كم من القراء أحبوا شكسبير لكنهم وجدوا أنفسهم في مواجهة لغة ثقيلة أو تراكيب معقدة في بعض الترجمات العربية القديمة؟ وكم من متفرج شاهد مسرحية مكبث بوصفها واحدة من أعظم مآسي المسرح العالمي لكنه لم يستطع النفاذ بسهولة إلى عالمها الإنساني بسبب الحواجز اللغوية التي تفصل بينه وبين النص؟
هنا تتجلى أهمية الإعداد المسرحي الذي قدمه الدكتور كمال يونس لمسرحية مكبث لوليم شكسبير. فنحن أمام محاولة لا تهدف إلى وضع شكسبير في متحف اللغة، ولا إلى التعامل مع النص بوصفه أثرا كلاسيكيا مقدسا ينبغي نقله إلى العربية بكل ما فيه من تعقيد لغوي وإنما أمام رؤية تسعى إلى إعادة المأساة إلى مكانها الطبيعي خشبة المسرح والمتلقي المعاصر.
والدقة تقتضي أن نشير منذ البداية إلى أن النص يحمل عبارة إعداد مسرحي د. كمال يونس، وليس مجرد ترجمة وهذه المسألة مهمة لأن الإعداد المسرحي يختلف عن الترجمة الحرفية فالمترجم قد يكون معنيا في المقام الأول بنقل النص من لغة إلى أخرى أما المعد المسرحي فإنه ينظر أيضا إلى النص من زاوية العرض ماذا سيقول الممثل؟ وكيف سيتلقى الجمهور الحوار؟ وأين تتحرك الشخصيات؟ وكيف تسهم الإضاءة والموسيقى والحركة في بناء المعنى؟
ولعل أول ما يلفت النظر في إعداد كمال يونس هو بساطة اللغة ووضوحها فالحوار لا يرهق المتلقي بالزخارف اللفظية ولا يدفعه إلى التوقف طويلا أمام الكلمات بحثًا عن معناها وإنما يتقدم الحدث في لغة مباشرة وقريبة من الفهم. إنها لغة تؤدي وظيفتها الدرامية مباشرة فالغرابة حاضرة والخوف حاضر، والموقف الغامض حاضر لكن اللغة لا تصبح حاجزا بين المتلقي والحدث.
وهنا ينبغي أن نؤكد أن تبسيط اللغة لا يعني تبسيط شكسبير. فهناك فرق كبير بين أن نفقد النص عمقه وبين أن نزيل الغموض اللغوي الذي قد يحجب هذا العمق. مأساة مكبث ما زالت قائمة بكل عناصرها الكبرى الطموح والسلطة والجريمة والخوف والندم والخداع والقدر والمصير لكن هذه العناصر تصل إلى المتلقي بلغة أقرب إليه
فمكبث في هذا الإعداد ليس شخصية غارقة في الكلام الفلسفي المجرد بقدر ما هو إنسان نرى تحولات نفسه أمامنا. نراه يندفع وراء الطموح، ثم يرتكب الجريمة، ثم يبدأ الخوف في السيطرة عليه، حتى يصل إلى مرحلة يفقد فيها الإحساس بالفزع نفسه
وإذا كانت بساطة اللغة تمثل السمة الأولى في إعداد د. كمال يونس فإن السمة الثانية هي تحويل النص من أدب مقروء إلى فرجة مسرحية حية. فمنذ المشهد الأول لا يكتفي المعد بتقديم الساحرات في الحوار بل يرسم عالما مسرحيا كاملا موسيقى توحي بالترقب والغموض وأصوات مبارزة بالسيوف وإضاءة مناسبة ودخان يتصاعد ورقصة تؤديها الساحرات ثم طبول عسكرية ونفير قبل دخول مكبث وبانكو.
وهذا يعني أن المتلقي لا يستقبل مكبث بالكلمات وحدها وإنما يستقبلها بالصوت والصورة والحركة والإيقاع فالساحرات في الإعداد ليست مجرد شخصيات تتنبأ بالمستقبل بل حضور بصري وسمعي يحيط بعالم مكبث منذ البداية وهنا يظهر وعي المعد بأن المسرح ليس نصا لغويا فقط وإنما منظومة من العلامات التي تتضافر جميعًا لإنتاج المعنى
إن قيمة هذا الإعداد في تقديري تكمن في أنه يعيد طرح سؤال مهم حول علاقتنا بالنصوص العالمية هل ينبغي أن نقرأها كما وصلت إلينا في الترجمات القديمة فقط؟ أم يجوز أن نعيد تقديمها كلما تغير المتلقي وتغيرت أدوات المسرح؟
لا شك أن للترجمات العربية الكلاسيكية قيمتها الكبيرة وأن بعضها يمثل إنجازا أدبيا في حد ذاته لكن المسرح فن حي وما كان مناسبا لجمهور الأمس ليس بالضرورة هو الطريق الوحيد إلى جمهور اليوم ومن هنا فإن تبسيط اللغة وإعادة صياغة بعض المواقف وإثراء العرض بالموسيقى والحركة والإضاءة لا ينبغي النظر إليه دائما بوصفه خروجا على الأصل بل يمكن النظر إليه بوصفه محاولة لمنح النص حياة جديدة
إن د.كمال يونس في إعداده المسرحي لـمكبث يختار أن يقرب شكسبير من المتلقي بدلا من أن يطالب المتلقي بأن يقطع المسافة وحده نحو شكسبير. وهذه هي الفكرة الجوهرية التي تمنح العمل خصوصيته شكسبير لا يفقد عظمته حين يتكلم بلغة بسيطة بل ربما نستطيع من خلال هذه البساطة أن نسمع صوته بصورة أوضح.










