كنت أقف على هامش المكان الخفي ، أراقب مشهداً لو حكي لي قبل ذلك لقلت إنه محض خيال .
طوال سنوات عمري السابقة ، كنت أعتاد الصمت . أذكر تلك الليالي الطويلة التي حاصرني فيها المرض والوحدة ، كنت أرفع هاتفي ، أنظر إلى الأسماء ، وأتمنى لو أن أحدهم يبعث برسالة سؤال دافئة تمتد كي تنتشلني من غرق يئسي . كنت أستغيث بكل ما أوتيت من أخر لحظات العمر ، لكن الأيادي كانت دائماً أضيق من أن تمتد ، والأوقات أثقل من أن تمنح لرجل يصارع وساوسه وحده .
والآن؟ انظروا إليهم !
أزدحم الشارع ، وتزاحمت الأجساد التي لم أعتد رؤيتها قربي . حين أسلمت أنفاسي الأخيرة وحسم الأمر ، أندفعت في نفوسهم موجة مفاجئة من الوفاء ! رأيتهم يتسابقون لحمل نعشي ، كأن تلك الأكتاف التي خذلتني وأنا أحاول صعود جبال الحياة ، أرادت أخيراً أن تتظاهر بالشهامة والوفاء بعد أن صرت مجرد جثة خفيفة لا تكلفهم شيئاً .
كنت أشاهد بغضب مكتوم ، ألتفت حولي بحثاً عن منقذ ، حين سمعت صوتاً هادئاً يأتي من خلفي ،
“لا ترهق روحك بالغضب يا صديقي… فالأمر لا يستحق”.
التفت لأجد رجلًا يبتسم بوقار ، يرتدي ثوباً من السكون المضيء . عرفته على الفور ، إنه “عمر”، جاري القديم الذي رحل قبل عامين في ظروف تشبه ظروفي تماماً .
قلت له بنبرة يحرقها الذهول والأسى ،
“كيف لا أغضب يا عمر؟ أنظر إلى رأفت… لم يزرني منذ أربع سنوات ، وها هو الآن يصارع ليضع كتفه تحت خشبة نعشي ! أنظر إلى أولئك الذين كنت أترجاهم ليسمعوني لدقائق ، كيف يبكون اليوم بحرقة وكأنهم فقدوا شقيق الروح ! ما هذه الخديعة؟”.
وضع عمر يده على كتفي بلمسة حنونة ، ونظر إلى الحشد المتزاحم ثم قال ،
“إنها ليست خديعة بالمعنى الذي تظنه… إنها عقدة ذنب جماعية ، ومسرحية أتقن البشر تمثيلها منذ أزل الآبدين . أنت لست الإستثناء يا صديقي ، هذا هو الحال مع الجميع”.
ثم أشار عمر بيده نحو الجنازة ومضى يقول ،
“نحن البشر نملك طبعاً غريباً ، لا نجيد حمل أوجاع الأحياء ، ولا نعرف كيف نواسي قلباً ما زال ينبض بالحب والأمل ، لكننا بقدرة عجيبة نتقن إتقان تام حمل النعوش ، ونبدع في البكاء المتقن على قلب توقف أخيراً عن الخفقان . الموت يمنحهم فرصة سريعة لغسل ضمائرهم دون أن يتكلفوا عناء المتابعة أو الرعاية”.
سرت بجانبه نتبع الجنازة من الأعلى ، ورأيت الخشبة توضع في اللحد ، ويهال علي التراب . وما إن أغلقت المقبرة بالحجارة الثقيلة ، حتى بدأ المشهد يتحول بطريقة تدعو للسخرية .
قلت لعمر وأنا أطالع ما يحدث ،
“أنظر… لم يمضي على دفني عشر دقائق!”
أبتسم عمر أبتسامة عريضة تشوبها المأساة وقال
“دعني أخمن ما تراه الآن ، إنفض الصراخ ، فرشت الموائد ، ودارت فناجين القهوة والشاي بين الأيدي؟”
نظرت برأسي لأسفل متألما ، متابعاً بتركيز ،
” وبدأت الأحاديث الجانبية عن أخبارهم والتجارة والطقس وسياراتهم… و شيئاً فشيئا زابت أحزنهم ، وتعالت الضحكات ! كأن الموت لم يكن فاجعة إنسانية بالنسبة لهم ، بل مجرد موعد إجتماعي فريد ومختلف يتلاقون فيه ويتبادلون أطراف الحديث ثم يعودون لمنازلهم !”.
ألتفت إلي عمر ، وأخذ بيدي لنبتعد رويداً رويداً عن المقبرة التي أصبحت خاوية إلا من الأجساد الراقدة تحت الأرض ، وقال بنبرة عميقة رنت في أرجاء المكان ، “لقد تعلمت هذا الدرس يوم رحيلي يا صديقي… الموت ليس أقسى ما يواجهه المرء في رحلته ، الموت رحمة وسكون . القسوة الحقيقية هي أن تكتشف وأنت تلفظ أنفاسك الأخيرة ، أو وأنت تتأمل جنازتك ، أن كل هذا الحب ، وكل هذا الإهتمام والزحام ، كان يتطلب فقط أن تموت أولاً لكي يظهر!”
سرت بجواره ، تاركاً خلفي عالماً يحب الأموات لأنهم لا يطلبون شيئاً ، ويخشى الأحياء لأنهم يحتاجون إلى المحبة .










