تظل الدراما التلفزيونية أحد أهم أسلحة القوة الناعمة التي خاضت بها مصر معاركها الفكرية والثقافية على مدار العقود الماضية. ولم تكن الشاشة الصغيرة يوماً مجرد نافذة للترفيه القاطع للوقت ، بل كانت المدرسة الأولي ، والمعلم الأخلاقي ، والمرآة الأمينة التي ينعكس عليها نبض الشارع المصري وتقاليده الأصيلة . غير أن المتابع للإنتاج الدرامي الراهن ، ولاسيما في المواسم الرمضانية التي تفقد حُرمتها الفنية عاماً بعد عام ، يدرك حجم الفاجعة التي حلت بهذا الفن ، إذ نشهد انحرافاً حاداً عن الواقع الاجتماعي ، وتغريباً ممنهجاً للقيم ، وتجريفاً شاملاً للهوية المصرية والعربية ، بين جهل بصنعة الفن أو ترصد يتخفى تحت شعارات “التحديث” و”التشويق”و”المعاصرة”.
حين صاغ الفن وجدان الأمة ، نحن أبناء أجيال نشأت وتغذت فكرياً على دراما الستينيات والسبعينيات والثمانينيات ، يوم كان المسلسل يجمع الأسرة العربية من الخليج إلى المحيط حول قيم النخوة ، الشهامة ، بر الوالدين ، أحترام الكبير ، والتكافل الاجتماعي . لقد أسست تلك العقود لمعادلة فنية راقية جعلت من المسلسل التلفزيوني وثيقة اجتماعية وتاريخية .
في ستينيات التأسيس ، انطلقت الدراما من رحم الأدب والواقع ، بمسلسلات كشف فيها الكاتب عبد المنعم الصاوي عن عمق الريف والمجتمع في “الضحية” (1964) ضمن ثلاثيته الشهيرة (الرحيل والساقية) ، وارتقت بالحبكة البوليسية الأخلاقية في “القط الأسود” (1964) لـ عمر الحريري وتوفيق الدقن ، وعالجت الصراعات الإنسانية في “العسل المر” (1966) و”بحر الغضب” (1968) ، وغاصت في قضايا السياسة والمجتمع عبر “السمان والخريف” (1967) لأديب نوبل نجيب محفوظ ، والتشويق الشعبي في “الرقم المجهول” (1969) .
وفي سبعينيات النضج ، ارتقى البناء الدرامي ليعالج أزمات التغير الاجتماعي ، فاشهدنا تجربة المخرج محمد فاضل الجريئة في “القاهرة والناس” (1972) لتفكيك مشكلات الشباب والأسرة ، ومواجهة أزمات الإدمان والتفكك النفسي في “الدوامة” (1973) ، وطرح الفكر والخيال العلمي في “العنكبوت” (1973) لـ د. مصطفى محمود ، وترسيخ العلاقات الأسرية ومفهوم الأبوة في “أبنائي الأعزاء… شكراً” (1979) للراحل عبد المنعم مدبولي ، فضلاً عن نقد تحولات المجتمع في “أحلام الفتى الطائر” (1978) لـ وحيد حامد وعادل إمام ، وكواليس السلطة والصحافة في “زينب والعرش” (1979)، ومظاهر الكوميديا الاجتماعية التي جمعت الشعوب العربية كـ “درب الزلق” (1977) ،
وهو أحد أشهر وأبرز المسلسلات الكوميدية في تاريخ الدراما الكويتية والخليجية ، ويُعتبر علامة فارقة وأيقونة من الكلاسيكيات التي أسست للكوميديا التلفزيونية في المنطقة ، إخراج حمدي فريد ، وتأليف عبد الأمير التركي وعبد الحسين عبد الرضا .
و”برج الحظ” (1978) ، أحد أشهر المسلسلات الكوميدية الاجتماعية في تاريخ الدراما المصرية ، واشتهر جماهيريًا باسم “شرارة” نسبة إلى اسم الشخصية الرئيسية التي جسدها الفنان الراحل محمد عوض .
أما في ثمانينيات العصر الذهبي ، اكتملت الملاحم الكبرى التي صنعت هويتنا الثقافية ، فكتب أسامة أنور عكاشة تاريخ مصر الحديث في “ليالي الحلمية”، الجزء الأول (1987)
الجزء الثاني (1989) ، الجزء الثالث (1990)
الجزء الرابع (1992) ، الجزء الخامس (1995)
الجزء السادس (2016) .
ورصد التغيرات الطبقية العاصفة في “الشهد والدموع”، الجزء الأول (1983) ، الجزء الثاني (1985) ، إخراج إبراهيم الشقنقيري .
وحذر من تغول رأس المال على القيم في “الراية البيضاء” (1988) إخراج محمد فاضل ، فيما رسخ “رأفت الهجان” الانتماء والوطنية الشديدة ،
الجزء الأول (1988) ، الجزء الثاني (1990) ،
الجزء الثالث(1991) ، تأليف الكاتب صالح مرسي ، وإخراج يحيى العلمي ، وبطولة الفنان محمود عبد العزيز .
وجاء “حكايات هو وهي” ليحي العلمي ، ليقدم بساطة الفن الاستعراضي الاجتماعي الناقد ، للكاتبة سناء البيسي ، وسيناريو وحوار وأغاني الشاعر صلاح جاهين .
أين نحن اليوم من هذا الإرث العظيم؟ إن ما يقدم للجيل الجديد عبر الشاشات اليوم لا يمت لواقعنا بصلة ، بل يمثل تشويهاً مسخاً للشارع المصري والعربي . لقد استُبدل الكاتب المفكر بـ “ورش كتابة” تفتقر إلى النضج الثقافي ، واستُبدلت القضية الاجتماعية بعروض البلطجة ، مشاهد القتل المجاني ، استعراض الأسلحة الثقيلة ، التفجيرات ، والمظاهر الخرافية للثراء المشبوه أو العشوائية المبتذلة .
إن تصوير المجتمعات العربية وكأنها حلبات مصارعة مفتوحة ، يتميز فيها البطل الخارق بخرق القانون وأخذ الحق باليد وإرهاب الآمنين ، هو ترويج خطير لقيم “الغاب”. هذه الأعمال تعيد تشكيل وعي الشباب والأطفال ، فتبث في نفوسهم أن القوة الشرسة هي المعيار ، وأن التسامح والتعليم والعمل الجاد ليست إلا مظاهر ضعف .
إن الخطر الأكبر لهذه الأعمال الدرامية لا يقف عند حدود التلوث البصري والسمعي ، بل يمتد ليمس السلم الاجتماعي والأمن القومي الثقافي ،
طمس الهوية وترسيخ النماذج الهجينة ، تحويل الشخصية المصرية السامحة الساخرة ذات الأصول العريقة إلى شخصية عدوانية متبلدة المشاعر تفتقد للنخوة والروابط الأسرية .
فتفكيك الأسرة العربية من خلال إبراز الخيانات الأسرية ، عقوق الأبناء ، وصراعات المادة كعناصر رئيسية في كل حبكة درامية ، مما ينسف مفهوماً متكاملاً لبناء الأسرة والمودة .
إعطاء المراهقين والشباب نماذج “أبطال” من البلطجية وتجار المخدرات ورجال العصابات ، وإظهارهم بمظهر المسيطر والمنتصر ، كل ذلك يؤدى إلى التشجيع على الجريمة .
وفي ظل هذا التدهور ، يتجلى الغياب التام والمريب لدور الدولة ، إذ تخلت المؤسسات الإنتاجية الرسمية والتلفزيون الوطني عن دورهم التاريخي في التوجيه وصناعة الفن التنويري ، وتُركت الساحة بالكامل لشركات إنتاج تجارية لا يعنيها سوى جمع الإعلانات ونسب المشاهدة (التريند) بغض النظر عن الرسالة الأخلاقية . إن ترك الساحة الفنية لآليات السوق الشرسة دون وجود “مجلس أعلى للدراما” يضع ضوابط صارمة للقيم والمحتوى ، هو بمثابة تفريط صريح في أحمي أسلحة الدفاع عن الوجدان العربي .
إنني لا أطالب بدراما واعظة أو غير واقعية ، بل أطالب بدراما تصدر عن فهم حقيقي للإنسان والمجتمع المصري ، تصنع الأمل ، وتغوص في المشكلات الحقيقية للمواطن البسيط لتعالجها بعمق وإنسانية ، بدلاً من المتاجرة بأزماته . لقد حان الوقت لتستعيد الدولة دورها الإنتاجي والرقابي التنويري ، لتنقذ الأجيال القادمة من هذا التجريف الثقافي المنظم ، وتعيد للدراما المصرية عرشها ومكانتها السامية في هداية القلوب وصياغة العقول وترسيخ الهوية داخل المجتمع .
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
