د. سامح صابر يكتب.. الدراما التلفزيونية والهوية المصرية.. أزمة الوعي وتجريف الوجدان


تظل الدراما التلفزيونية أحد أهم أسلحة القوة الناعمة التي خاضت بها مصر معاركها الفكرية والثقافية على مدار العقود الماضية. ولم تكن الشاشة الصغيرة يوماً مجرد نافذة للترفيه القاطع للوقت ، بل كانت المدرسة الأولي ، والمعلم الأخلاقي ، والمرآة الأمينة التي ينعكس عليها نبض الشارع المصري وتقاليده الأصيلة . غير أن المتابع للإنتاج الدرامي الراهن ، ولاسيما في المواسم الرمضانية التي تفقد حُرمتها الفنية عاماً بعد عام ، يدرك حجم الفاجعة التي حلت بهذا الفن ، إذ نشهد انحرافاً حاداً عن الواقع الاجتماعي ، وتغريباً ممنهجاً للقيم ، وتجريفاً شاملاً للهوية المصرية والعربية ، بين جهل بصنعة الفن أو ترصد يتخفى تحت شعارات “التحديث” و”التشويق”و”المعاصرة”.
حين صاغ الفن وجدان الأمة ، نحن أبناء أجيال نشأت وتغذت فكرياً على دراما الستينيات والسبعينيات والثمانينيات ، يوم كان المسلسل يجمع الأسرة العربية من الخليج إلى المحيط حول قيم النخوة ، الشهامة ، بر الوالدين ، أحترام الكبير ، والتكافل الاجتماعي . لقد أسست تلك العقود لمعادلة فنية راقية جعلت من المسلسل التلفزيوني وثيقة اجتماعية وتاريخية .
في ستينيات التأسيس ، انطلقت الدراما من رحم الأدب والواقع ، بمسلسلات كشف فيها الكاتب عبد المنعم الصاوي عن عمق الريف والمجتمع في “الضحية” (1964) ضمن ثلاثيته الشهيرة (الرحيل والساقية) ، وارتقت بالحبكة البوليسية الأخلاقية في “القط الأسود” (1964) لـ عمر الحريري وتوفيق الدقن ، وعالجت الصراعات الإنسانية في “العسل المر” (1966) و”بحر الغضب” (1968) ، وغاصت في قضايا السياسة والمجتمع عبر “السمان والخريف” (1967) لأديب نوبل نجيب محفوظ ، والتشويق الشعبي في “الرقم المجهول” (1969) .
وفي سبعينيات النضج ، ارتقى البناء الدرامي ليعالج أزمات التغير الاجتماعي ، فاشهدنا تجربة المخرج محمد فاضل الجريئة في “القاهرة والناس” (1972) لتفكيك مشكلات الشباب والأسرة ، ومواجهة أزمات الإدمان والتفكك النفسي في “الدوامة” (1973) ، وطرح الفكر والخيال العلمي في “العنكبوت” (1973) لـ د. مصطفى محمود ، وترسيخ العلاقات الأسرية ومفهوم الأبوة في “أبنائي الأعزاء… شكراً” (1979) للراحل عبد المنعم مدبولي ، فضلاً عن نقد تحولات المجتمع في “أحلام الفتى الطائر” (1978) لـ وحيد حامد وعادل إمام ، وكواليس السلطة والصحافة في “زينب والعرش” (1979)، ومظاهر الكوميديا الاجتماعية التي جمعت الشعوب العربية كـ “درب الزلق” (1977) ،
وهو أحد أشهر وأبرز المسلسلات الكوميدية في تاريخ الدراما الكويتية والخليجية ، ويُعتبر علامة فارقة وأيقونة من الكلاسيكيات التي أسست للكوميديا التلفزيونية في المنطقة ، إخراج حمدي فريد ، وتأليف عبد الأمير التركي وعبد الحسين عبد الرضا .
و”برج الحظ” (1978) ، أحد أشهر المسلسلات الكوميدية الاجتماعية في تاريخ الدراما المصرية ، واشتهر جماهيريًا باسم “شرارة” نسبة إلى اسم الشخصية الرئيسية التي جسدها الفنان الراحل محمد عوض .
أما في ثمانينيات العصر الذهبي ، اكتملت الملاحم الكبرى التي صنعت هويتنا الثقافية ، فكتب أسامة أنور عكاشة تاريخ مصر الحديث في “ليالي الحلمية”، الجزء الأول (1987)
الجزء الثاني (1989) ، الجزء الثالث (1990)
الجزء الرابع (1992) ، الجزء الخامس (1995)
الجزء السادس (2016) .
ورصد التغيرات الطبقية العاصفة في “الشهد والدموع”، الجزء الأول (1983) ، الجزء الثاني (1985) ، إخراج إبراهيم الشقنقيري .
وحذر من تغول رأس المال على القيم في “الراية البيضاء” (1988) إخراج محمد فاضل ، فيما رسخ “رأفت الهجان” الانتماء والوطنية الشديدة ،
الجزء الأول (1988) ، الجزء الثاني (1990) ،
الجزء الثالث(1991) ، تأليف الكاتب صالح مرسي ، وإخراج يحيى العلمي ، وبطولة الفنان محمود عبد العزيز .
وجاء “حكايات هو وهي” ليحي العلمي ، ليقدم بساطة الفن الاستعراضي الاجتماعي الناقد ، للكاتبة سناء البيسي ، وسيناريو وحوار وأغاني الشاعر صلاح جاهين .
أين نحن اليوم من هذا الإرث العظيم؟ إن ما يقدم للجيل الجديد عبر الشاشات اليوم لا يمت لواقعنا بصلة ، بل يمثل تشويهاً مسخاً للشارع المصري والعربي . لقد استُبدل الكاتب المفكر بـ “ورش كتابة” تفتقر إلى النضج الثقافي ، واستُبدلت القضية الاجتماعية بعروض البلطجة ، مشاهد القتل المجاني ، استعراض الأسلحة الثقيلة ، التفجيرات ، والمظاهر الخرافية للثراء المشبوه أو العشوائية المبتذلة .
إن تصوير المجتمعات العربية وكأنها حلبات مصارعة مفتوحة ، يتميز فيها البطل الخارق بخرق القانون وأخذ الحق باليد وإرهاب الآمنين ، هو ترويج خطير لقيم “الغاب”. هذه الأعمال تعيد تشكيل وعي الشباب والأطفال ، فتبث في نفوسهم أن القوة الشرسة هي المعيار ، وأن التسامح والتعليم والعمل الجاد ليست إلا مظاهر ضعف .
إن الخطر الأكبر لهذه الأعمال الدرامية لا يقف عند حدود التلوث البصري والسمعي ، بل يمتد ليمس السلم الاجتماعي والأمن القومي الثقافي ،
طمس الهوية وترسيخ النماذج الهجينة ، تحويل الشخصية المصرية السامحة الساخرة ذات الأصول العريقة إلى شخصية عدوانية متبلدة المشاعر تفتقد للنخوة والروابط الأسرية .
فتفكيك الأسرة العربية من خلال إبراز الخيانات الأسرية ، عقوق الأبناء ، وصراعات المادة كعناصر رئيسية في كل حبكة درامية ، مما ينسف مفهوماً متكاملاً لبناء الأسرة والمودة .
إعطاء المراهقين والشباب نماذج “أبطال” من البلطجية وتجار المخدرات ورجال العصابات ، وإظهارهم بمظهر المسيطر والمنتصر ، كل ذلك يؤدى إلى التشجيع على الجريمة .
وفي ظل هذا التدهور ، يتجلى الغياب التام والمريب لدور الدولة ، إذ تخلت المؤسسات الإنتاجية الرسمية والتلفزيون الوطني عن دورهم التاريخي في التوجيه وصناعة الفن التنويري ، وتُركت الساحة بالكامل لشركات إنتاج تجارية لا يعنيها سوى جمع الإعلانات ونسب المشاهدة (التريند) بغض النظر عن الرسالة الأخلاقية . إن ترك الساحة الفنية لآليات السوق الشرسة دون وجود “مجلس أعلى للدراما” يضع ضوابط صارمة للقيم والمحتوى ، هو بمثابة تفريط صريح في أحمي أسلحة الدفاع عن الوجدان العربي .
إنني لا أطالب بدراما واعظة أو غير واقعية ، بل أطالب بدراما تصدر عن فهم حقيقي للإنسان والمجتمع المصري ، تصنع الأمل ، وتغوص في المشكلات الحقيقية للمواطن البسيط لتعالجها بعمق وإنسانية ، بدلاً من المتاجرة بأزماته . لقد حان الوقت لتستعيد الدولة دورها الإنتاجي والرقابي التنويري ، لتنقذ الأجيال القادمة من هذا التجريف الثقافي المنظم ، وتعيد للدراما المصرية عرشها ومكانتها السامية في هداية القلوب وصياغة العقول وترسيخ الهوية داخل المجتمع .

شاهد أيضاً

عروض فنية لذوي الهمم ضمن فعاليات “شارع الفن” بالإسكندرية

كتب عادل يحيى شهد شارع الحضارات “النبي دانيال” بالإسكندرية، عددا من الأنشطة الثقافية والفنية، قدمتها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *