الأربعاء , 28 أكتوبر 2026

د. سامي المسلم يكتب .. ثقافة الترف ووهم المعرفة: اغتراب المثقف عن ذاته ومجتمعه


ليست كل ثقافةٍ وعياً، ولا كل معرفةٍ حكمة، ولا كثرة القراءة وحفظ أسماء الفلاسفة وعناوين الكتب والنظريات المعقدة دليلاً على امتلاك عقل نقدي ناضج. فقد تتسع ذاكرة الإنسان بالمعلومات، وتتزاحم في خطابه المصطلحات والاقتباسات، بينما تظل قدرته على فهم واقعه محدودة، وعلاقته بمجتمعه سطحية، وأثره في الحياة العامة ضئيلاً. ومن هنا تنشأ ثقافة الترف، أو وهم المعرفة؛ وهي حالة تتحول فيها الثقافة من وسيلة لفهم الحياة وتطوير الوعي إلى غاية استعراضية، يستمد صاحبها منها شعوراً بالتفوق والتميز، من دون أن ينعكس ما يملكه من معارف على سلوكه أو مواقفه أو مسؤوليته تجاه الآخرين.
ولا يُقصد بثقافة الترف الانشغال بالفلسفة أو البحث النظري أو التخصص العلمي العميق، فهذه مجالات أصيلة في بناء المعرفة الإنسانية، حتى إن لم تقدم منفعة مباشرة وفورية. إنما المقصود هو انفصال المعرفة عن وظيفتها النقدية والإنسانية، حين تصبح المعلومات زينة للعقل، والمصطلحات وسيلة للاستعراض، والكتب شواهد على المكانة الاجتماعية، بدلاً من أن تكون أدوات لفهم الواقع واكتشاف تناقضاته ومراجعة المسلّمات التي تحكم تفكيرنا.
يقع المثقف في وهم امتلاك علوم الأولين والآخرين حين يخلط بين حفظ المعرفة وفهمها، وبين القدرة على الحديث عن النظريات والقدرة على تحليلها، وبين كثرة الاطلاع وامتلاك الرؤية النقدية. فمعرفة أسماء المفكرين لا تعني استيعاب أفكارهم، واستحضار مصطلحاتهم لا يثبت القدرة على توظيفها، وكثرة الاقتباسات لا تضمن سلامة الاستنتاج. وقد يقرأ المرء في الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس والسياسة، لكنه يظل عاجزاً عن الربط بين هذه المعارف أو التمييز بين الحقائق والفرضيات والآراء، فيتحول اتساع معلوماته إلى وهم بالإحاطة بدلاً من أن يصبح مدخلاً إلى فهم أعمق.
وتزداد هذه الظاهرة حين تصبح الثقافة وسيلة لاكتساب الاعتراف الاجتماعي وإثبات التفوق على الآخرين. عندئذ ينشغل المثقف بحماية صورته بوصفه عارفاً، ويصبح الاعتراف بالخطأ تهديداً لمكانته، والحوار مع المخالف اختباراً لهيبته، ومراجعة قناعاته تنازلاً لا يليق بمقامه. وهكذا يتحول طالب المعرفة إلى حارس لصورة صنعها عن نفسه، فيبحث عما يؤكد آراءه، ويقلل من شأن مخالفيه، ويستخدم تعقيد اللغة أحياناً لتعويض ضعف الفكرة أو إخفاء محدودية الفهم.
إن الثقافة الحقيقية لا تقاس بما يحفظه الإنسان فحسب، بل بما تحدثه المعرفة في عقله وشخصيته؛ بقدرته على التمييز والتحليل، واستعداده للاعتراف بجهله، وشجاعته في مراجعة أفكاره، وتواضعه أمام اتساع المجهول. فكلما نضج الوعي، أدرك الإنسان أن المعرفة ليست ملكية يتباهى بها، بل مسؤولية تتطلب الدقة والنزاهة والتعلم المستمر.
ومن أخطر مظاهر ثقافة الترف أن يعيش بعض المثقفين في أبراجهم العاجية وصوامعهم المغلقة، يتحدثون عن قضايا العالم وتحولاته الكبرى، بينما يسرحون بعيدين عن مشكلات مجتمعاتهم واحتياجاتها الفعلية. يتابعون الفلسفات العالمية والأزمات السياسية والاقتصادية، ويحللون الحداثة والعولمة والهوية، لكنهم لا يبذلون جهداً مماثلاً لفهم التحولات الثقافية والاجتماعية في بيئاتهم المحلية، أو توثيق تاريخها، أو دراسة قضايا التعليم والشباب واللغة والذاكرة والهوية.
وليست المشكلة في الاهتمام بالعالم، بل في اتخاذه ذريعة لإهمال الواقع القريب. فالمثقف الذي يعرف تفاصيل المجتمعات البعيدة ولا يحاول فهم المجتمع الذي ينتمي إليه يبقى ناقص الصلة بجذوره المعرفية والاجتماعية. أما المثقف الواعي، فيجعل من المعرفة العالمية أداة لفهم واقعه، ويستفيد من التجارب الإنسانية في تفسير مشكلاته، مع إدراك الفروق التاريخية والثقافية التي تمنع النقل الآلي للأفكار والنظريات من مجتمع إلى آخر.
وقد أشار المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي إلى أهمية ارتباط المثقف بالحياة الاجتماعية ودوره في تشكيل الوعي الجماعي، فيما شدد إدوارد سعيد على استقلال المثقف ومسؤوليته النقدية في مواجهة التبعية الفكرية والسلطة والمصالح الضيقة. وتلتقي هذه الرؤى عند حقيقة أساسية، هي أن الثقافة لا تفقد قيمتها حين تنفتح على المجتمع، بل تزداد عمقاً حين تتفاعل مع قضاياه، وتفهم تناقضاته، وتساعد أفراده على التفكير في واقعهم بوعي واستقلال.
ولا يعني ارتباط المثقف بمجتمعه أن يتحول إلى تابع لأفكاره السائدة أو مبرر لأخطائه، فالمثقف المسؤول لا يجامل المجتمع ولا يحتقره؛ إنما يفهمه وينقد أخطاؤه ويطرح السبل لتصحيح بعض مساراته الفكرية ومعتقداته، إضافة لذلك إحترم خبراته، وكشف تناقضاته، ويبحث عن سبل تطويره. فالنقد الحقيقي ليس موقفاً من علٍ، ولا إدانة شاملة للناس، وإنما محاولة لفهم أسباب الخلل والبحث عن إمكانات تجاوزه.
مثال على ذلك قد تكون دراسة دقيقة لمشكلة تعليمية محلية، أو توثيق تاريخ مدينة، أو إطلاق مبادرة للقراءة والحوار، أكثر أثراً من عشرات المقالات التي تكرر أفكاراً عامة دون اتصال بالواقع.
وهنا تبرز ضرورة نقد الذات قبل الانشغال بنقد الآخرين. فليس من المعقول أن يدعو المثقف إلى التواضع وهو أسير الغرور، أو يطالب بالحرية وهو يرفض الرأي المخالف، أو يتحدث عن العدالة وهو لا ينصف من يختلف معه. ونقد الذات لا يعني التراجع عن المبادئ أو الشك في كل شيء، بل يعني إخضاع الأفكار والمواقف للمعايير نفسها التي نطالب الآخرين باحترامها، ومراجعة دوافعنا، وفحص أدلتنا، والتمييز بين البحث عن الحقيقة والرغبة في الانتصار للرأي الشخصي.
إن المثقف الذي لا يراجع ذاته قد يتحول إلى جزء من المشكلة التي يدعي معالجتها؛ لأنه يستبدل التعصب الفكري بالتفكير النقدي، والغرور المعرفي بالتواضع، والرغبة في السيطرة على الحوار بالسعي إلى الحقيقة. أما المثقف الناضج، فيدرك أن الاعتراف بالخطأ قوة فكرية، وأن الاستماع إلى الآخرين يوسع المعرفة، وأن الخبرة الإنسانية لا تنحصر في الكتب والشهادات، بل تتوزع بين الناس ومهنهم وتجاربهم وذاكرتهم اليومية.
وتزداد مسؤولية المثقف تعقيداً عندما تضيق مساحة الحرية الفكرية أو يصبح التعبير النقدي محفوفاً بالمخاطر. ففي مثل هذه الظروف، لا تكون الشجاعة في المواجهة العلنية دائماً، ولا تكون الحكمة في الصمت الدائم؛ بل في تقدير الواقع، واختيار الوسائل الممكنة، والعمل داخل المساحات المتاحة من خلال البحث العلمي والتوثيق والتعليم والكتابة والمبادرات الثقافية والحوار المسؤول. ويمكن للمثقف أن يخدم مجتمعه من دون أن يعرّض نفسه أو الآخرين لمخاطر غير محسوبة، شرط ألا يتحول الحذر إلى ذريعة للتخلي عن كل مسؤولية، وألا تصبح المحافظة على المكانة الشخصية المعيار الوحيد لمواقفه.
فالثقافة الفاعلة لا تشترط أن يكون المثقف بطلاً في كل موقف، ولا أن يواجه كل قضية بالطريقة نفسها، وإنما تتطلب منه الحفاظ على استقلاله الفكري ونزاهته العلمية، وتوظيف قدراته فيما يستطيع إنجازه، والتمييز بين المرونة في الوسائل والتنازل عن المبادئ. وقد يبدأ أثره من بحث موثوق، أو مقال يوضح قضية ملتبسة، أو عمل أدبي يوسع الوعي الإنساني، أو مبادرة تحفظ ذاكرة المجتمع، أو جهد تعليمي ينمي التفكير النقدي لدى الأجيال الجديدة.
وفي عصر الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي، ازدادت ضرورة هذا التمييز؛ إذ أصبح إنتاج النصوص واستحضار المعلومات أسهل من أي وقت مضى، لكن سهولة الوصول إلى المعرفة لا تعني امتلاكها، وجودة الصياغة لا تضمن صحة المضمون، وكثرة التفاعل لا تعني عمق التأثير. لذلك ينبغي ألا تتحول الثقافة إلى سباق على الظهور، أو منافسة في استعراض المصطلحات، بل أن تبقى ممارسة تقوم على التحقق من المعلومات، وفحص الحجج، واحترام الاختلاف، وإنتاج معرفة تستحق الثقة.
إن التحول من ثقافة الترف إلى الثقافة الفاعلة يبدأ حين يغير المثقف سؤاله من: كيف أثبت أنني أعرف؟ إلى: ماذا أستطيع أن أفهم وأضيف؟ وحين ينتقل من جمع المعلومات إلى تحليلها، ومن استعراض النظريات إلى اختبار قدرتها على تفسير الواقع، ومن مراقبة المجتمع إلى المشاركة الواعية في قضاياه. وليس المطلوب أن يقيس قيمة كل كتاب بمنفعته المباشرة، بل أن يدرك أن الثقافة، مهما اتسعت آفاقها النظرية، لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة لتضخيم الذات أو الانفصال عن الإنسان.
إن الثقافة الحقيقية ليست أن يعرف المثقف العالم ثم يجهل مجتمعه، ولا أن يحفظ أفكار الفلاسفة ثم يعجز عن التفكير المستقل، بل أن يستفيد من العالم لفهم واقعه، وأن يفهم واقعه كي يسهم في تطويره، وأن يراجع ذاته حتى لا يتحول سعيه إلى الإصلاح إلى شكل آخر من أشكال الوهم.
فليس المطلوب أن نهجر أبراج الفكر، بل أن نفتح نوافذها على الحياة، وليس المطلوب أن نتخلى عن عمق المعرفة، بل أن نمنعها من التحول إلى عزلة وغرور. إن المثقف الحقيقي ليس من يمتلك إجابات عن كل شيء، ولا من ينصب نفسه وصياً على المجتمع، بل من يوسع مساحة الفهم، ويحترم عقول الآخرين، ويكشف الخلل دون تشفٍّ، وينقد دون تعالٍ، ويعمل وفق ما تسمح به إمكاناته وظروفه.
وفي النهاية، لا تُقاس قيمة المثقف بعدد الكتب التي قرأها، ولا بالمصطلحات التي يستحضرها، ولا بالمكانة التي يحتلها في أعين الآخرين، بل بقدر ما منحته المعرفة من بصيرة وتواضع واستقلال، وبما أسهم به في فهم الإنسان ومجتمعه. فالثقافة التي لا تحرر العقل من غروره، ولا توسع قدرته على فهم الحياة، قد تصبح زينة للذات ووساماً للمكانة؛ أما الثقافة الأصيلة فهي التي تجعل المعرفة مسؤولية، والنقد ممارسة واعية، والانتماء عملاً، وتضع الإنسان والمجتمع في صميم غاياتها النبيلة.

شاهد أيضاً

نبيلة متوج تكتب.. ربيع مؤجل وقلب حائر

ربيع مؤجل وقلب حائر وقفتُ أمامكِ كعصفورٍ بلّله المطر، أحمل في يديّ قلباً متعباً، وأحلاما”أوشكت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *