غير أن دولا أخرى ستكون مترددة في التعاون مع الولايات المتحدة؛ فقد حذرت الصين من أن العقوبات الجديدة تهدد بالإضرار بالنمو العالمي والاستقرار المالي، وتعهدت بحماية “حقوقها ومصالحها المشروعة”؛ وسبق للولايات المتحدة أن استهدفت شركات صينية ضالعة في تجارة النفط الإيراني؛ ففي أبريل، فرضت عقوبات على شركة “هنغليط، وهي شركة تكرير اتهمها مسؤولون أمريكيون بشراء نفط إيراني بمليارات الدولارات؛ لكن الإدارة قد تتردد في الذهاب أبعد من ذلك خشية الرد الصيني أو تقويض مساعي ترامب الدبلوماسية تجاه بكين؛ ويقول إسفنديار باتمانغليج، من مركز “بورصة وبازار” للأبحاث في لندن: «”إذا بدأت باستهداف الشركات الصينية، فإن الأمر لم يعد قضية إيرانية؛ بل يصبح مسألة تتعلق بسياستك تجاه الصين”؛ وحتى إذا رفع ترامب مستوى الضغط إلى أقصى حد، فقد لا يحصل على الاستجابة التي يريدها.
إعدام المتعاونين والنتائج العكسية
يدرك قادة إيران جيدا أن اقتصادهم يعاني؛ ففي 20 أغسطس، أقر محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان، بأن إيران “لن تصمد” من دون نمو اقتصادي؛ كما حث مسعود بزشكيان، الرئيس الإيراني، الولايات المتحدة على العودة إلى مذكرة التفاهم التي عرضتها في يونيو، والتي لم تضع إطارا لإنهاء القتال فحسب، بل وعدت أيضا بإعادة دمج إيران في الاقتصاد العالمي؛ ويقول باتمانغليج إن الإيرانيين، حسب ذا إيكونومست” لا يريدون أن ينتهوا في وضع يشبه كوريا الشمالية، “حيث يستمرون في تحمل تكاليف كبيرة لأن العقوبات تظل قائمة”؛ لكن، حتى مع إدراك النظام لكل ذلك، فإنه لا يزال عصيا على الانحناء؛ فمخاوف قاليباف بشأن الاقتصاد لم تمنعه من السخرية من الخطط الأمريكية عبر وسائل التواصل الاجتماعي؛ كما رفض محسن رضائي، مستشار الأمن القومي الإيراني، تهديد ترامب بالحرب الاقتصادية، واصفا إياه بأنه “دعاية”؛ وسأل، وليس من دون مبرر: “ماذا يريد أن يفعل ولم يفعله من قبل؟”، لقد بنت إيران شبكات شديدة التعقيد للتجارة والتمويل سيكون من الصعب على الولايات المتحدة مراقبتها وضبطها؛ وسيكون الخطر الأكبر على النظام هو أن تؤدي المزيد من المصاعب الاقتصادية إلى اندلاع احتجاجات شبيهة بتلك التي انفجرت في يناير.
لكن ذلك يبدو، في الوقت الراهن، غير مرجح؛ فقد لجأ النظام إلى إعدام عملاء وخونة علنا وصفته بعض الدوائر السياسية الأمريكية بأنه يهدف لقمع المعارضة في الداخل الإيراني؛ وقد يؤدي تحول الولايات المتحدة نحو الإكراه الاقتصادي إلى زيادة جرأة القادة الإيرانيين إذا اعتبروه دليلا على فشل الحملة العسكرية ضدهم؛ وقد يردون بشن هجمات جديدة على القواعد العسكرية ومنشآت الطاقة في أنحاء دول الخليج العربية؛ وقال رضائي إن أي دولة تتعاون مع الولايات المتحدة ستعامل باعتبارها «عدوا»، وقد تصبح هدفا للهجمات؛ وتتمتع إيران بنفوذ كبير على جيرانها، مثل العراق، الذي يشتري الغاز الإيراني ويستضيف عددا من الجماعات المسلحة الموالية لطهران؛ وهناك دائما مضيق هرمز؛ فقبل ساعات من إعلان بيسنت، هددت إيران بتغريم أو احتجاز نحو 50 سفينة في المضيق، متهمة إياها بانتهاك القواعد التي فرضتها للعبور.
قد تأمل إدارة ترامب أن يكون الوقت في صالحها؛ لكنها أخطأت من قبل في تقدير مدى استعداد النظام لتحمل الألم؛ ففي أبريل، توقع بيسنت أن يؤدي الحصار الأمريكي على هرمز إلى تدمير صناعة النفط الإيرانية بسرعة؛ لكن ذلك لم يحدث؛ وطالما ظلت إيران تمتلك القدرة على معاقبة خصومها، فمن غير المرجح أن تمتنع عن استخدامها؛ تبدو خطة الولايات المتحدة لخنق الاقتصاد الإيراني محاولة لتجنب جولة أخرى من القتال؛ لكنها قد تأتي بنتائج عكسية.
التحول الاستراتيجي الهادئ والنزعة الانعزالية
وبعد ستة أشهر من الحرب مع إيران، تكشف معاناة طاقم حاملة الطائرات “يو إس إس أبراهام لينكولن” واستنزاف القواعد والذخائر الأمريكية عن كلفة عسكرية قد تدفع واشنطن إلى إعادة صياغة وجودها في الشرق الأوسط لسنوات طويلة؛ ومن المقرر أن تكون الحاملة قد أمضت 295 يوماً متواصلاً في البحر عند وصولها إلى تايلاند، بعدما تعطلت قاعدة الدعم البحري الأمريكية في البحرين جراء الهجمات الإيرانية، ما أدى إلى إطالة خطوط الإمداد وتعقيد العمليات اللوجستية؛ ويقدّر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) الأضرار التي لحقت بـ 122 منشأة في 12 قاعدة أمريكية رئيسية في الخليج بما بين 4 و9 مليارات دولار، فيما طلبت وزارة الحرب 67.1 مليار دولار إضافية للحرب، بينها 21 ملياراً لتعويض الأسلحة المستهلكة؛ وشملت أبرز الأضرار قواعد عريفجان وبيورينغ وعلي السالم في الكويت، والظفرة في الإمارات، والعديد في قطر، والأمير سلطان في السعودية؛حسب التايمز البريطانية.
وخلص تحليل صور الأقمار الصناعية إلى أن معظم المنشآت المستهدفة أصبحت غير قابلة للاستخدام، وأن الضربات الإيرانية اتسمت بالدقة؛ كما خسرت الولايات المتحدة نحو 45 طائرة مسيرة من طراز MQ-9 Reaper، أي قرابة ربع أسطولها، نتيجة استهدافها داخل القواعد أو إسقاطها أثناء تنفيذ مهام استطلاعية؛ وأدى تعطيل البحرين إلى نقل مقر الأسطول الخامس مؤقتاً إلى تامبا في فلوريدا، وسط مؤشرات على احتمال بقائه هناك، فيما بات مستقبل القاعدة البحرينية نفسها محل تساؤل؛ وترجح “التايمز” أن تقود مراجعة البنتاغون إلى تقليص الوجود العسكري الأمريكي في الخليج وإعادة تشكيل قواعده، مدفوعة بالتحول الاستراتيجي نحو المحيط الهادئ، والنزعة الانعزالية داخل إدارة ترمب، إضافة إلى الحاجة لإبعاد القوات والمنشآت عن مدى المسيّرات الإيرانية؛ وترى مديرة مشروع التكامل في الشرق الأوسط بالمجلس الأطلسي، أليسون ماينور، أن الوجود الأمريكي في الخليج بعد خمس سنوات قد يبدو مختلفاً جذرياً، مع احتمال تقليص كبير للقوات وتغيير طبيعة القواعد، وإن كان الانسحاب الكامل من دول الخليج مستبعداً.
تدني مستويات تأييد ترامب
تراجع تأييد الرأي العام الأمريكي للحرب مع إيران إلى أدنى مستوياته منذ الأيام الأولى للصراع، ما ساهم في إبقاء شعبية الرئيس دونالد ترامب عند مستوى قياسي منخفض، وفقا لاستطلاع أجرته رويترز وانتهى يوم الاثنين؛ وأظهر الاستطلاع، الذي استمر أربعة أيام، أن 31% فقط من الأمريكيين يؤيدون العمل العسكري الأمريكي ضد إيران، انخفاضا من 37% في استطلاع رويترز/إبسوس في مارس، ومن 34% في وقت سابق من الشهر الجاري؛ وكان العامل الرئيسي وراء هذا التراجع انخفاض نسبة التأييد بين المشاركين الذين يعرفون أنفسهم بأنهم جمهوريون؛ إذ يؤيد نحو 69% من الجمهوريين الحرب حاليا، مقارنة بـ77% في مارس؛ وأثرت الحرب سلبا في مكانة ترامب لدى الرأي العام خلال العام الجاري؛ وللمرة الثانية على التوالي، قال 33% فقط من المشاركين إنهم يوافقون على أداء الرئيس الجمهوري في البيت الأبيض، وهي أدنى نسبة يسجلها ترامب في استطلاعات رويترز/إبسوس خلال ولايته الأولى أو الثانية.
وجد أحدث استطلاع لرويترز/إبسوس أن نحو 83% من الأمريكيين يعتقدون أن الحرب ستستمر “لفترة زمنية طويلة”، ارتفاعا من 80% في وقت سابق من الشهر الجاري؛ وفي مؤشر مهم على المزاج الانتخابي، أظهر الاستطلاع أن الناخبين المستقلين يفضلون الديمقراطيين على الجمهوريين بنسبة 33% مقابل 19%، عندما سئلوا عن الحزب الذي سيصوتون له في انتخابات الكونغرس لو أجريت الانتخابات اليوم؛ وشمل استطلاع رويترز/إبسوس 1,215 بالغا أمريكيا على مستوى البلاد، وبلغ هامش الخطأ نحو 3 نقاط مئوية صعودا أو هبوطا.
وإلى لقاء أخر باذن الله
الكاتب الصحفي والباحث في العلاقات السياسية الدولية









