لطالما تساءلت : كيف لستة عقود وثلاثة سنوات أن تمر بلمح البصر ؟
بالأمس كنت أسابق الريح ، واليوم أقف مذهولا أمام المرأة ، أبحث عن ذلك الشاب الذي يسكنني ، فلا أجد سوي ملامح تخبرني أن الوقت لا ينتظر أحد . أتذكر جيداً كيف كنت أنظر إلي كبار السن حين كنت شابا ، كنت أري في تجاعيد بشرتهم حكايات منسية ، وفي هدوئهم بطئا لا أفهمه . كنت أظن أن الكبر عالم بعيداً لا يمت لي بصلة ، مجرد فصل في كتاب لم أقرأه بعد . كنت أنظر إليهم بنظرة عطف ، دون أن أدرك أن ذلك الهدوء لم يكن تعبأ ، بل كان حصادا ، وأن تلك النظرة فى أعينهم هي خلاصة الحاضر التي أعيشها بكل تفاصيلها .
اليوم أنا أعيش الحكاية ، لم أعد بحاجة للتساؤل عن سر صمتهم أو عمق نظراتهم ، فقد أصبحت أنا الأجابة . أدركت أن العمر ليس مجرد أرقام تعد ، بل هو التحول من رؤية الأشياء إلي الشعور بها . الأن أعيش تلك الحقيقة التي كنت أجهلها ، أن الروح لا تشيخ ، لكنها تسكن جسدا يحمل أحداث السنين بكل فخر .
الأن حين أغمض عيني وأعود بالسنوات للوراء ، أعود لذلك الشاب الذي كان يظن أن العالم بستان لايذبل ولا ينتهي ، وان الوقت ملك يديه . أستحضر ضجيج الضحكات ، والمغامرات التي لم أحسب لها حسابا ، وعنفوان الأحلام التي كانت تطال السماء . كانت أقدامي لاتتعب وقلبي لايخاف من الغد . تلك الذكريات ليست مجرد ماضي ، بل هي الوقود الذي يمنح أيامي الحالية دافئاً خاصا .
بعد ثلاثة وستين عاماً ، أيقنت أن الحكمة لا تأتي من الكتب ، بل من كثرة التجارب ولحظات الإنكسار والنهوض مجدداً . تعلمت أن الوقت هو العملة الوحيدة التي لا يمكن أستردادها ، تعلمت أن السكينة الداخلية أثمن من كل صراعات الأنتصار الزائف . كما تعلمت أيضاً أن العلاقات الإنسانية الصادقة هي الأستثمار الوحيد الذي لا يخسر أبدا ، وأن الرضا ليس أستسلاما ، بل هو فهم أعمق بأن لكل مرحلة من العمر جمالها الخاص .
(بين الأمس واليوم 2)
بين الأمس واليوم تتبدل الأشياء ، وتتغير معانيها في قلوبنا وعقولنا.. نكبر لنكتشف أننا أصبحنا نختار بكامل إرادتنا ما كنا نقاومه ونحن صغار .
بالأمس كنت طفلاً أملأ الدنيا صراخاً وبكاء لكي يحضروا لي قطعة حلوى . كنت أقف أمام دكان الحي متسمر ، وأبكي بحرقة متوسلاً لوالدتي كي تشتري لي قطع الحلوى الملونة ، وأغضب إن رفضت .
اليوم بعد أن تخطيت الستين ، أصبحت أبتعد عن الحلويات بكامل إرادتي ورضاي ، ليس جفاء لها ، بل حماية لجسد أرهقته السنوات .
اليوم أقف أمام المائدة الممتلئة بأشهى الحلويات في المناسبات ، فأبتسم برضا وأكتفي بتمريرها لأحفادي دون أن تشتهي نفسي قطعة واحدة منها .
بالأمس كان يسكنني شغف عارم بالسهر ومشاركة الكبار سهراتهم ، وكان الأهل يمنعونني وأذهب إلى فراشي مغصوبا والدموع في عيني .
كنت أضع رأسي على الوسادة متظاهراً بالنوم ، وأتلصص عبر باب الغرفة لأراقب الأضواء وأستمع لأحاديث الكبار متمنياً لو كنت جالس معهم . اليوم لم أعد أستطيع السهر ، صرت أبحث عن الهدوء ، اليوم في أوج سهرات العائلة وضجيج الجلسات ، أستأذن بكل إنسجام وأتسلل إلى غرفتي الهادئة ، مغلقا الباب بحثاً عن راحة بال ، أتمنى لو يطفئ الجميع الأضواء لأحظى بساعة نوم هادئة .
بالأمس كنت أتوسل لأهلي كي يصطحبوني معهم عند خروجهم ، وأبكي إن تركواني في البيت ،
وكنت أركض خلف سيارة والدي وهي تتحرك ، وأرتدي حذائي على عجل باكياً لكي أرافقه في أي مشوار ، حتى لو كان للتسوق السريع .
اليوم صرت أهرب من فكرة الخروج والزحام ، وأفضل البقاء في أركان منزلي الهادئ بعيداً عن ضوضاء العالم . أعتذر بكل لطف عندما يعرض علي أبنائي الخروج للتنزه ، وأفضل الجلوس في شرفتي مع كوب شاي دافئ ، متأقلما مع سكينة بيتي ، وأجد أنسي في سكني وصمتي .
بالأمس كان يوم العطلة يعني الخروج للشارع والركض بلا تعب تحت الشمس أو المطر . اليوم يوم العطلة الأجمل هو الذي لا أفتح فيه باب البيت إلا لإستقبال هدوء الصباح ، أو الوقوف خلف زجاج النافذة لأشاهد روعة قطرات المطر وهي تتساقط ، وبيدي كوب به مشروبي الساخن المفضل .
بالأمس كنت أتهرب من أخذ الدواء ، وكانت “الحقنة” كابوساً أواجهه بالخوف والشكوى ، موهوما بأن الشباب والصحة يدومان للأبد .
كان والدي يطاردني بالملعقة لأشرب جرعة السعال ، وكنت أتحين الفرصة لسكب الدواء من فمي فى أي ركن خفي حتي لا أبتلعه .
أما اليوم أصبحت أتناول الدواء وأستقبل العلاج بكامل إرادتي ، وأواظب على مواعيده بدقة شديدة . أضع علبة المنظم الصغير للأدوية بجوار فراشي ، وأضبط منبه الهاتف لأتناول حبوبي في أوقاتها تماماً ، وينتابني القلق إن أوشك أحدها على النفاد .
بالأمس فى مرحلة الشباب ، كنت أبحث عن الكثرة ، وأحرص على توسيع دائرة المعارف ، وأنزعج إن خلت سهرتي من الجمع الغفير ،
كنت أقضي العطلة في ترتيب لقاءات تجمع عشرات الأصدقاء والأقارب ، وأشعر بالضيق إذا ألغي أحدهم حضوره . أصبحت اليوم أكتفي بحديث تلفوني دافئ مع صديق قديم واحد ، أو جلسة صامتة مع رفيق عمر ، وأجد في ذلك كفاية تغنيني عن كل الجمع ، اليوم أدركت أن العبرة بالعمق لا بالعدد ، وصرت يستهويني صغر الدائرة وإختصار المعارف .
بالأمس كنت أستعجل الأيام كي أكبر وأصبح حراً ، أتصرف كما يروق لي دون قيود ، بالأمس كنت أقف أمام المرآة وأحاول إظهار علامات الرجولة أو إرتداء ملابس الكبار لكي أصل سريعاً لمرحلة “أن أكون المسؤول” .
اليوم أتأمل حذاء طفل صغير في الشارع ، وأتمنى لو أعود لساعة واحدة إلى ذلك الزمن الذي كان فيه أقصى همي لعبة مكسورة ، وكان غيري هو من يحمل عني ثقل القرارات والمسؤوليات . اليوم أكتشفت أن الحرية الحقيقية كانت في الطفولة ، وأتمنى لو تعود السنوات قليلاً للوراء .
إنها فلسفة العمر الحقيقية ، لم أفقد الشغف ، بل أبدلت الشغف الخارجي بسلام داخلي ، وعرفت أخيراً أن الحكمة ليست في أن أمتلك كل شيء ، بل في أن أستغني برضا عن كل ما لا ينفعني .
(بين الأمس واليوم 3)
بين الأمس واليوم ، تبدو الحياة وكأنها أعادت ترتيب أولوياتها لتهديني أجمل أوقاتي وأثمنها . نكبر لنكتشف أن الثمار لا تحلو إلا حين يهدأ الركض ، وأن الحضور الحقيقي يبدأ عندما نتوقف عن ملاحقة الزمن ، لنعيش كل لحظة فيه بملء جوارحنا .
بالأمس ، كان المنبه هو المتحكم الفعلي ليومي ، وكانت المواعيد ، وساعات العمل الطويلة ، والمسؤوليات الضاغطة تسرق مني أثمن اللحظات . كنت أركض في سباق لا ينتهي لأبني الغد وأؤمنه ، أعود في نهاية اليوم مجهداً لأرى أطفالي ينمون في صمت ، وأتمنى لو أن في اليوم ساعات أطول لأمنحهم إياها . كنت أحمل هموم الغد ، وخوفي من المستقبل ، وأفرط دون قصد في سحر “الآن”.
اليوم ، وبعد بلوغي سن المعاش ، أدركت أن التقاعد لم يكن بداية خط النهاية كما يظن البعض ، بل كان بوابة الدخول إلى الحرية الحقيقية وإكتساب الوقت . اليوم أستيقظ بلا عجلة ، بلا صراخ المنبهات ، أستقبل الصباح ببطء جميل ، وأشعر لأول مرة بأني أنا من أملك يومي ، وليس العكس .
بالأمس ، كانت جلساتي مع رفيقة عمري ، شريكة الدرب وأم أبنائي ، خاطفة بين أعباء الحياة ، نتبادل فيها تفاصيل المسؤوليات وواجبات البيت على عجالة .
اليوم ، نجلس معاً في هدوء الصباح ، نتناول كوب الشاي الدافئ الممزوج بالحليب ومعه قطعة الكيك ، نتحدث في كل شيء وفي لا شيء ، نتأمل رحلتنا الطويلة بإبتسامة أمتنان شافية ، وأرى في عينيها أمان الدنيا . أعيد إكتشاف الدفء في حديثنا ، وصرت أجد في وجودها الهادئ بجواري أعمق أشكال السكينة والراحة النفسية . أستمتع بلمسة يديها وهي تقدم لي قهوتي في الخامسة مساءً ، ونظراتنا التي تختصر عقوداً من الوفاء والمودة ، لم تعد تجمعنا الأحلام الصبيانية ، بل تجمعنا “عشرة العمر” وحصاد السنوات ، وذاكرة مشتركة مملوءة بالدفء والرضا ، وراحة البال التي لا تقدر بثمن .
بالأمس ، كنت أتساءل بحسرة كيف كبر أبنائي بتلك السرعة دون أن أملأ عيني من طفولتهم كما ينبغي .
اليوم ، يعود الأبناء إلي بعد أن أصبح لكل منهم بيته وحياته الخاصة المنفصلة المتصلة ، ليس فقط كأبناء ، بل كأصدقاء ناضجين ، يجلسون بجواري يفصحون عن أمور حياتهم ، ويفتحون لي قلوبهم بحثاً عن رأيي وحكمتي في شؤونهم وشؤون أبنائهم . أستمتع بتلك اللحظات التي يطلبون فيها مشورتي ، أراقب في وجوههم بذور تربيتي القديمة وقد أثمرت ، وأشعر ببهجة وفخر لا يقاس وأنا أرى كلماتي تمنحهم الأمان وتضيء لهم الطريق .
وفي الوقت نفسه ، أقف متأملاً أمام أبني الذي شارف على الثلاثين وما زال يشاركنا السقف ذاته يضيء البيت بوجوده ولكنه لم يخط بعد خطوة التأسيس لبيته المستقل . ورغم ما بيننا من إختلاف في بعض وجهات النظر في بعض الأمور التي تتجدد مع تجدد الأجيال ، وقلما نتفق في تفاصيل صغار الأمور ، إلا أن قلبي يظل معلقاً به ، ينبض بقلقه ورجائه . أجدني أفكر في مستقبله ومشواره بحنان لا ينقطع ، متمنياً لو كان بيدي أن أأخذ بيده وأعبر به إلى بر الأمان . أستشعر قسوة الحياة وظروف هذا الجيل التي أصبحت أكثر مشقة وتحدياً ، وأشفق عليه وعلى من هم في عمره ، فأدعو الله أن يمهد له الطريق ، ويفتح له أبواب الخير ، ليجد إستقراره وسكينته كما تمناها له قلبي دائماً .
أما أحفادي ، فهم بهجة أيامي ونبض عمري ، ثلاثة فرسان صغار ، عندما يأتون أراهم يملؤون البيت حركة وشغفاً .
الصغير (ذو الثلاث سنوات) ، أداعبه بالضم واللعب بالإستخفاء (غميضة الوجه) ، وأبني معه أبراج المكعبات التي تستغرق وقتاً ليقوم بهدمها ضاحكاً .
الأوسط (ذو الخمس سنوات) ، يناديني لنركب قطار الألعاب ، أويطلب مني أن نلعب بالسيارات الصغيرة سباقا ممتعاً ، وربما نتشارك في تلوين الرسومات .
الأكبر (ذو السبع سنوات) ، يأتي حاملاً الشطرنج لأعلمه ، أو يقوم هو بتعليمي البلاي ستيشن ، وأحياناً نذهب في خلسة لتبادل شوت الكرة ونحطم ما نحطمه .
وأحياناً يأتون الثلاثه وأنا مستلقي علي السرير فيستلقي أحدهم علي يميني والأخر علي يساري أما الصغير فوضعه المفضل علي صدري ، ليستمتعوا بشغف لقصصي وأنا أرويها لهم .
أعيد مع هؤلاء الفرسان الصغار إكتشاف طفولتي بلا قيود ولا رسميات ، أمنحهم الوقت الذي حرمتني الحياة من منحه لأبنائي ، وأجد في ضحكاتهم طاقة حيوية تجدد شباب الروح .
ومع كل هذه البهجة التي يمنحها لي فرساني الثلاثة ، يظل في القلب متسع لشغف خاص أرجوه من الله وأنتظره بلهفة ، أدعوه أن يرزقني برؤية “حفيدتي الأولى” ، تلك الفتاة التي أشعر في أعماقي أن إحساسي بها سيكون مختلفاً تماماً ، إحساساً يفيض برقة ولطف خاصين ، لتكتمل بهما لوحة حناني وبهجتي ، وأستقبل معها فصلاً جديداً من الدفء والجمال .
بالأمس ، كنت أظن أن قيمة المرء في مدى ما يحققه من إنجازات ونجاحات في عمله .
اليوم ، أدركت أن أعظم إنجاز وأكبر نجاح هو “أن تكون حاضراً” ، أن تهب وقتك وحنانك وصفاء ذهنك لمن تحب .
إنها الحقبة الذهبية من عمري ، أعيشها اليوم بكل إمتنان ، ورضا ، ودفء . لم أعد أبحث عن إنتصارات جديدة ونجاحات أضيفها لسيرتي ، فقد أصبحت عائلتي وسكينتي الداخلية هما التتويج الأجمل لكل ما مضى من سنين .
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة