أدب الجريمة أو رواية الغموض أو الرواية البوليسية تطلق جميع هذه المسميات على الروايات التي تحتوي على جريمة قتل غامضة. كانت البداية مع (ألف ليلة وليلة) حيث تحتوي على أقدم الأمثلة عن أدب الجريمة, ففي حكاية (التفاحات الثلاثة) يكتشف صياد صندوقا مغلقا على نهر دجلة فيقوم ببيعه للخليفة العباسي “هارون الرشيد”, الذي يجد بداخل الصندوق جثة لفتاة مقطعة لأجزاء. فأمر وزيره “جعفر بن يحيى” بحل الجريمة والعثور على القاتل في غضون ثلاثة أيام. وُصفت القصة على أنها لغز جريمة قتل. وفي علم نفس أدب الجريمة يتمكن القاريء من أن يصبح شاهدا من خلال التعرف مع المحقق على مظاهر الغموض. يعد ذلك الأدب وسيلة لهروب القراء من الواقع حيث يكون له القدرة على تشتيت انتباههم عن حياتهم الشخصية من خلال سرد قوي وتسمى قراءة هذا النوع باسم “العلاج بالتشتيت”.
تعد رواية “مادموزيل دي سكوديري ( 1819) للكاتب إرنست هوفمان من أقدم روايات الجريمة. ويعد الكاتب الأمريكي “إدجار آلان بو” من قدم القصة البوليسية الكلاسيكية حيث يظهر محققه غريب الأطوار “سي أوجست دوبين” والراوي رفيق المحقق ومن هذه القصص (الرسائل المسروقة) ,(جرائم شارع مورج)(1841) و(لغز ماري روجيه)(1842). جاء من بعده “آرثر كونان دويل” الذي قدم شخصية “شرلوك هولمز” سنة (1887) ومن هذه الروايات (دراسة في اللون القرمزي) و(وادي الخوف) وتم تقديم “شرلوك هولمز” لأول مرة في شكل مسلسل في مجلة ستراند الشهيرة في المملكة المتحدة والتي جذبت كثيرا من القراء. بعد ذلك بسنوات ظهرت “أجاثا كريستي” والتي نشرت رواياتها بين عام (1920) وحتى موتها عام (1976) والبالغ عددها ست وستون . لقبت “أجاثا كريستي” بملكة الجريمة ومن أشهر أعمالها (جريمة في قطار الشرق السريع) (1934) و(موت فوق النيل) (1937) ورواية الغموض الأكثر مبيعا في العالم (ثم لم يبق أحد) (1939). وتعد “أجاثا كريستي” الروائية الأكثر مبيعا في التاريخ حيث بيعت من كتبها أكثر من ملياري نسخة.
تأتي رواية (دماء الحروف) للروائي أحمد فتحي عوض لتكون إحدى روايات أدب الجريمة. يبدأ الغموض عند مطالعة العنوان ولمحاولة فهم سيميائية العنوان ودلالات الكلمات فنجد أن الدماء تشير للقتل ولكن عند إضافتها للحروف تمثل غموضا يستدعي محاولة فك الارتباط بين اللفظتين كي نعرف ما العلاقة بينهما. يمتد الغموض من العنوان إلى مدخل الرواية الذي يبدأ “في ظلمة الليل تخرج الأرواح تتلاقى معا … دموع الليل تبلل الظلام, تزيل ستائر الخوف من فوق العتبات المتراصة كالرمال في الصحراء… الحياة تسير في خطوط مستقيمة.. كأنها قطار يسير على قضبان الزمن…” (7) وسيستمر الغموض مع القاريء الذي لن يعرف معنى العنوان إلا مع قرب النهاية كي يعرف ما علاقة الدماء بالحروف. سيظل القاريء يطوي الصفحات طيا حتى يعرف سر الجريمة والجرائم التي سبقتها وسبب مقتل بطل الرواية صخر.
تبدأ الرواية بمكالمة تليفونية للملازم محمود تبلغ عن رائحة منبعثة من شقة في حي مصر الجديدة. يصل الملازم محمود والجنديان المصاحبان له إلى الشقة المقفلة ويحاولان فتحها دون جدوى. استمرت المحلاولات وتم إطلاق الرصاص على حلق الباب ولم يفتح. جاء العميد حازم وسأل عن سر الباب وتم استدعاء فرقة التحليل الجنائي وعلى رأسها الدكتور ماهر وتم استخدام الشنيور الكهربائي ولم يفلح هذا الأسلوب فقال الدكتور ماهر أن بالباب “نوعا من الأشعة المؤينة” وكان تفسيره أن الأشعة تستخدم “لتفكيك الروابط لكل مادة صلبة تدخل إلى الباب” (18). كانت فكرة العميد حازم الدخول للشقة من سطح العمارة عن طريق تسلق الحبال وكسر زجاج الشباك وقام الملازم محمود بفعل ذلك وهنا تم دخول الشقة المغلقة. قام الملازم محمود بفتح الباب المغلق بريموت على منضدة الكمبيوتر ثم دخل العميد بنفس الطريقة ومن ثم بدأ العميد حازم في إصدار الأوامر للدكتور ماهر كي يباشر عمله. لكن “الجسد الملقى في جانب الشقة يثير الخوف, رياح الرعب تغلف المكان بغلاف الغموض” (23)
“تذكر العميد حوادث القتل التي حدثت ومنها حادثة اللواء أسعد… وحادثة رئيس الوزراء السيد (معتوق) وزوجة ابنه مدام (سما)… وكان سببها جهاز الكمبيوتر… مما أدى إلى حدوث ماس كهربائي في لوحة المفاتيح…” (26) تساءل العميد حازم: “هل هناك علاقة بين الأستاذ صخر وهذه الجرائم” (26) قام الملازم محمود والعميد حازم والرائد مندور بفحص جهاز الكمبيوتر ولاحظ العميد ملفا لم يره من قبل “مكتوب عليه (رسالة إلى من يأتي بعدي)” (34) عندما جلس العميد ليرى الملف رأى الملازم محمود:” أحد الأزرار يفتح من الجانب الأيمن للوحة المفاتيح, وجدت لوحة المفاتيح كأنها مثل الشرارة الكهربائية, وجدت العميد كأنه كرة من النار… لم ألحظ أية نبضات, جثة هامدة لا تتحرك” (34-35) وقف الملازم يبكي فقال الدكتور “هذا ما حدث للدكتور معتوق… ورجل الأعمال (نمش).” (35)
بدأ كشف سر صخر من ملف على جهاز الكمبيوتر يحكي فيه صخر حكايته منذ أن كان طفلا. هنا نجد أن الرواية تأخذ منحى نفسي نعرف من خلاله كيف بدأ صخر وكيف انتهى وعلاقاته بالبشر منذ موت أبيه يوم وقفة عيد الأضحى بصعق كهربائي من محول ضغط عالٍ. لقد تغيرت حياته منذ ذلك الحين وكيف عانى من قسوة زوج أمه ويذكر أن زوج أمه كان لا يعاقبه “إلا بالشرارة الكهربائية, يضعها في أذني”(44) لكن هل قسوة الحياة وحدها هي ما أدت إلى ما وصل إليه؟ درس صخر في المعهد العالي للأشعة وعمل في المقاهي ثم عند المعلمة (شيخة) واستمر بالعمل لديها نظرا لحبه لابنتها (سما) وبعد ما علم أن تجارة الخردة كانت ستارا لتجارتها للمخدرات لم يترك العمل لديها بل ترقى في عمله وأمسك الحسابات وتم تعيينه في الميناء للكشف على البضائع القادمة من الخارج والتأكد من خلوها من الإشعاع. هنا تحول لما هو أخطر عندما ساعدها في دفن نفايات نووية في الصحراء تم جلبها عن طريق الدكتور معتوق وأدى ذلك لموت زميله في العمل لدى المعلمة (مرعي).
كان موت مرعي سببا لأن يصر على رفضه الاستمرار في ذلك العمل فتم تلفيق تهمة له من قبل رئيس الوزراء معتوق وهو بريء منها. تعرف في السجن على قاتل كان يقوم بقتل ضحاياه بالصعق الكهربائي. أدى ذلك لتفكيره بوضع مادة مشعة وعليها عازل ومبطنة في أحد الأزرار الخاصة بلوحة المفاتيح ويتم تفجيرها من خلال برنامج أعده صخر. قام صخر بتجربة للتأكد من أن التجربة ناجحة تم فتح البرنامج وابتعد صخر والمهندس وافي زميله فتحولت المادة الصلبة إلى شرارة كهربائية وتحول الفأر الذي أحضره صخر إلى قطعة من الفحم الأسود
لقد تم تزويد العديد من لوحات المفاتيح بهذه المادة وتم بيعها لمعتوق وأسعد ونمش وتم قتلهم من خلال إرسال البرنامج على فيروس في رسالة على البريد الإلكتروني وعند فتح الرسالة يفتح البرنامج تلقائيا فتنفجر المادة المشعة ويموت الشخص المستخدم للكمبيوتر في الحال. مات العديد ممن اعتبرهم صخر ووافي أعداء لهما ولكن الخلاف نشأ بين صخر ووافي عندما تركت منى خطيبها صخر وارتبطت فجأة بوافي فقرر صخر الانتقام وقتل وافي بنفس الطريقة وكذلك فعل وافي بصخر فكانت هذه النهاية الحتمية لهما. جاءت حبكة الجريمة ممتدة طوال فترة مشاهدة الملازم محمود للملف الذي احتوى قصة حياة صخر من البداية وحتى النهاية. حين أراد الملازم محمود القبض على وافي وجده ميتا بنفس الطريقة في منزله. وهنا نعرف السبب وراء عنوان الرواية فدماء من تعرضوا للقتل أريقت بسبب لوحة المفاتيح التي عليها الحروف, لذا جاءت إضافة الدماء للحروف وحظينا بعنوان ملائم للرواية.
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
