لم يكن فستان جومانا مجرد قطعة قماش أثارت جدلاً عابراً في حفل تخرج جامعي، بل تحول في لحظة فارقة إلى الشاهد الحي الذي كشف هشاشة الممارسة الأكاديمية وشخصنة السلطة الإدارية. تحول هذا الفستان إلى مسرح لمصادرة الفرحة، حيث استُعيض عن اللوائح التنظيمية بالمرجعيات الفردية والمزاجية، ليمنح مسئول أكاديمي نفسه سلطة التفتيش والوصاية على زيّ طالبة انتظرت هذه اللحظة سنوات، وتجاوز صلاحياته المؤسسية إلى سلوكيات تمس الخصوصية والاستعراض الفردي.
تتجلى الخطورة في هذه الواقعة عبر ازدواجية المعايير الفاضحة التي وثقتها مقاطع الفيديو؛ إذ شهد الحفل حضور مئات الطالبات بأزياء متقاربة في التصميم ومتنوعة في التفاصيل دون أي اعتراض، بينما وقع الاستهداف والانتقاء التعسفي على جومانا دون غيرها. هذا الاستثناء التعسفي يسقط أي ادعاء بالحرص على “الآداب العامة” أو “تطبيق النظام”، ويكشف عن تربص وازدواج صريح في المكيال يُغلق الأعين عن الجمع ويسلط العقوبة على فرد بعينه وفق هوى شخصي لا ينتمي للقانون.
ثم بلغت المأساة ذروتها حين دخلت الجهات النقابية على الخط لتمارس ترهيباً نقابياً ممتلئاً بالتحدي، مصادرة بذلك كل صوت محايد. وبدلاً من التزام الحياد وانتظار التحقيقات الرسمية، سارعت هذه الكيانات لإصدار بيانات تتوشح بلغة التهديد والوعيد ضد كل من انتقد هذا السلوك، مع توزيع صكوك البراءة والتفخيم المستبق للمسئول. هذا الشطط لا يمثل حماية للمؤسسات كما يُروَّج، بل هو استقواء بالسلطة النقابية للتغطية على الانحيازات الفردية وتكريس لثقافة تحصين التجاوز بدلاً من محاسبته.
إن عمق القضية في هذه الواقعة لا يتوقف عند حدود تصرف فردي صادِر عن مسئول أكاديمي وما رافقه من مساس بخصوصية الطالبة، بل يمتد إلى ذلك الدعم المؤسسي والنقابي الذي سارع لمساندة هذا المسلك. إن تبني أطراف نُخبوية ومؤسسات لها وزنها الاجتماعي لطرحٍ يضيق على الحريات الشخصية ويتجاوز اللوائح المكتوبة، يكشف عن فجوة فكرية وثقافية تتجاوز الحادثة الفردية لتمس طريقة تفكير بعض القائمين على المؤسسات التعليمية والتنظيمية. وحين يغيب الحياد وتتراجع قيم الاستيعاب والعدالة لدى الطبقات التي يُفترض بها تقديم القدوة ورعاية دولة القانون، فإن التأثير السلبي يتجاوز أروقة الجامعات ليلقي بظلاله على وعي المجتمع وثقته في مؤسساته.
ولعل البُعد الأشد خطورة في هذه الواقعة يتجاوز جدران الحرم الجامعي ليصل إلى مساسٍ غير محسوب بجمال التنوع والتماسك المجتمعي. ففي مجتمع يقوم بنيانه على روح التعايش والتلاحم الوثيق بين كافة أبنائه، غدت التصرفات المنفردة والانحيازات التقديرية مدخلاً لإثارة الحساسيات وفتح أبواب لتأويلات تؤذي نسيجنا الوطني الجميل. إن الحفاظ على السلم الاجتماعي وركائز الوحدة الوطنية يقتضي من كل مسئول ونقابي الالتزام بالحيدة التامة والمساواة المطلقة في التعامل مع جميع المواطنين، حتى لا تُتخذ الحوادث الفردية ذريعةً لخدش الصورة الناصعة للتسامح والمواطنة التي طالما جمعت أبناء الوطن الواحد.
لقد غدت قضية فستان جومانا رمزاً صريحاً للصدام بين سيادة اللوائح وسلطوية المزاج؛ حيث يتلاقى عسف التقييم الفردي مع ازدواجية التطبيق ليجد حمايته في بيانات الترهيب النقابي. وحين تسقط الإنسانية من قاموس العمل الأكاديمي، وتتحول النقابات إلى دروع لقطع الطريق على العدالة، فإن الخاسر لا يقتصر على جومانا وفرحتها المصادرة، بل يمتد ليشمل هيبة القانون وثقة المجتمع في مؤسساته. إن صون النسيج الوطني والتماسك المجتمعي لا يتحقق بالتغاضي عن التجاوزات الفردية، بل يترسخ بالاحتكام الصارم لدولة اللوائح والمواطنة، التي تُعلي قيمة الإنسان، وتحمي الفرحة، وتصون كرامة الجميع دون تفرقة أو انحياز.










