَاعُ بِالكُوبِ، مِمَّا يَفْرِضُ عَلَى القَاهِرَةِ التَّحَرُّكَ الصَّارِمَ قَبْلَ فَوَاتِ الأَوَانِ.
(الْكَاتِبُ وَالْبَاحِثُ الْمُتَخَصِّصُ فِي الشُّؤُونِ السِّيَاسِيَّةِ)










