د. محمود محيى الدين من الشخصيات المصرية الاقتصادية البارزة الذى جمع بين العمل الحكومى، والأكاديمى، وإدارة المؤسسات المالية العالمية، حيث كان أول وزير للاستثمار فى مصر بعد إنشاء أول وزارة مستقلة لها فى ٢٠٠٤، ثم انتقل بعد ذلك إلى البنك الدولى ليعمل فى منصب رفيع، وهو منصب المدير المنتدب، وتولى العديد من المناصب والملفات فى البنك الدولى، وصندوق النقد الدولى، والأمم المتحدة.
هذه المقدمة ضرورية لأنها تتعلق بما صدر عنه مؤخرًا من احتمال حدوث أزمة مالية عالمية جديدة خلال المرحلة المقبلة، وأن مسألة حدوثها قد تصبح «مسألة وقت» إذا استمرت مجموعة الاختلالات العالمية الحالية، ومن هنا لابد من الإنصات لهذا التحذير والعمل على وضع خطة مبكرة للتعامل معها.
الأزمة المالية العالمية التى يحذر منها د. محمود محيى الدين لن تكون هى الأزمة العالمية الأولى، وإنما سبقتها أزمات عديدة، أبرزها الكساد العالمى العظيم، التى كانت الأزمة الأشهر، والأعمق، والأكبر، والتى بدأت بانهيار بورصة نيويورك فى أكتوبر ١٩٢٩، وما تلاها بعد ذلك من كوارث اقتصادية عالمية.
الأزمة الثانية كانت فى عام ٢٠٠٨، والتى كان الكثيرون يخشون من تحولها إلى «كساد عالمى عظيم ثانٍ»، إلا أن الإجراءات الحكومية والدولية نجحت فى الحد من تداعيات ومخاطر تلك الكارثة إلى أقل حدود ممكنة.
أيضًا كانت هناك أزمة جائحة «كورونا» التى بدأت كأزمة صحية، ثم تحولت إلى أزمة اقتصادية عالمية أدت إلى تداعيات مالية ضخمة بسبب «الإغلاق الكبير» فى الاقتصاد العالمى، لتصبح ثانى أسوأ حالة ركود عالمى منذ الكساد العظيم.
مشكلة الأزمة الجديدة التى يتخوف منها د. محمود محيى الدين، ويطالب بالتحسب لها، والاحتياط لمواجهتها، فى أن مظاهرها وأوجاعها بدأت قبل الإعلان عنها، وهو ما ظهر بوضوح الآن فى العديد من المؤشرات، لعل أبرزها:
أولًا: ارتفاع معدلات الديون العالمية، حيث أصبحت العديد من دول العالم تعانى من مستويات مرتفعة من الديون.
ثانيًا: التضخم وعدم اليقين بشأن أسعار الفائدة، مما يدفع البنوك المركزية إلى الإبقاء على سعر فائدة مرتفع لفترات أطول، وبما يؤدى إلى زيادة تكلفة الاقتراض على الحكومات والشركات والأفراد.
ثالثًا: معاناة الكثير من الدول الكبرى والناشئة من عجز الموازنات، بما يحد من قدرة هذه الدول على استخدام الإنفاق العام لمواجهة أية صدمات جديدة.
رابعًا: تباطؤ النمو فى معظم الاقتصادات العالمية، على عكس المطلوب من تحقيق معدلات نمو مرتفعة تكفى لمواجهة أعباء الديون.
خامسًا: اندلاع الحروب والصراعات فى العديد من المناطق مثل الحرب الروسية ـ الأوكرانية، والحرب الأمريكية ـ الإيرانية، وغيرهما، مما ساهم فى اضطراب حركة التجارة، وتعثر سلاسل الإمداد والطاقة العالمية.
كل هذه المؤشرات لا تعنى أن آثار الأزمة العالمية قد سبقت حدوثها، لكنها قد تعنى احتمال حدوث آثار سلبية كبرى إضافية على الاقتصادات العالمية، كما حدث فى الأزمات العالمية السابقة.
أعتقد أنه من المهم الاستماع إلى تحذيرات د. محمود محيى الدين، بغض النظر عن حدوث تلك الأزمة، لا قدر الله، أم لا، واعتبار هذا التحذير بمثابة إنذار مبكر لتجنب مخاطر تلك الأزمة المحتملة، وخاصة ما يتعلق بوجود احتياطيات كافية لامتصاص الصدمات والأزمات، وقبل كل ذلك وبعده وضع روشتة اقتصادية مصرية مستدامة لمعالجة أسباب الاختلالات الاقتصادية والمالية.









