بعد مرور 5 سنوات على بداية تنفيذه.. صنف البنك الدولي المخاطر الائتمانية لقرضه البالغة قيمته 440 مليون دولار لتحديث سلامة السكك الحديدية على مسار “الإسكندرية-القاهرة-نجع حمادي” بأنها “مرتفعة”. وبعد مرور أكثر من خمس سنوات على بدء المشروع، لم يشهد المؤشر الرئيسي للسلامة أي تحسن، وفق ما جاء في تقرير حالة التنفيذ والنتائج الصادر عن البنك. وتتولى الهيئة القومية لسكك حديد مصر التابعة لوزارة النقل إدارة القرض، الخاص بـ “مشروع تطوير وسلامة سكك حديد مصر (RISE)”. وتعد المخاطر الائتمانية هي الفئة الوحيدة التي رفع البنك تقييمها منذ الموافقة على القرض، في حين ظلت جميع المخاطر الأخرى عند مستوياتها المسجلة في مارس 2021، بدءا من المخاطر الكلية والفنية وصولا إلى المخاطر المتعلقة بالأطراف المعنية.
— يمثل تقييم المخاطر الائتمانية مقياسا لدى البنك الدولي لتحديد ما إذا كانت الأموال المقترضة تخضع للتتبع والرقابة وتُنفق في الأغراض المخصصة لها أم لا، ويشمل ذلك الإدارة المالية والمشتريات والمحاسبة. وتتدرج مستويات المخاطر لتشمل: منخفضة، ومتوسطة، وملموسة، ومرتفعة. وتوضح الإرشادات الخاصة بالبنك (بي دي إف) أن التصنيف “المرتفع” يشير إلى أن البيئة الائتمانية “ضعيفة”، وأن الرقابة الداخلية “غير قادرة على منع أو اكتشاف المخالفات”، وأن أموال المشروع “تُوجه لغير أغراضها باستمرار”، وأن عقود المشتريات “تتجاوز قيمتها وجدولها الزمني الأصلي بصفة متكررة”.
وفي رده على سؤالنا حول أسباب تدهور التصنيف الائتماني، أوضح البنك الدولي لنشرة “إنتربرايز” الاقتصادية أن الأمر يتعلق تحديدا بالرقابة على الإدارة المالية، وليس الأداء العام للمشروع. وأضاف أن البنك وهيئة سكك حديد مصر “اتفقا على اتخاذ تدابير تصحيحية لتعزيز الرقابة والإشراف”، وأن التقييمات المستقبلية ستعتمد على مدى تنفيذ هذه التدابير، لكنه لم يحدد طبيعة الخلل الدقيق الذي أدى إلى هذا التغيير أو توقيت حدوثه بالتحديد. وتشير وثائق البنك إلى أن التخفيض اقتُرح لأول مرة في يوليو 2024 (بي دي إف)، واعتُمد رسميا بوصفه تقييما نهائيا بحلول ديسمبر 2024 (بي دي إف). وجاء التقرير الأخير الصادر في أغسطس 2026 ليؤكد هذا التقييم، دون أن يفصح البنك عما استدعى هذا التغيير خلال تلك الفترة.
في المقابل، ظلت كافة مؤشرات البنك الأخرى لتقييم القرض مستقرة؛ إذ أبقى البنك على تقييم مدى تقدم المشروع نحو تحقيق أهدافه وتنفيذه العام عند مستوى “مُرضٍ بدرجة متوسطة”، واحتفظ بتقييم المخاطر الإجمالية عند مستوى “ملموسة”. واستهل البنك مذكرته حول حالة المشروع بالإشارة إلى أنه “يحرز تقدما مع ظهور علامات حديثة على تحسن طفيف”.
المؤشر المقلق يكمن في التمويل:
بعد مرور أكثر من خمس سنوات على مشروع من المقرر إنجازه بحلول عام 2027، لم تصرف هيئة سكك حديد مصر سوى 200.82 مليون دولار من قيمة القرض (أي نحو 47.68%، وهو ما يقل عن نصف قيمته)، الذي جرى تخفيض قيمته لاحقا من 440 إلى 421.2 مليون دولار. لم يوضح البنك ما إذا كان واثقا من إمكانية استيعاب وإنفاق المبلغ المتبقي البالغ نحو 220 مليون دولار بفعالية قبل انتهاء المشروع، لكنه أكد على ارتباط عملية الصرف “ارتباطا وثيقا بالتقدم الفعلي الموثق” في عقود الأعمال الكبرى، مشيرا إلى إحراز “تقدم كبير” في جوانب أخرى.
لماذا احتاج المسار إلى التحديث؟
يغطي تمويل مشروع تطوير وسلامة سكك حديد مصر نحو 760 كيلومترا من الشبكة القومية لسكك حديد مصر تمتد عبر 11 محافظة من الإسكندرية شمالا إلى نجع حمادي في صعيد مصر، وذلك من الطول الإجمالي للشبكة البالغ نحو 5 آلاف كيلومتر. ويشير البنك الدولي إلى أن هذا المسار ينقل أكثر من مليون راكب يوميا، علما بأن المشروع لا يهدف إلى إنشاء خطوط جديدة، بل يركز على تحديث أنظمة الإشارات والسلامة على الخطوط الحالية.
ويعد المشروع امتدادا مباشرا لمشروع إعادة هيكلة سكك حديد مصر، الذي استهدف تحديث الإشارات بمساري الإسكندرية-القاهرة وبني سويف-نجع حمادي قبل انتهائه في ديسمبر 2020. وأوضح البنك أن الأعمال غير المكتملة آنذاك “نُقلت إلى مشروع تطوير وسلامة سكك حديد مصر لضمان استمرارية واستكمال البرنامج الأوسع لتحديث السكك الحديدية في مصر”. وأرجع التقرير التأخيرات إلى طول إجراءات المشتريات، والاضطرابات التي تلت ثورة 2011، بالإضافة إلى أن إجراءات السلامة وأدلة التشغيل الخاصة بالهيئة تعود إلى عام 1903 (بي دي إف). ويبني المشروع الأحدث على ما أُنجز سابقا، مستكملا أعمال الإشارات المتبقية ومضيفا قطاعا جديدا لم يشمله المشروع السابق، وهو قطاع “القاهرة-الجيزة-بني سويف” الذي يمتد بطول 125 كيلومترا ويتطلب تحديثا كاملا للإشارات من الصفر.
وعلق البنك على الأسباب المحددة وراء التأخير في قطاع “القاهرة-الجيزة-بني سويف”، قائلا إنه لا يوجد عامل واحد يفسر الجدول الزمني للتنفيذ، بل حدد خمسة عوامل مساهمة تشمل “توفير المواد، ومراجعة التصميمات، ومتطلبات تسليم المواقع، وجدولة الأعمال الفنية، وإجراءات إدارة العقود”.
ولا يغطي القرض البالغ 440 مليون دولار التكلفة الإجمالية للأعمال، وإنما يمثل حصة البنك الدولي في مشروع أكبر تبلغ تكلفته 680 مليون دولار، تدعمه وزارة المالية بتمويل إضافي لصالح هيئة السكك الحديدية. فقد وافق البنك على القرض في مارس 2021، إلى جانب مساهمة بقيمة 241.1 مليون دولار من الهيئة. وتنقسم التكلفة الإجمالية للمشروع إلى ثلاثة أجزاء: 602 مليون دولار لتحديث الإشارات عبر استبدال الأنظمة اليدوية القديمة بأنظمة إشارات أوتوماتيكية متطورة، وأنظمة الارتباط الإلكتروني، وحماية المزلقانات؛ و54 مليون دولار لتعزيز القدرات الداخلية للهيئة في إدارة السلامة وتتبع الأصول وتدريب الموظفين؛ و24 مليون دولار للإصلاح المؤسسي، الذي يركز في الأساس على تحويل دعم الحكومة للهيئة من دعم غير مشروط إلى تمويل يعتمد على الأداء ويرتبط بتقديم الخدمات الفعلية.
الموقف الحالي بلغة الأرقام:
يتوقع مخطط الصرف الوارد في التقرير تسارعا كبيرا للاقتراب من صرف كامل التمويل بحلول نهاية العام المالي 2026-2027. ويتطلب هذا المسار إنفاق المبلغ المتبقي البالغ نحو 220 مليون دولار في غضون 13 شهرا، مقارنة بوتيرة سابقة شهدت صرف نحو 55 مليون دولار فقط خلال الاثني عشر شهرا الماضية. ويعزو التقرير جزءا من هذا التباطؤ إلى قطاع “القاهرة-بني سويف” تحديدا، إذ وصفه بأنه “متأخر كثيرا عن الجدول الزمني الأصلي”، وبأنه يمثل العمل الرئيسي المتبقي بالمسار، فضلا عن كونه القطاع الوحيد الذي يتولى مشروع تطوير وسلامة سكك حديد مصر تنفيذه من الصفر بدلا من استكماله.
ما الذي تظهره المؤشرات؟
المؤشرات التي لم تتغير:
يقيس المؤشر الرئيسي لنتائج المشروع الوفيات والإصابات الخطيرة المرجحة لكل مليار راكب/كيلومتر، وهو معيار أمان أوروبي مركب. ولا يزال هذا المعيار ثابتا عند خط الأساس المسجل عام 2020 البالغ 0.56، مقارنة بهدف يبلغ 0.44 بحلول مارس 2027.
كما استقر معدل رضا الركاب عن خدمات هيئة السكك الحديدية عند 60% وفقا لخط الأساس، بينما يستهدف المشروع الوصول به إلى 80% عند انتهائه. ويتتبع هذا المؤشر تقييمات الركاب لعدة عوامل مثل دقة المواعيد، وتوافر التكييف، والنظافة، وإتاحة التذاكر، وخدمة العملاء وأسلوب تعامل الموظفين، وجودة الرحلة الإجمالية، وذلك على مقياس من خمس نقاط، إذ لا يُحتسب ضمن الراضين سوى من يمنح تقييما بأربع أو خمس نقاط. كما يقيس أيضا نظرة الركاب للتحسينات في جودة المحطات. غير أن هذا القياس مشوب بتأخر هيكلي نظرا إلى أن استطلاعات آراء الركاب تُجرى سنويا وستتكرر في منتصف المدة وعند ختام المشروع، مما يعني أنها لا ترصد التغيرات الشهرية.
أما عن معدل تركيب أنظمة الإشارات المقاومة للتغيرات المناخية في القطاع الجديد (القاهرة-الجيزة-بني سويف)، فما زال عند مستوى الصفر من أصل 125 كيلومترا مستهدفة. كما لم يُنفذ أي من المزلقانات العشرة المستهدفة. كذلك لم يُفعل التحول نحو تمويل الهيئة بناء على الأداء — وهو الإصلاح المؤسسي الأساسي للمشروع — فقد صُنفت دفعة مرتبطة بالأداء بقيمة 29 مليون دولار على أنها “غير مستحقة”.
جوانب مضيئة:
نجح المشروع مبكرا في تحقيق هدفه المتمثل في رفع نسبة دقة مواعيد القطارات إلى 90%، صعودا من مستوى الأساس البالغ 75%. كما فاق التوجه نحو تعيين المزيد من النساء في الوظائف الهندسية بالهيئة هدفه المحدد؛ إذ عُينت 306 خريجات بحلول ديسمبر 2025، متجاوزا الهدف البالغ 240 خريجة. وتسير أعمال تشغيل أبراج الإشارات بانتظام تقريبا، مع إنجاز 51 برجا من أصل 70.
ماذا تقول الحكومة؟
صرح مسؤول حكومي لنشرة “إنتربرايز” الاقتصادية بأن أعمال تجديد خطوط السكك الحديدية تجري حاليا على امتداد نحو 107 كيلومترات بالتوازي مع مشاريع السلامة، مضيفا أن تحديث الإشارات يأتي ضمن حزمة أوسع تضم 21 مشروعا لتعزيز كفاءة وسلامة الشبكة. وأوضح المسؤول أن المشاريع الجديدة ستشهد استخدام نظام التحكم الآلي الأوروبي في القطارات (ETCS) بهدف رفع معايير السلامة وتقليل الاعتماد على العنصر البشري. وأكد المسؤول أن أعمال الإشارات وتجديد المسارات “تعمل بصورة متوازية، بما يضمن تحقيق استفادة أكبر من الاستثمارات الموجهة للمرفق، وتحسين معدلات انتظام القطارات وزيادة القدرة الاستيعابية للخطوط، إلى جانب الحد من مخاطر الحوادث ورفع مستوى الأمان للركاب والعاملين”.









