منذ وقوع جريمة قتل شاب سوهاجى لزوجته وشابين لقناعته بارتكابهما فاحشة الزنا مع زوجته أثناء سفره للعمل فى ليبيا والرأى العام فى مصر منقسم.. هناك من يحتفى بما فعله الزوج لغسل عاره.. وهناك من يرى أن الزوج ارتكب جرما يعرضه لطائلة القانون وقد يلقى مصير من قتلهم.. ووسط هذا الجدال الذى شهدته مواقع التواصل الاجتماعى- ولا تزال- ضاعت كثير من الحقائق الدينية والقانونية.. والواقع أن الاستسلام لمثل هذه الجرائم قد يعرض المجتمع لمخاطر أمنية هو فى غنى عنها خاصة فى هذا الوقت الذى تتنامى فيه جرائم القتل.
لذلك وجب توضيح العديد من الحقائق الدينية والقانونية المرتبطة بجرائم الشرف.. بداية نؤكد أن حرص الإنسان على شرفه لا يقل أهمية عن حرصه على دينه، فالحرص على الشرف وحماية العرض في الإسلام من أعظم الكليات الخمس التي جاءت الشريعة لحمايتها، وهي الدين، والنفس، والعقل، والنسل (العرض)، والمال. ويوجب الإسلام الدفاع عن العرض بكل قوة، ويعد القتيل دون عرضه شهيدا، كما وضعت شريعتنا الغراء تشريعات صارمة لحمايته من الطعن والانتهاك.
فقد أوجب ديننا حفظ الأعراض وحمايتها وعدها أمانة غالية يجب على الإنسان أن يدافع عنها بكل ما يستطيع.. ولذلك عد الإسلام كل من يقتل دفاعا عن عرضه من الشهداء.. وهدف الإسلام من وراء ذلك حماية المجتمع من فاحشة الزنا وما ينتج عنها من خلط الإنساب.
لكن هل هذا الحرص الكبير على الشرف والعرض والكرامة يبيح للإنسان أن يرتكب جريمة ضد من يعتقد أنه دنس شرفه؟
لقد أجاب علماء الإسلام على هذا السؤال إجابة واضحة ملخصها أنه لا يجوز للإنسان أن يرتكب جريمة قتل اعتقادا أنه بذلك يثأر لشرفة ويغسل عاره.. وكثير من جرائم الشرف تستند لأوهام وشكوك ووسطاء سوء.. وبعيدا عن هذه الواقعة وتلك الزوجة فإن بعض النساء فى عالمنا العربى يتعرضن لظلم بيًن على يد أوليائهن تحت ستار حماية الشرف.
فى حوار سابق مع العالم الأزهرى د.نصر فريد واصل عضو هيئة كبار العلماء ومفتى الجمهورية الأسبق سألته: هل يجوز لزوج أو أب أو أخ أن يقتل إمرأة تحت ولايته استنادا الى تهمة ارتكاب فاحشة الزنا؟
قال: الشريعة الإسلامية- وهى الحريصة على الشرف والعرض- تحيط عقوبة الزانى والزانية باحتياطات كثيرة ولا تبيح لأحد من أولياء المرأة أن يرتكب جريمة ضدها إلا فى حالات نادرة الحدوث وقد تكون مستحيلة.. ولذلك لا يجوز مواجهة كل تجاوز سلوكى من إمرأة بالقتل وإراقة الدماء.
ويضيف: الإسلام لم يعط لأب، أو لزوج، أو لأخ، أو لإبن قتل إمرأة لمجرد ارتكابها لتجاوز أخلاقى، أو حتى اتهامها بالزنا ولو ضبطت متلبسة بارتكاب هذه الجريمة النكراء، ذلك أن جريمة الزنا لا تثبت في الشرع إلا بوسائل احترازية كثيرة تجعل من ثبوت هذه التهمة أمرا صعبا للغاية، وبالتالي فإن العقوبة الشرعية سواء أكانت الجلد أو الرجم لا تتم إلا بعد توافر وثبوت كل أركان الجريمة، وقد وضعت الشريعة الإسلامية شروطا لتنفيذ عقوبة فاحشة الزنا، أولها أن يكون من ارتكب هذه الفاحشة بالغا عاقلا، فلا حد على صغير أو مجنون، أيضا لابد أن يكون ارتكاب هذه الفاحشة على سبيل الاختيار والرضا من جانب الرجل والمرأة، فإذ تمت عن طريق الإكراه أو التحايل، فإن العقوبة تكون على من ثبت بالدليل القاطع أنه أكره غيره على ذلك.
ومن أبرز الشروط التي أوجبتها الشريعة الإسلامية لتثبت جريمة ارتكاب فاحشة الزنا أن يكون هناك إقرار صريح، فالإقرار هو سيد الأدلة كما يقولون، وقد أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بإقرار “ماعز والغامدية” أنهما قد ارتكبا هذه الفاحشة وأقيم الحد عليهما بسبب هذا الإقرار الذي أصرا عليه إصرارا تاما وقالا: “طهرنا يا رسول الله”، لكن علينا أن ندرك أنه من النادر أن يقر الإنسان بجريمته خاصة إذا كانت أخلاقية مثل جريمة الزنا.
والطريق الثاني لثبوت ارتكاب فاحشة الزنا شرعا هو شهادة أربعة من الرجال المسلمين البالغين العقلاء العدول أنهم شاهدوا الزاني والزانية يرتكبان هذه الفاحشة مشاهدة تامة لا لبس فيها ولا خفاء، وتكاد تكون هذه المشاهدة التامة من الشهود الأربعة للزانيين بهذه الطريقة من الأمور البالغة الصعوبة إن لم تكن من الأمور المستحيلة.
هذا هو موقف شريعتنا الإسلامية العادل حتى لا يظلم إنسان ويقتل دون وجه حق.
سؤال آخر يحتاج الى حسم: هل يحق للإنسان أن يثأر لشرفه وعرضه ويرتكب جريمة لغسل عاره؟
ملخص إجابات علماء الإسلام على هذا السؤال هى: لا تمنح الشريعة الإسلامية الحق للأفراد في الثأر بأنفسهم أو ارتكاب الجرائم بدعوى غسل العار.. فإقامة الحدود وتطبيق العقوبات من اختصاص ولي الأمر (الدولة والقضاء) وليس الأفراد، فارتكاب جريمة قتل بدعوى “الشرف” يعد جريمة قتل عمد يعاقب عليها القانون كما تجرمها أحكام الشريعة الإسلامية.
قيام الأفراد بأخذ الحق بأيديهم يؤدي إلى غياب القانون وانتشار الفوضى والظلم.. ولذلك تعاقب القوانين المطبقة فى كل بلادنا الإسلامية الآن مرتكبي جرائم القتل بـ “دافع الشرف” كجناة وتفرض عليهم عقوبات مشددة.
الخلاصة: أقدر مشاعر الذين تعاطفوا مع الزوج وهم كثيرون كما شاهدت على مواقع التواصل الإجتماعى.. لكن الشرع والقانون فى اتجاه آخر ولا يصح أن نشجع مثل هذه الجريمة، وكم ظلمت نساء فى جرائم من هذا النوع، وهناك آباء وإخوة وأزواج قتلوا نساء تحت ولايتهم أستنادا لوشاية اتضح بعد ارتكاب الجريمة عدم صحتها.
علينا أن نحتكم لتعاليم ديننا وأن نولى عناية كبيرة بمنع أسباب مثل هذه الجرائم الأخلاقية، وعلى كل زوج يترك زوجته وحيدة ويبالغ فى الغياب عنها أن يراجع نفسه ويدرك أن لزوجته حقوقا لا يصح التفريط فيها.
علينا تجريم سلوك هؤلاء الذين يزهقون أرواح الذين يتورطون فى علاقات محرمة سواء ثبتت هذه الاتهامات أو لم تثبت.. وهذه الجرائم لا تغسل عار أسرة أهملت تربية أولادها بنين ونساء ولا تعفى الزوج من وزر هجر زوجته والبعد عنها ولا تغسل عار أسر تجاهلت تعاليم دينها وتركت أولادها يغترفون من الرزائل الأخلاقية.
b_halawany@hotmail.com









