عندما قام الشاب الأمريكي إلياس رودريجيز بقتل اثنين من موظفي السفارة الإسرائيلية في واشنطن أمام المتحف اليهودي الشهر الماضي تم تصنيف العملية على أنها (جريمة معاداة السامية)، ولم يقل الأمريكيون أو الإسرائيليون إنها عملية إرهابية، لأنهم نجحوا في ربط الإرهاب بالإسلام والمسلمين وحدهم، ومادام القاتل (رودريجيز) مسيحي ذو بشرة أمريكية بيضاء، وملامحه ليست شرق أوسطية، إذن فهو ليس إرهابيا، ويجب البحث عن توصيف آخر لقضيته بعيدا عن أن تكون (جريمة إرهابية)، وأيضا لا داعي للتفتيش في دينه، أوالضغط لتعديل مناهج التعليم وبرامج الإعلام والخطاب الديني في بلده لإصلاح عقول شعبها.
ويستخدم بنيامين نتنياهو رئيس الحكومة الإسرائيلية مصطلح (معاداة السامية) في اتهام المظاهرات التي تخرج في أوروبا وأمريكا ضد حرب الإبادة الجماعية التي يشنها على غزة، ويرمي به كل من يقوم يحتج على سياساته، وقد اتهم به الطيار الأمريكي آرون بوشنل، الذي أشعل النار في نفسه أمام مبنى السفارة الإسرائيلية بواشنطن العام الماضي احتجاجا على التواطؤ الأمريكي مع إسرائيل، وكان الطيار يردد أثناء احتراقه “فلسطين حرة”، وهو الهتاف نفسه الذي كان يردده رودريجيز بعد إطلاقه النار على الإسرائيليين.
ويفعل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الشيء نفسه، فيدعي أن الاحتجاجات الطلابية في الجامعات الأمريكية تعبر عن عداء للسامية، ويخص جامعة هارفارد بأقسى عبارات النقد والتجريح، ويتخذ ضدها إجراءات عقابية لأنها أكثر الجامعات جرأة وأعلاها صوتا في إدانة (الهولوكوست المستمر) في غزة، وفي إدانة التواطؤ الأمريكي والمطالبة بوقف تصدير السلاح لإسرائيل وفتح المعابر لإدخال المعونات الغذائية والمساعدات الإنسانية لأهل غزة دون قيد أو شرط.
ويسير في ركب نتنياهو وترامب كثير من الصحف ووسائل الإعلام الأمريكية التي تصر على أن المظاهرات والحركات الاحتجاجية في أوروبا وأمريكا تعبر عن معاداة للسامية، لكن بعض الصحف الإسرائيلية اتخذت مؤخرا اتجاها مختلفا، فراحت تحذر مما أسمته (عولمة الانتفاضة)، وتقصد به انتشار موجة الرفض الشعبي في دول العالم ضد إسرائيل، كأنها انتفاضة عالمية لاعلاقة لها بمعاداة السامية لأنها تخرج في مجتمعات صديقة، ويشارك فيها أحيانا يهود، الأمر الذي يهدد بتحويل إسرائيل إلى دولة منبوذة عالميا خلال أشهر قلائل.
لقد رأت هذه الصحف ما لم يره السياسيون، فالانتفاضة ضد إسرائيل لم تعد مقصورة على الفلسطينيين، وإنما صارت انتفاضة عالمية، ولم تعد في الدوائر الشعبية فحسب، بل تشارك فيها حكومات غربية وشرقية وبرلمانيون وعلماء وأدباء وفنانون ومؤسسات دولية على رأسها الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية والمحكة الجنائية الدولية ومنظمات الإغاثة، ومنظمات حماية الطفولة والأمومة وحقوق الإنسان، وهي مؤسسات كانت إلى وقت قريب تؤثر الحياد، وإذا انتقدت إسرائيل تنتقد على استحياء.
ولعبت منصات التواصل الاجتماعي دورا بارزا في توثيق الحملات الاحتجاجية ونشرها، حيث شارك ناشطون وصحفيون صورا وفيديوهات للمظاهرات في مدن مثل برلين وباريس ولندن، كما استخدمت المنصات لمشاركة المنشورات وتنظيم الاحتجاجات وتوجيه الدعوات لإضرابات عالمية ومظاهرات أمام السفارات الأوروبية والأمريكية والإسرائيلية، وهو ما دفع الحكومات الأوروبية تحت الضغط الشعبي إلى تغيير لهجتها تجاه إسرائيل، واتخاذ إجراءات عقابية ملموسة ضدها شملت إغلاق مكاتب دبلوماسية ووقف شحنات أسلحة وإلغاء اتفاقيات للتعاون الاقتصادي، والتمهيد للاعتراف الشامل بدولة فلسطين.
وبالطبع لم تخرج هذه الاحتجاجات من فراغ، وإنما أشعلتها قصص إنسانية صغيرة تقول إن أهل غزة بشر وليسوا مجرد أرقام لضحايا يسقطون بمعدلات تفوق الـ 100 شهيد يوميا، ومن هذه القصص على سبيل المثال ما نشر عن استشهاد أبناء وأحفاد القائد إسماعيل هنية (ما يزيد على 70 شخصا)، واستشهاد أسرة الصحفي وائل الدحدوح (زوجته وابناه وابنته وحفيده وعشرون من أقاربه)، واستشهاد الإعلامي أيمن إسماعيل القدرة مع سبعة من أبنائه وبناته وأحفاده، وأخيرا مأساة الطبيبة آلاء النجار التي فوجئت بأشلاء تسعة من أبنائها ضمن المحمولين إلى المستشفى الذي تعمل به، ثم استشهاد زوجها في وقت لاحق إثر قصف لمنزلها والمنازل المجاورة في منطقة قيزان النجار جنوبي قطاع غزة، وقد أبكت بقصتها العالم كله.
كما أججت التصريحات العنصرية البغيضة لقادة إسرائيل وأمريكا تلك الانتفاضة العالمية، وكلها تصريحات تتوعد أهل غزة والفلسطينيين جميعا بالإبادة والتدمير والتهجير، ولا يتعلق الأمر بتصريحات نتنياهو ووزرائه في الحكومة الصهيونية المتطرفة وحدهم، فهناك أيضا ترامب الذي أعلن رغبته في الاستحواذ على غزة وتهجير أهلها وتحويلها إلى ريفييرا عالمية، وهناك رابدي فاين عضو مجلس النواب الأمريكي عن الحزب الجمهوري الذي دعا إلى قصف قطاع غزة بالسلاح النووي!!
وحين يقوم الأمريكيون بالوساطة بين المقاومة وإسرائيل فإنهم في الواقع يقومون بدور تمثيلي مرسوم، لأنهم ليسوا وسطاء ولن يكونوا، هم في الخندق الإسرائيلي دائما، يتحدثون بلسان نتنياهو، ويسعون ليحققوا له بالسياسة ما فشل في تحقيقه بالحرب، وقد حملت ورقة التفاوض التي أعدها مؤخرا المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف شروط ومطالب نتنياهو كاملة، وعندما أبدت المقاومة ملاحظات عليها استشاط غضبا، وراح يوجه إليها تهديدات قاسية، كطاغية مستنفر مستفز، يلقي بأوامره وما على الآخرين إلا السمع والطاعة، لكن الرجل لم يستفز حين أطلقت إسرائيل النار على وفد دبلوماسي عالمي في الضفة الغربية، أو حين منعت وفدا من وزراء الخارجية العرب من زيارة أبو مازن في رام الله، مع أن أعمال الوفدين ليست من المقاومة.










