د. سامح صابر يكتب .. بين الأمس واليوم 1


لطالما تساءلت : كيف لستة عقود وثلاثة سنوات أن تمر بلمح البصر ؟
بالأمس كنت أسابق الريح ، واليوم أقف مذهولا أمام المرأة ، أبحث عن ذلك الشاب الذي يسكنني ، فلا أجد سوي ملامح تخبرني أن الوقت لا ينتظر أحد . أتذكر جيداً كيف كنت أنظر إلي كبار السن حين كنت شابا ، كنت أري في تجاعيد بشرتهم حكايات منسية ، وفي هدوئهم بطئا لا أفهمه . كنت أظن أن الكبر عالم بعيداً لا يمت لي بصلة ، مجرد فصل في كتاب لم أقرأه بعد . كنت أنظر إليهم بنظرة عطف ، دون أن أدرك أن ذلك الهدوء لم يكن تعبأ ، بل كان حصادا ، وأن تلك النظرة فى أعينهم هي خلاصة الحاضر التي أعيشها بكل تفاصيلها .
اليوم أنا أعيش الحكاية ، لم أعد بحاجة للتساؤل عن سر صمتهم أو عمق نظراتهم ، فقد أصبحت أنا الأجابة . أدركت أن العمر ليس مجرد أرقام تعد ، بل هو التحول من رؤية الأشياء إلي الشعور بها . الأن أعيش تلك الحقيقة التي كنت أجهلها ، أن الروح لا تشيخ ، لكنها تسكن جسدا يحمل أحداث السنين بكل فخر .
الأن حين أغمض عيني وأعود بالسنوات للوراء ، أعود لذلك الشاب الذي كان يظن أن العالم بستان لايذبل ولا ينتهي ، وان الوقت ملك يديه . أستحضر ضجيج الضحكات ، والمغامرات التي لم أحسب لها حسابا ، وعنفوان الأحلام التي كانت تطال السماء . كانت أقدامي لاتتعب وقلبي لايخاف من الغد . تلك الذكريات ليست مجرد ماضي ، بل هي الوقود الذي يمنح أيامي الحالية دافئاً خاصا .
      بعد ثلاثة وستين عاماً ، أيقنت أن الحكمة لا تأتي من الكتب ، بل من كثرة التجارب ولحظات الإنكسار والنهوض مجدداً . تعلمت أن الوقت هو العملة الوحيدة التي لا يمكن أستردادها ، تعلمت أن السكينة الداخلية أثمن من كل صراعات الأنتصار الزائف . كما تعلمت أيضاً أن العلاقات الإنسانية الصادقة هي الأستثمار الوحيد الذي لا يخسر أبدا ، وأن الرضا ليس أستسلاما ، بل هو فهم أعمق بأن لكل مرحلة من العمر جمالها الخاص .
​(بين الأمس واليوم 2)
​بين الأمس واليوم تتبدل الأشياء ، وتتغير معانيها في قلوبنا وعقولنا.. نكبر لنكتشف أننا أصبحنا نختار بكامل إرادتنا ما كنا نقاومه ونحن صغار .
​بالأمس كنت طفلاً أملأ الدنيا صراخاً وبكاء لكي يحضروا لي قطعة حلوى . كنت أقف أمام دكان الحي متسمر ، وأبكي بحرقة متوسلاً لوالدتي كي تشتري لي قطع الحلوى الملونة ، وأغضب إن رفضت .
​اليوم بعد أن تخطيت الستين ، أصبحت أبتعد عن الحلويات بكامل إرادتي ورضاي ، ليس جفاء لها ، بل حماية لجسد أرهقته السنوات .
​​اليوم أقف أمام المائدة الممتلئة بأشهى الحلويات في المناسبات ، فأبتسم برضا وأكتفي بتمريرها لأحفادي دون أن تشتهي نفسي قطعة واحدة منها .
​ب​الأمس كان يسكنني شغف عارم بالسهر ومشاركة الكبار سهراتهم ، وكان الأهل يمنعونني وأذهب إلى فراشي مغصوبا والدموع في عيني .
كنت أضع رأسي على الوسادة متظاهراً بالنوم ، وأتلصص عبر باب الغرفة لأراقب الأضواء وأستمع لأحاديث الكبار متمنياً لو كنت جالس معهم . ​اليوم لم أعد أستطيع السهر ، صرت أبحث عن الهدوء ، ​​اليوم في أوج سهرات العائلة وضجيج الجلسات ، أستأذن بكل إنسجام وأتسلل إلى غرفتي الهادئة ، مغلقا الباب بحثاً عن راحة بال ، أتمنى لو يطفئ الجميع الأضواء لأحظى بساعة نوم هادئة .
​​بالأمس كنت أتوسل لأهلي كي يصطحبوني معهم عند خروجهم ، وأبكي إن تركواني في البيت ،
وكنت أركض خلف سيارة والدي وهي تتحرك ، وأرتدي حذائي على عجل باكياً لكي أرافقه في أي مشوار ، حتى لو كان للتسوق السريع .
​ ​اليوم صرت أهرب من فكرة الخروج والزحام ، وأفضل البقاء في أركان منزلي الهادئ بعيداً عن ضوضاء العالم . ​أعتذر بكل لطف عندما يعرض علي أبنائي ​الخروج للتنزه ، وأفضل الجلوس في شرفتي مع كوب شاي دافئ ، متأقلما مع سكينة بيتي ، وأجد أنسي في سكني وصمتي .
​ بالأمس كان يوم العطلة يعني الخروج للشارع والركض بلا تعب تحت الشمس أو المطر . اليوم يوم العطلة الأجمل هو الذي لا أفتح فيه باب البيت إلا لإستقبال هدوء الصباح ، أو الوقوف خلف زجاج النافذة لأشاهد روعة قطرات المطر وهي تتساقط ، وبيدي كوب به مشروبي الساخن المفضل .
​بالأمس كنت أتهرب من أخذ الدواء ، وكانت “الحقنة” كابوساً أواجهه بالخوف والشكوى ، موهوما بأن الشباب والصحة يدومان للأبد .
​ كان والدي يطاردني بالملعقة لأشرب جرعة السعال ، وكنت أتحين الفرصة لسكب الدواء من فمي فى أي ركن خفي حتي لا أبتلعه .
أما ​اليوم أصبحت أتناول الدواء وأستقبل العلاج بكامل إرادتي ، وأواظب على مواعيده بدقة شديدة . أضع علبة المنظم الصغير للأدوية بجوار فراشي ، وأضبط منبه الهاتف لأتناول حبوبي في أوقاتها تماماً ، وينتابني القلق إن أوشك أحدها على النفاد .
​بالأمس فى مرحلة الشباب ، كنت أبحث عن الكثرة ، وأحرص على توسيع دائرة المعارف ، وأنزعج إن خلت سهرتي من الجمع الغفير ،
​ كنت أقضي العطلة في ترتيب لقاءات تجمع عشرات الأصدقاء والأقارب ، وأشعر بالضيق إذا ألغي أحدهم حضوره . أصبحت اليوم أكتفي بحديث تلفوني دافئ مع صديق قديم واحد ، أو جلسة صامتة مع رفيق عمر ، وأجد في ذلك كفاية تغنيني عن كل الجمع ، ​اليوم أدركت أن العبرة بالعمق لا بالعدد ، وصرت يستهويني صغر الدائرة وإختصار المعارف .
​​بالأمس كنت أستعجل الأيام كي أكبر وأصبح حراً ، أتصرف كما يروق لي دون قيود ، بالأمس كنت أقف أمام المرآة وأحاول إظهار علامات الرجولة أو إرتداء ملابس الكبار لكي أصل سريعاً لمرحلة “أن أكون المسؤول” .
اليوم أتأمل حذاء طفل صغير في الشارع ، وأتمنى لو أعود لساعة واحدة إلى ذلك الزمن الذي كان فيه أقصى همي لعبة مكسورة ، وكان غيري هو من يحمل عني ثقل القرارات والمسؤوليات . ​اليوم أكتشفت أن الحرية الحقيقية كانت في الطفولة ، وأتمنى لو تعود السنوات قليلاً للوراء .
​​إنها فلسفة العمر الحقيقية ، لم أفقد الشغف ، بل أبدلت الشغف الخارجي بسلام داخلي ، وعرفت أخيراً أن الحكمة ليست في أن أمتلك كل شيء ، بل في أن أستغني برضا عن كل ما لا ينفعني .
(​بين الأمس واليوم 3)
​بين الأمس واليوم ، تبدو الحياة وكأنها أعادت ترتيب أولوياتها لتهديني أجمل أوقاتي وأثمنها . نكبر لنكتشف أن الثمار لا تحلو إلا حين يهدأ الركض ، وأن الحضور الحقيقي يبدأ عندما نتوقف عن ملاحقة الزمن ، لنعيش كل لحظة فيه بملء جوارحنا .
​بالأمس ، كان المنبه هو المتحكم الفعلي ليومي ، وكانت المواعيد ، وساعات العمل الطويلة ، والمسؤوليات الضاغطة تسرق مني أثمن اللحظات . كنت أركض في سباق لا ينتهي لأبني الغد وأؤمنه ، أعود في نهاية اليوم مجهداً لأرى أطفالي ينمون في صمت ، وأتمنى لو أن في اليوم ساعات أطول لأمنحهم إياها . كنت أحمل هموم الغد ، وخوفي من المستقبل ، وأفرط دون قصد في سحر “الآن”.
​اليوم ، وبعد بلوغي سن المعاش ، أدركت أن التقاعد لم يكن بداية خط النهاية كما يظن البعض ، بل كان بوابة الدخول إلى الحرية الحقيقية وإكتساب الوقت . اليوم أستيقظ بلا عجلة ، بلا صراخ المنبهات ، أستقبل الصباح ببطء جميل ، وأشعر لأول مرة بأني أنا من أملك يومي ، وليس العكس .
​بالأمس ، كانت جلساتي مع رفيقة عمري ، شريكة الدرب وأم أبنائي ، خاطفة بين أعباء الحياة ، نتبادل فيها تفاصيل المسؤوليات وواجبات البيت على عجالة .
​اليوم ، نجلس معاً في هدوء الصباح ، نتناول كوب الشاي الدافئ الممزوج بالحليب ومعه قطعة الكيك ، نتحدث في كل شيء وفي لا شيء ، نتأمل رحلتنا الطويلة بإبتسامة أمتنان شافية ، وأرى في عينيها أمان الدنيا . أعيد إكتشاف الدفء في حديثنا ، وصرت أجد في وجودها الهادئ بجواري أعمق أشكال السكينة والراحة النفسية . أستمتع بلمسة يديها وهي تقدم لي قهوتي في الخامسة مساءً ، ونظراتنا التي تختصر عقوداً من الوفاء والمودة ، لم تعد تجمعنا الأحلام الصبيانية ، بل تجمعنا “عشرة العمر” وحصاد السنوات ، وذاكرة مشتركة مملوءة بالدفء والرضا ، وراحة البال التي لا تقدر بثمن .
​بالأمس ، كنت أتساءل بحسرة كيف كبر أبنائي بتلك السرعة دون أن أملأ عيني من طفولتهم كما ينبغي .
​اليوم ، يعود الأبناء إلي بعد أن أصبح لكل منهم بيته وحياته الخاصة المنفصلة المتصلة ، ليس فقط كأبناء ، بل كأصدقاء ناضجين ، يجلسون بجواري يفصحون عن أمور حياتهم ، ويفتحون لي قلوبهم بحثاً عن رأيي وحكمتي في شؤونهم وشؤون أبنائهم . أستمتع بتلك اللحظات التي يطلبون فيها مشورتي ، أراقب في وجوههم بذور تربيتي القديمة وقد أثمرت ، وأشعر ببهجة وفخر لا يقاس وأنا أرى كلماتي تمنحهم الأمان وتضيء لهم الطريق .
​وفي الوقت نفسه ، أقف متأملاً أمام أبني الذي شارف على الثلاثين وما زال يشاركنا السقف ذاته  يضيء البيت بوجوده ولكنه لم يخط بعد خطوة التأسيس لبيته المستقل . ورغم ما بيننا من إختلاف في بعض وجهات النظر في بعض الأمور التي تتجدد مع تجدد الأجيال ، وقلما نتفق في تفاصيل صغار الأمور ، إلا أن قلبي يظل معلقاً به ، ينبض بقلقه ورجائه . أجدني أفكر في مستقبله ومشواره بحنان لا ينقطع ، متمنياً لو كان بيدي أن أأخذ بيده وأعبر به إلى بر الأمان . أستشعر قسوة الحياة وظروف هذا الجيل التي أصبحت أكثر مشقة وتحدياً ، وأشفق عليه وعلى من هم في عمره ، فأدعو الله أن يمهد له الطريق ، ويفتح له أبواب الخير ، ليجد إستقراره وسكينته كما تمناها له قلبي دائماً .
​أما أحفادي ، فهم بهجة أيامي ونبض عمري ، ثلاثة فرسان صغار ، عندما يأتون أراهم يملؤون البيت حركة وشغفاً .
​الصغير (ذو الثلاث سنوات) ، أداعبه بالضم واللعب بالإستخفاء (غميضة الوجه) ، وأبني معه أبراج المكعبات التي تستغرق وقتاً ليقوم بهدمها ضاحكاً .
​الأوسط (ذو الخمس سنوات) ، يناديني لنركب قطار الألعاب ، أويطلب مني أن نلعب بالسيارات الصغيرة سباقا ممتعاً ، وربما نتشارك في تلوين الرسومات .
​الأكبر (ذو السبع سنوات) ، يأتي حاملاً الشطرنج لأعلمه ، أو يقوم هو بتعليمي البلاي ستيشن ، وأحياناً نذهب في خلسة لتبادل شوت الكرة ونحطم ما نحطمه .
وأحياناً يأتون الثلاثه وأنا مستلقي علي السرير فيستلقي أحدهم علي يميني والأخر علي يساري أما الصغير فوضعه المفضل علي صدري ،   ليستمتعوا بشغف لقصصي وأنا أرويها لهم .
​أعيد مع هؤلاء الفرسان الصغار إكتشاف طفولتي بلا قيود ولا رسميات ، أمنحهم الوقت الذي حرمتني الحياة من منحه لأبنائي ، وأجد في ضحكاتهم طاقة حيوية تجدد شباب الروح .
​ومع كل هذه البهجة التي يمنحها لي فرساني الثلاثة ، يظل في القلب متسع لشغف خاص أرجوه من الله وأنتظره بلهفة ، أدعوه أن يرزقني برؤية “حفيدتي الأولى” ، تلك الفتاة التي أشعر في أعماقي أن إحساسي بها سيكون مختلفاً تماماً ، إحساساً يفيض برقة ولطف خاصين ، لتكتمل بهما لوحة حناني وبهجتي ، وأستقبل معها فصلاً جديداً من الدفء والجمال .
​بالأمس ، كنت أظن أن قيمة المرء في مدى ما يحققه من إنجازات ونجاحات في عمله .
اليوم ، أدركت أن أعظم إنجاز وأكبر نجاح هو “أن تكون حاضراً” ، أن تهب وقتك وحنانك  وصفاء ذهنك لمن تحب .
​إنها الحقبة الذهبية من عمري ، أعيشها اليوم بكل إمتنان ، ورضا ، ودفء . لم أعد أبحث عن إنتصارات جديدة ونجاحات أضيفها لسيرتي ، فقد أصبحت عائلتي وسكينتي الداخلية هما التتويج الأجمل لكل ما مضى من سنين .

شاهد أيضاً

الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة يلتقي أمين لجنة التعليم ببلدية بكين لبحث تعزيز التعاون الثقافي المصري الصيني

كتب عادل يحيى التقى الأستاذ الدكتور أشرف العزازي، الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة، السيد يو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *