مسرحة عن ديوان الأعمال الكاملة للشاعر الراحل أمل دنقل
المشهد الأول
( حلقة سمر عربية ..قائد الجيش يرتدى العقال العربي والجلباب والعباءة ..ومعه بعض الأصدقاء من العرب .. بيدهم كؤوس الشراب ..مع رقص تؤديه الجوارى..
تدخل زرقاء اليمامة.. القائد يبدى دهشته .. تتوقف الراقصات والموسيقى .. ويتجه نحو زرقاء )
القائد : مرحى زرقاء اليمامة.. هلا بعين الوطن الساهرة.
زرقاء : عذرا سيدي القائد .. يشفع لي ما رأيت من عجيبة مبهرة.
القائد : عجيبة مبهرة.. هات ما عندك .. كلى آذان صاغية.
زرقاء : من مرصدي فوق الجبل ..( تتردد ) أقسم ..رأيت من جهة الشرق ..
أشجاراً قادمة .
القائد : ( في دهشة ) أشجار قادمة .
زرقاء : نعم نعم وأقسم .. نعم من الشرق تثير الغبار ..تتحرك ليلا.. وتسكن
بالنهار.. ويوما عن يوم تقترب.
القائد : سرابا ما رأيت يا زرقاء .. سرابا ..كلت منك العين الساهرة .. طبعا طبعا
من قلة منام.
زرقاء : ما كذبتني عيني قبلا ..تعلم تعلم.
القائد : بل وأشهد ..أنك كنت تعدين الطير المحلق في السماء ..وكم رصدت من
عدو عاجلناه فانتصرنا.. ولكن ما عندي لما تدعين مرآه تأويلا ..سوى
ضرب من ضروب المستحيل..( ويشيح بظهرها عنه.. ويضرب كفا على
كف متعجبا ) شجر متحرك بالليل .. يثير الغبار.. ويسكن بالنهار.
زرقاء : فلتعد للجبل .. وتقف في مرصدى.. ولو لليلة ..لعلك للحقيقة تهتدى.
القائد : كفى هراء.
زرقاء : ليته يجدى.. خذ عيني لتبصر بها.
القائد : ضربا من محال وخيال.. فلتدعى عينيك لك.. وإنى آمرك ألا تصعدي للجبل
.. و لتريحي عيون مها ..كحيلة جميلة.
زرقاء : أظن في الأمر حيلة.
القائد : هيا زرقاء.. أذهبي لتنامى.
زرقاء : ( تحدث نفسها ) وهل ستعرف عيوني المنام يا ويلتى.. أنا المجبرة أن
أطيع.. فلا أجد لما شاهدت تأويلا.
( تقف زرقاء في انكسار وحزن ..القائد يقترب من الرجال .. يضحك ويضرب كفا بكف.. تتجمع الراقصات والرجال حوله )
رجل 1: ( ساخرا ) شجر يتحرك..( يضحك ) قفزا .. أم رقصا.
رجل 2: يمشى الهوينا.. أم يعرج. ( ويقوم بحركات ساخرة فيمشى كالأعرج )
رجل 3 : تراه شجرا ذا أجنحة.. وله ريش ومنقار.
رجل 1 : ربما نرى الشجر يلهو يوما مع الصبيان.
رجل 2 : أو يكون من ندامانا في الشراب ليلا.. وينعس بالنهار.
رجل 3 : شجر مثلنا نؤوم الضحى ..وآه حين نراه يتثاءب.
رجل 1 : أتوق شوقا لرؤيته يتجول في البلدة.. اليوم أمام دارى نستظل به.. وغدا
أمام دارك.
رجل 2 : وقد يلف بلدتنا في دوار.. ثم يسقط من دوار.
القائد : ( ضاحكا ) كفاكم.. هيا زرقاء أذهبي لستريحى.
( زرقاء تنصرف في انكسار.. وهى حزينة تتألم .. موسيقى.. أصوات تتردد جنت زرقاء جنت.. على إيقاع الموسيقى )
رجل 1: فلنعد للكأس.. والرقص.. يظللنا أزرق الدخان.. هات الكأس فلا يروينا لو شربنا النهر كله.. ولعقنا ما على الشطآن.. ارقصن يا فتيات ارقصن.. وإلا رقص مكانكن شجر زرقاء.
( ويضحك الجميع ..ويستمرون على لهوهم .. موسيقى توضح مرور الزمن.. مع إضاءة موحية بذلك.. وفجأة يظلم المسرح مع صوت موسيقى يحمل معنى المفاجأة.. أصوات مبارزة بالسيوف.. أنوار حمراء ..يخرج القائد ومن معه .. أناس يدخلون من كل اتجاه في هلع .. موسيقى حزينة .. وتعلو أصوات ضحكات متجبرة.. ثم يدخل رجل 1 )
رجل 1 : سهونا وغفلنا .. تقاعسنا..ولهونا.. العدو المتربص على حين غرة..
فاجئنا .. فهزمنا .. هزمنا.
*
المشهد الثاني
( القائد يسير في الصحراء .. ممزق الثياب.. مغبر الوجه ..غمده بلا سيف.. خنجره في وسطه.. يتجه نحو زرقاء.. غير مهندمة الثياب .. شعرها منكوش )
القائد : أخذنا على حين غرة.. ليت أننا.. وياليت كنا.
زرقاء : بما تفيد كان وكنا.
القائد : فلتنشق الأرض لتبتلعنى.( يبكى ويضع وجهه بين راحتي يديه )
زرقاء : كفى صراخا ونواحا.. فليس يصل الصوت.. لن يجيب إلا عرق التربة..
وسكون الموت.
القائد : تميد الأرض بي تتزلزل.. يلفني الطنين.. أخاف أن أسقط على الأرض..
لئلا يغشى الرمل صراخي المكبوت.. ولكنى سأبكى إلى أن يستدير الدمع في
حفرة ..فأغتسل به.. عساها تطهرني الدموع.
زرقاء : فلتبك طويلا ومريرا.. فلتبك طويلا وكثيرا.. إلى أن ترسخ الحروف في
ذاكرة التراب ..على جدران الأيام ..مع كل إشراقة شمس.. مع كل ضوء
لقمر.. مع أنفاس البشر ..مهزوم من عاش وهم القوة.
القائد : قلبي مجروح ..هنا على الأيام هنا.. بعد أن كانوا وكنا .
( يبكى وينتحب )
زرقاء : إيه أيها الملتهب الأنف من الشراب.. إيه يا مدمن النساء في نداوة الشباب
( تضحك ساخرة ) قلبك مجروح.. هل جرح في الحرب ؟!.. و أي حرب ؟!
فأنت أنت لم تحارب.. آه .. لعل جرح من عين أحد الصبايا.. أو بخنجر
لامرأة غيور.. أو لزوج عبثت بشرفه.. ولهوت بالحرمة.
القائد : ( يحاول أن يستجمع بقايا كبرياء ) لكم صولت وجلت في الميدان قبلا.
زرقاء : ميدان الوغى.. أم ميدان البغايا.. ها أنت الآن في العراء واقف وبجنبك..
بقايا غمد منكسر.. ورفات كبرياء منحسر.. تلفت حولك في الصحراء..
تلفت.. هل تبصر إلا عظام الأهل القتلى.. تتلوى في الصحراء ..تلفت ها
هم أطفالنا قتلى.. ملقون في العراء. .وآه.. آه.. يحزنني حين هم
أحدهم بارتشاف الماء.. ثقب سن الغدر رأسه.
القائد : كفى زرقاء كفى.. فأنا الممزق أشلاء.
زرقاء : آه لو سمعت صوت المرأة بين السبى وبين الفرار.
القائد : علمت .. علمت.. فأنا المجلل بالعار.
زرقاء : على يديك.. تبتا ..هزيمتنا نكراء.. وأعجب لم لم تقتل نفسك ..لم لم
يذوب أو يسقط لحمك المهترىء؟!.. من غبار تربة دنست.
( وتشيح بوجهها عنه .. وتتركه.. فيشدها من يديها )
القائد : ( صارخا.. مستعطفا ) لقيت.. ويكفيني ما لقيت.. فمن دمى لعقت
الجرذان حساءها.. وما ملكت ردها.. لشد ما أنا مهان.. لا الليل يخفى
عورتي ..ولا التاريخ .. ولا الأحزان.. ولا احتمائي في الجدران.. ولا
التواري في خزي خلف سحائب الدخان.. يا ويلتى.. خبريني ..كيف
أواجه الأيام.. ( تعطيه ظهرها .. يشدها من يدها) ترفقى.. ارحمى.
زرقاء : ( بلهجة صارمة ) ما عاد للكلام مقام.. انظر قبيلتنا .. شرزمة من جثث
القتلى ..يستجدون عطف السيف.. يا عنوان عنوان الزيف.. ألم تر
الخراب حولك ينثره الغازى؟!.
القائد : فلتتقيىء ما بأحشائك من الخزى.. دعى الكلمات اليائسة.
زرقاء : أخبرتكم عن قوافل الغبار وقلت ما قلت عن مسيرة الأشجار.. فاستضحكتم
من وهمي الثرثار.. وأغريتم بي الصبيان.
القائد : يا للأسف.. ردد الكبار قبل الصغار.
زرقاء : جنت زرقاء جنت.. وحين فاجأكم حد السيف. . التمستم ويا العار ..
النجاة والفرار.. ولم يبق إلا الموت والدمار.. وصبية مشردون يعبرون
آخر الأنهار..ونسوة يسقن في سلاسل الأسر.. مطأطأت الرأس.. لا
يملكون إلا الصرخات اليائسة.. البائسة.
القائد : كفاك.. كفاك.. أين أخفى وجهي المشوها.. كي لا أعكر الصفاء الأبله
المموها.. في أعين الرجال والنساء.
زرقاء : تعكر .. وتفجر.. منحسرا عن مأساة.
القائد : ( يشيح بوجهه عنها ) تحرقني نظرات العتاب ..أكتوى بلظاها.. تبا لمن
سخر منك يا زرقاء.. وأولهم أنا. ( ويبكى )
زرقاء : هل صاحبات الرايات الحمر أدركنكم ؟.. هل ندامى الشراب السكارى
أغاثوكم؟..هل ردوا عنا وعنكم كيد المعتدين؟
(وتبصق زرقاء في وجهه ..وتهم بالانصراف فيمسكها من يديها.. فتدفعه عنها.. فيأخذ الخنجر من جنبه.. ويطعن نفسه.. يظلم المسرح وتسلط دائرة ضوء عليه ).
القائد : سأدس وجهي المهزوم في تراب الصحراء.. في حفرة.. هي بوق مصمت
حول وجهي المنكفئ المهزوم ..وسأصرخ في رحم الأرض.. يا بساط
البلد المهزوم.. لا تنسحب من تحت أقدامى.. فتسقط الأشياء منرفها
الساكن في خزانة التاريخ.. تسقط المسميات والأسماء..( ثم يتهاوى
ويسقط على الأرض )ليتك ترضين يا أرض بلادي الطاهرة.. أن يكون من
ترابك الغالي الذي خذلته وأضعته أكفاني ..ندمى كفانى.. فلتطو ذكرى
المجلل بالعار..
( وبحركة من التمثيل الصامت البانتوميم.. يظهر جليا أن الأرض لا تقبله
.. فيسقط على ظهره بعيدا وهو يصرخ ) لا تلفظينى.. لاتلفظينى.
( تسلط الإضاءة على زرقاء وعليه.. وهو ميت على الأرض في جانب المسرح )
زرقاء : انتحرت لتفر من صفعات على وجهك المشئوم.. وبصقات لمرآك المزموم
.. أيها الملعون الملعون.. مت في غير سلام.
( موسيقى حزينة )
( يدخل جندي متجها نحو زرقاء يجرجر رجليه.. جريح ممزق الثياب ..وعليه آثار الدماء )
الشهيد : البريء أنا يا زرقاء.. قيل لي الطاعة النصر.. فأسلمت قيادى.. وسكت
سنة فسنة لأنال فضلة الأمان.. البريء أنا من كل ذنب.. قيل لي الطاعة.
زرقاء : فكانت عمياء .. فخرست وعميت ..ائتممت بالخصيان.. وظللت في
العبيد أحرس القطعان.. أجتز صوفها.. أرد نوقها.. انام يلفني النسيان
.. طعامي الكسرة والماء.. وبعض التمرات اليابسة.. وساعة الطعان
.. لما تخاذل الرماة والكماه والفرسان ..دعيت للميدان.
الشهيد : أنا الذي ما ذقت لحم الضأن.. أنا الذي لا حول لي ولا شان ..أنا الذي
أقصيت عن مجالس الفتيان ..دعيت إلى الموت ..ولم أدع إلى المجالسة
وها أنا على التراب سائل دمى.
زرقاء : التراب ظمئ يطلب المزيد.
الشهيد : أنا يا زرقاء .. أسائل الصمت الذي يخنقني .. ما للجمال مشيها وئيدا ؟!
.. أجندلا يحملن أم حديدا؟!!.. فمن يا ترى يصدقنى.. أسائل القيود..
ما للجمال مشيها وئيدا؟! .. أجندلا يحملن أم حديدا؟!!..آه .. يعزيني
أنه ما من جندي مات صاديا في الصحراء المشمسة ..إلا ورطب معتذرا
باسم بلادنا الشفاه اليابسة ..وبعدها ترتخي العينان ..خبرينى ..
خبريني أين أخفى الوجه المدان؟.. سترتعد روحي دوما بجوار فراشك..
أرقب حمى ارتعاشك ..لهول ما لقيت ..لصرخة تبدر منك.. على طفل
فتح عينيه على مرأى الغزاة.. عذرا بلادي .. عذرا زرقاء.
( يترنح .. تسنده.. ويجلس في حضنها.. ويموت.. يسلط الضوء عليهما.. ويظلم المسرح.. موسيقى )
زرقاء : سأحشو جراحك بتراب الأرض المفقودة ..وألفك في الرايات المنكودة..
وأواريك بمقبرة من صمت الثكلى ..لكنى دوما سأسمع صوتك فى الليل
تغنى.. جاعلا من تجويفات عظام الموت قصبات الأرغول.. فيجىء عناقك
ممزوجا بنحيب.. أودعتك قلب الأرض.. عينها ..لتسبل عليك أجفانها
ولكنك ستقوم من نومك يوما ما.. فمثلك أبدا أبدا لا يموت.. فأنت ..أنت
.. هنا.. ( وتشير إلى قلبها) تقص حكايتك الحزينة.. مطلا بصورتك
المنسوجة من نور القمر.. متألق البسمات.. ماسى النظر.. ستقوم من
نومك يوما ما ..فمثلك أبدا.. أبدا لا يموت.
( موسيقى تدخل مجموعة من الجنود بملابس سوداء.. ويأسرونها.. رقصة توضح تباهى المنتصر وجبروته.. ورعب الشعب)
******
المشهد الثالث
( زنزانة لها كوة جانبية.. عليه قضبان.. ولها باب فى الخلفية.. تتجول فيها زرقاء ..موسيقى حزينة.. مع تغير الإضاءة حسب كلامها لتظهر معاناتها فى الأسر وطول مكثها فيه)
زرقاء : أسرت والأشواق للأهل تنهشنى.. تمزقنى.. والقيود ضائقة بى..وعرفت
الإطراق.. قد أسرت وأنا المشتاقة..أن أعود لبلادى..أن يورق فى جدبى
فيضان الأمس.. أن يتفجر حلم العودة.. وأن يودع فى أذنى الهمس..آه
كم يجرحنى الضوء ليلا ..مرير الخطى..صامتا حزينا.. وأحتضن
الشعاع الضئيلا.. أحسبه أتيا من بلادى ..آه ما أقسى الجدار .. عندما
ينهض فى وجه الشروق.. ربما ننفق العمر كله كى نثقب ثغرة ..ليمر
النور للأجيال .. مرة..آه ربما لو لم يكن الجدار ما عرفنا قيمة الضوء
الطليق ..( موسيقى.. ثم تنظر بإتجاه الكوة) أيتها السماء ارسلى الشهب
لتحرق زنزانتى اللعينة.. فجدرانها ما رقت لدقاتى الحزينة..آه لو أملك
سيفا للصراع..آه لو أملك خمسين ذراع..لو لى خطو المارد لسحقتها..
ولألقيتها فى فوهة بركان..أو فى شق زلزال.. فلكم جثمت على صد رى
جدرانها اللئيمة ( موسيقى )..أيها النجم أتشع سما؟..كم نسجت بالأمس
من نورك حلما..خبرنى أسيفتح هذا الباب يوما؟..أيها النجم ..أخبرنى
..لماذا دوما؟..سمائى متجهمة.. مكفهرة.. ةحزينة.. مستكينة ..
وشمسى مطفأة العين عليلة.. وقمرى لملم أنواره.. يعلن الانسحاب..
يتأزز قلبى طلبا للثأر.. وقد زرعوا الغضب فيه قهرا.. اقتلعوا الكرمة
وأشجار الزيتون.. أحرقوا كل لينة.. يبذرون الحنظل.. فهل يحصدون
سواه؟..( موسيقى ) إيه.. حتى أنت يا طريق التل.. يا طريق العودة
للديار.. آه يا ذكرى الحنين المحترق.. آه آه..كم كنا نرش النور
والشوق النبيلا.. وتهدجنا غناء وبكاء.. وتهدجنا فضولا.. ( موسيقى )
عينى على مرقدى.. وأنا طفلة صغيرة.. والجدة المرتدية دوما ثوب
الحداد.. تروى أقاصيص المساء.. وما لديها لا ينفد.. ذاكرة متأوهة..
غرسوا فيها الأنياب.. وعكروا صفو الحلم.. وما لديها لاينفد.. فنمونا
وقدرنا يأبى إلا أن يكون الأطفال قبل النساء قبل الرجال ..مرابطين
مقاومين.. مودعين الأحلام ..إلا حلم الحرية.. ( موسيقى ) رغم أنى
أسيرة.. مقهورة الحلم.. والخائفة من متربص.. سأقاوم .. سأقاوم لن
يتسللنى عدوى.. حتى لو فى شهقة هواء.. أو شربة ماء.. فأنا الحرة
.. أنا الحرة لن يتسللنى حتى لو فى سنة من صباح أو مساء.. فأنا الحرة
.. أنا الحرة.
( موسيقى )
( يدخل العدو يرتدى السواد.. ويديه لونهما أحمر .. وكذا دائرة حول فمه)
العدو : هل لمثلك السجن والأسر؟.. لا بل القصور والرغد لتلك العيون الجميلة..
هاتى عينيك.. ترين لنا .. ولك الدنيا.
زرقاء : الدنيا أم الدنايا؟.. اغرب غنى فلست منك.. ولست منى .. يا سر شقائى
.. ويا وجه القبح لكل الخطايا.
العدو : اهدئي بالا.. خبرينى.. ماذا تريدين؟.
زرقاء : رؤية العدل منتصبا فوق حصان الحقيقة.
العدو : ومن منا لايريده.
زرقاء : فليرث الأرض بنوها.
العدو : قد كنا من آلاف السنين ساكنيها.
زرقاء : أتفترى على الحقيقة؟.. ألانها ربتت يوما على كتف جدك الطريد فى رحلة
شتاته؟.. اليوم تطردون منها بنيها.. من عمروها.. وتسعون فى الخراب
.. وتسومونهم سوء العذاب.
العدو : أسألى البساتين.
زرقاء : عرق جدى رواها فأخضرت.
العدو : أسألى الأرض .. هل تتنكر لأغصانها الزهور.. تلك أراضينا.. زرعا
شيطانيا أنت .. أنت .. تنبت بيننا.. دسوك بيننا.. الشوكة أنت فى
الحلقوم.
العدو : فلنقتسم الأرض.
زرقاء : القرد يجلس الآن للميزان.
العدو : أفكارك سوداوية.
زرقاء : بل هى حرة أبية.
العدو : أصرت تعشقين الظلام اللعين؟!.
زرقاء : أتهجو ظلك الأثيم.
العدو : الشمس تطلع الآن.
زرقاء : بل هى عيون قتلانا شاخصة.. دمهم يترسب شيئا فشيئا.. ويخضر شيئا
فشيئا.
العدو : بقع الدم .. زهور للشر.
زرقاء : صار غدرك فوق القلب وشما.
العدو : يا لقسوتك : أأنت بشر؟!.
زرقاء : أسأل الشمس.. أينا ؟.. بل وأسأل القمر.
العدو : أعمدت بالنار .
زرقاء : لسانى ينطق بالحق.. فالجرح يطهره الكى.. والسيف يصقله الكير..
والخبز ينضجه الوهج.
العدو : فلأعمدك بالماء.
زرقاء : أى ماء كذبا تقصد؟.. ماء يغلى على نار جعلتنى وأهلى وقودها.
العدو : لو أطعت .. لطاب لك المقام بيننا.
زرقاء : أفى جحر الثعبان يطيب للعصفور مقام؟.
العدو : نبدلك بدار خير من دارك.
زرقاء : بذلة تريد أن تسقينى ماء الحياة.. هيهات.. هيهات .. أن أرتوى..
العدو : سرعان ما تنسى وتتأقلمى.
زرقاء : كم من دم أهلى ودمى ترتوى.. ها هو ذا على نابك.. ويداك مخضبتان
بالدم.
العدو : طريق الدم بلا نهاية.
زرقاء : الدم مشتهاك.. وأرضى مبتغاك.
العدو : هواء الزنزانة الرطب الخانق أفسد عليك الرؤى.. وإنى لمطلق من فورى
سراحك.. عسى أن تتعقلى.
( يظهر ديكور لمكان رحب.. موسيقى و رقصة لرجال العدو يرتدون السواد.. ونساء يهمسون فى أذنها.. محاولين استمالتها وإغراءها.. وهى تعرض عنهم
فيلقون بها فى الزنزانة مرة أخرى)
زرقاء : (تنظر من الكوة ) هيا بنى وطنى.. فبيننا موعد منتظر.. هيا أقبلوا..
لنجمع أشلاء الحلم المنكسر.. تعالوا أفسحوا للنهار.. طريقا ممجدا..
منسوجا من ضياء الشمس.. ومن نور القمر..وعلى الرغم أن بيننا ماء
وتلال وقلاع مشيدة.. فلتعبروا على بساط كرامة.. مده الشهداء ..ذى
يدى.. مدوا اليد.
( العدو يدخل عليها وهو يفرك يديه )
العدو : هل رضيت؟.
زرقاء : بماذا ؟.
العدو : أن تكون عينيك عينا لنا.. وتتبدد الفجوة بيننا.
زرقاء : لن تتبدد .. إلا .. حين تعود الموات زرقا.. والصحراء بتولا.. تسير
عليها النجوم محملة بالورود.
( تستدير زرقاء ويدها على عينيها وتعطى ظهرها له.. صوت موسيقىمناسبة.. أضواء حمراء.. تصرخ.. وعلى يديها دم .. ويظهر طيف الشهيد يرتدى ثيابا بيضاء..وعيه هالة من نور)
العدو : أيتها الموتورة.. أفقأت عينيك؟!.
زرقاء : لن يكون نور عينى ثمنا لتمر جحافلك آمنة ..تنشر الدمار فى دمشق..
وتشعل الحرائق فى بغداد.. وتلقى قتلانا فى نهر الأردن.. وتنشر الدمار
والأحزان والدم.. وتبتاع من قرانا العبيد.
( تظلم الإضاءة على العدو..ودائرة ضوئية على الشهيد الذى يأخذ بيدها ليخرجا سويا.. موسيقى توحى بمرور الزمن.. ورقصة ومبارزة سيوف بين العدو الذى يرتدى السواد.. وأهل زرقاء.. ومعركة وتأوهات الجرحى.. أصوات أبواق توحى بالنصر)
العدو : فاجأنا أهل زرقاء باغتونا..( يبكى ) كنت أظن أنا لا نقهر أبدا .. كنت أظن
أنا لا نقهر أبدا.
المشهد الرابع
(قوم زرقاء يحتفلون بالنصر..( موسيقى معبرة ) يدخل الأمير.. تتعالى الأصوات.. عاش الأمير.. عاش الأمير.. بطل الحرب.. بشير السلام.. يدخل العدو متخفيا ويندس وسطهم.. تدخل زرقاء كفيفة.. يأخذ الشهيد بيدها.. يلمحها الأمير ينظر إليها فى أسى)
الأمير : ( محدثا نفسه ) أو تلك هى زرقاء.. زهرة تتسربل فى سنوات الصبا بثياب
الحداد.. أو تلك هى زرقاء؟.. طفلة كانت تعدو حين ترانى.. تعدو تمسك
ساقى حين نزولى.. فأرفعها ضاحكة على ظهر الجواد.. أو تلك هى
المفقوءة العينين.. ذابلة الأعضاء؟..تتحسس طريقها بين الصمت وبين
البكاء.. أو تلك هى زرقاء.. وما ذاقت للنصر طعما.. ولا رفرف له قلبها
.. المرارة تعلق بجوفها.. أما لجرحها من شفاء؟!.. ( يناديها ) هلا ..
مرحى بزرقاء.. هلمى نحتفل بالنصر سويا.. نمحو دجى قد كان ..
كسوف شمس.. خسوف قمر.. مر بنا ظلام وانقشع..وها قد عاد للشمس
الضياء..والنور للقمر.. ألا تسمعين صهيل الخيول المسرجة؟.. تزهو
فوق صهواتها الفرسان.
زرقاء : الخيول المسرجة صهلت.. لكن.. هل الفرسان كما كانوا فرسان؟..
السيوف ثملت.. وترنحت.. خبت بريقها.. قنعت فتدلت عند الاستعراض
زينة وحمائل.. حملتها فى دياجى الليل أضلاع المفاصل.. ودفنا نبلها
المقهور فى عام البكاء.. أشبح الفرسان ما زال على وجه المدينة؟..
صامتا إذا جاء المساء..صامتا ينفض أطراف الرداء.. ويمد اليد.. فيمد
الخوف فى الليل مدا.. ثم يمضى يحمل الأكفان.. يسرى فى الدروب..
يحمل الأكفان أثواب ركوب.. والمهاميز التى تحملها الأقدام.. غاصت فى
القلوب.
الأمير : فلتفرحى.. هذا يوم نصرنا.. معظم الأرض تحرر.. يا من افتدتها..
وافتدتنا بعيونها.. مرى.. تجدى.. تطاعين.
زرقاء : شوكة فى حلقى.. ولو شبر من أرضى محتل..ميزان البهجة فى نفسى
مختل..ومازال يتردد على مسمعى.. صرخة ذرات رمالها.. وأنات
ممزوجة بأنات المقتولين.
الأمير : لا أنات .. لا.. لا.. أنين.. خلى عنك الحزن الدفين.
زرقاء : لو منحوك الذهب.. أترى حين تفقأ عينيك؟.. ثم تثبت جوهرتين مكانهما
.. هل تبصر؟.. هل ترى؟.
الأمير : لا.. قطعا لا.
زرقاء : هى أشياء لا تشترى.
(يتوجه الشهيد نحوه )
الشهيد : هل بكاؤك إياى يوما.. كان دموعا تفترى.. وقد كان سيفان سيفك..
صوتان صوتك.. هل يصير دمى بين عينيك ماء.
زرقاء : أو تلبس فوق دمائه.. عباءة الملك؟.
الأمير : لا.. لا.. ولكنها الحرب.. والحرب كرب.. تثقل القلب .
الشهيد : بل هى ردع .. لمن طغى وتكبر.. وفار قلبه بالحقد ..فيبادل من حوله
الكره.. ويسعى فى وأد الأمل.
الأمير : الحرب صدع فى النفس.. تتشقق منها .. تأن .. وتنفجر.. وهى الجرح
أبدا لا.. لا يندمل.
زرقاء : هى كره لنا.. ولكن خلفك عار العرب..لاتنس.. أو تتناسى..لا تصالح
ولا تتوخ الهرب.
الشهيد : لاتصالح على الدم.
زرقاء : حتى بدم.
الأمير : لا أصالح!!.
زرقاء : ولو قيل راس برأس.
الشهيد : ( يشير إلى نفسه ) أكل الرؤس كرأس أخيك؟.
زرقاء : أقلب الغريب كقلب أخيك ؟.
الشهيد : أعيناه عين أخيك؟.
زرقاء : هل تتساوى يد سيفها كان لك.. بيد سيف أثكلك؟.
( موسيقى مناسبة تعبر عن حيرة الأمير.. ويتركز الضوء عليه.. ويدخل العدو على الأمير.. موجها كلامه له)
العدو : كفانا غم .. قتلنا الهم.. جئناك يا أمير كى تحقن الدم.. جئناك كن يا أمير
الحكم.. مد اليد.. ها نحن أبناء عم.
زرقاء : هل راعيتم العمومة فيمن هلك؟.
( ويمد العدو يده.. وتقف زرقاء والشهيد كى تحول بين تصافحهما )
الشهيد : اغرس السيف فى جبهة الصحراء إلى أن يجيب العدم.. من ذا يصدقك
مثلى؟.. وقد كنت لك فارسا.. وأخا.. وأبا.. وولدا.. وملك.
الأمير : تحرمنى الرقاد صرخات الندامة.
زرقاء والشهيد : لا تصالح.
( طرقة نحاسية )
( الأمير يمشى متحيرا مع موسيقى مناسبة )
الأمير : يلين قلبى للأرامل والثكالى اللابسات السواد.. ولأطفالهن الذين تخاصمهم
الابتسامة.
زرقاء والشهيد : لاتصالح.
( طرقة نحاسية )
الأمير : كم من عروس صامتة حزينة.. حرمتها يد الغدر ارتداء الثياب الجديدة..
حرمتها يد الغدر كلمات أبيها.. ابتسامه فى عرسها.. وتسابق الأطفال
لحضن الجد لينالوا الهدايا.. ويلهون بلحيته.. وهو مستسلم.. ويشدون
العمامة.. ما ذنب تلك العروس؟.. لتزحف الغيوم متجهمة فى سماها.. ما
ذنب تلك العروس؟.. لترى العش محترقا.. وهى تجلس فوق الرماد.
زرقاء والشهيد : لاتصالح.
( طرقة نحاسية )
( رقصة يدخل العدو مع مجموعة من الرجال والنساء..يوزعون الرشا والهدايا على كبار القوم يلبسونه عباءة ذهبية ويضعون على رأس الأمير التاج..يقلدونه الأوسمة والنياشين..ثم يجلسونه على العرش..تحيط به مجموعة الأعداء.. والوزير وبعض من قومه المتخاذلين)
زرقاء والشهيد : لاتصالح.
( طرقة نحاسية )
الأمير : ولو توجونى بتاج الإمارة
( ويتجه ليجلس على الكرسى .. فيحول الشهيد بينه وبين الكرسى ).
الشهيد : إن عرشك سيف.
زرقاء : وسيفك زيف..إذا لم تزن بزؤابته لحظات الشرف.. واستطبت الترف.
زرقاء والشهيد : لاتصالح.
( طرقة نحاسية )
( يعود العدو ومن معه من المتخاذلين ليحيط بالأمير .. فيتحسس التاج.. ويتأمله فى إعجاب.. ويجلسونه على الكرسى)
الأمير : ( يوجه كلامه لزرقاء والشهيد ) ولو توجونى بتاج الإمارة.
الشهيد : كيف تجثو على جثتى.. وأنا ابن أبيك ..مفتديك.
زرقاء : كيف تصير المليك.. على أوجه البهجة المستعارة..كيف تنظر الدم فى يد
من صافحوك؟.. فلا تبصر الدم فى كل كف.
( العدو يخبىء يده الحمراء )
الشهيد : السهام حولك.. تتربص بتلك الكف.. ( ويشير للعدو ) إن سهما أتانى من
الخلف.. سوف يجيئك من ألف خلف.. فالدم الآن صار وساما وشارة.
زرقاء والشهيد : لاتصالح.
( طرقة نحاسية )
الوزير يحيط بالأمير وخلفه مجموعة الرجال المتخاذلين )
الوزير : أميرنا.. لا لوم .. لا.. لا ملام..ما بنا طاقة لامتشاق الحسام.. فهناك
من يمد عداك اللئام ..بألف ألف حسام.. صدقناك الكلام.. بلا معسول
من قول .. وزيف من كلام.
الشهيد : أولئك من راغو ومالوا عند الصدام.
زرقاء : عندما يملأ الحق قلبك.. تندفع النار فى نفسك إن تتنفس..ولسان الخيانة
يخرس.
( الأمير يقف متحيرا.. يدخل العدو وبيده غصن زيتون يقتلع أوراقه..و بالخلفية تظهر صورة لحمامة السلام وسهم مغروس فى قلبها .. مع نعيق الغراب.. وحولها لون أحمر يرمز للدم.. والعدو والوزير والمتخاذلين يرددون.. السلام.. السلام )
العدو : السلام.. السلام .. ما أطيبها مفردة من مفردات الكلام.
الأمير : ما أطيب الحلم.. ما أطيب المقال.
الشهيد : كيف تستنشق الرئتان النسيم المدنس؟.. كيف تنظر فى عين امرأة .. أنت
تعرف أنك لا تستطيع حمايتها؟.. كيف تصبح فارسها فى الغرام؟.
زرقاء : كيف ترجو غدا لوليد ينام؟.. كيف تحلم أو تتغنى بمستقبل لغلام؟.. وهو
يكبر بين يديك بقلب منكس.
زرقاء والشهيد : لاتصالح.
( طرقة نحاسية )
الأمير : الحيرة تعبث بى.
الشهيد : لا تقتسم مع من قتلونى الطعام.
زرقاء : وأرو قلبك بالدم.
الأمير : الدم.. الدم.
الشهيد : أرو به التراب المقدس.
زرقاء : وأرو به الأسلاف الراقدين.
الأمير : إلى متى؟.. خبرونى.. إلى متى؟.
الشهيد : إلى أن ترد عليك العظام.
( يقترب الوزير من الأمير .. وينفرد بالأمير.. ويسلط عليهما الضوء )
الوزير : تناشدك القبيلة .. بأحزاننا الجليلة.. أن تسوق الدهاء.. ( ويشير إلى
العدو ) وتبدو لمن قصدوك القبول.
الأمير : وثأرنا؟.
الوزير : ها أنت تطلب ثأرا يطول.. فخذ الآن ما تستطيع.. قليلا من الحق فى هذه
السنوات القليلة.
الأمير : وثأرنا؟.
الوزير : ليس ثأرك وحدك.
الأمير : وغدا.. ماذا عن الغد ؟.
الوزير : سوف يولد من يلبس الدروع كاملة.. يوقد النار الشاملة.. يطلب الثأر
.. يستولد الحق من أضلع المستحيل.
الأمير : أنسلم الراية منكسة.. ولو قليلا.
الوزير : إن التصالح حيلة.
الأمير : والثأر.. أدرك بينى وبين نفسى أنه الثأر.. تبهت شعلته فى الضلوع..
إذا ما توالت عليها الفصول.. ثم تبقى يد العار مرسومة.. بأصابعها
الخمسة.. فوق الجباه الذليلة.
زرقاء والشهيد : لاتصالح.
( طرقة نحاسية )
( دخان يتصاعد فى الخلفية.. صوت عرافة)
الصوت : تحذرك النجوم أن أغتنم.. فلتصالح.. ولتلبى نداء السلام.
( الأمير ينظر إلى زرقاء والشهيد )
الأمير : ها قد حذرتنى النجوم.. وألقى لى كهانها بالنبأ.
زرقاء والشهيد: لا تصالح .
الشهيد : لا تصالح .. فلن أغفر لك.
الأمير : لن تغفر لى.
الشهيد : كنت أغفر لك .. لو أننى مت ما بين خيط الصواب.. وخيط الخطأ.. لم
أك غازيا.. ولم أقتل صغيرهم فى حضن أب أعزل.. لم أستحيى نساءهم
..لم أفجع شيبانهم.. لم أستبح يومهم والغد..لم أك أتسلل قرب مضاربهم
.. أو أحوم وراء التخوم.. لو أمد يدا لثمار الكروم.. أرض بستانهم..
لا.. لا.. لم أطأ.
زرقاء : هل تظنه لو عاهدك ؟.. لن يقتلك.. سيسايرك.. ويصافحك.. ويتملقك
.. ثم تفجؤك قشعريرة بين ضلعين من ظهرك..حين يعبث نصله بقلبك
المهترىء .
الشهيد : ستموت غيظا.. كمدا.. إذ خطف حياتك.. حلمك.. وعليك بغدره جاد
مجددا.
زرقاء : وسيقف اللئيم ضاحكا.. يتشفى.. يسلخ جلدة رأسك.. ويعبث بنصل
خنجره الغادر بين أسنانك.. ويضع أكليلا من الشوك على رأسك.. وليس
فى يدك حربة.. أو سلاحك القديم.. تاركا إياك فريسة للندم.. للعدم.
الشهيد : لن يكون غير غيظك الذى يشتكى الظمأ.
زرقاء والشهيد : لاتصالح.
( طرقة نحاسية )
الأمير : إلى متى ؟.. إلى متى؟.
زرقاء : إلى أن يعود الوجود لدورته الدائرة.
الشهيد : النجوم لميقاتها.
زرقاء : الطيور لأعشاشها.
الشهيد : الرمل لذراتها.
زرقاء : والقتيل لطفلته الناظرة.
الشهيد : كل شىء تحطم فى لحظة عابرة.
زرقاء : الصبا.
الشهيد : بهجة الأهل.
زرقاء : صوت الحصان .
الشهيد : التعرف بالضيف.
زرقاء : همهمة القلب حين يرى برعما فى الحديقة ينمو.. والصلاة لكى ينزل
المطر الموسمى.
الشهيد : مراوغة القلب حين يرى طائر الموت.. مرفرفا فوق المبارزة الكاسرة..
كل شىء تحطم فى نزوة عابرة.. عدونا ليس أنبل منى.. ليس أمهر منى
.. ليقتلنى بسكينته.. ويفلت فى استدارة ماكرة.
زرقاء والشهيد : لاتصالح.
( طرقة نحاسية )
زرقاء : الصلح معاهدة بين ندين فى شرف القلب لاتنتقص.
الشهيد : ( يشير إللى العدو ) والذى اغتالنى محض لص.. سرق الأرض من بين
عينى .. والصمت يطلق ضحكته الساخرة.
(يحيط الوزير و معه مجموعة رجال بالأمير.. و قد شهروا سيوفهم بإتجاه الأمير.. الأمير ينظر لزرقاء فى حيرة)
زرقاء : لا تصالح.. ولو وقفت ضدك كل الشيوخ.. والرجال التى ملأتها الشروخ.الشهيد : من نهشوا لحم الشهداء.. وازدردوها مع الثريد.
زرقاء : من تدلت عمائمهم فوق أعينهم.. وسيوفهم العربية قد تناست سنوات
الشموخ.
( العدو يقترب من الأمير مادا يده.. والوزير وبعض الرجال يحولون بين زرقاء والشهيد والأمير )
العدو : السلام.. السلام .. ذى يدى .. مد يدك.
( الأمير يمد يده فى تردد يختطفها العدو ليصافحه )
زرقاء : من صافحهم بتروا يده.
الشهيد : من آمنهم احتفروا له قبره.
زرقاء : زئبقى.. هل تستطيع لوفائه بالعهد قبضا.
الشهيد : متلون كالحرباء.. هل تستطيع له رصدا.
زرقاء والشهيد : هل يستطيع شعب أبى على غدرهم صبرا.
الشهيد : التاريخ أخبرك.
زرقاء : وذاكرته لا تعرف الهرم ولا الخرف.
الشهيد : هل صانوا قبل اليوم عهدا؟.
زرقاء : كم ذبحوا السلام فى المهد ذبحا.. أهل الذلة والتباكى.. إذا تمكنوا فتكوا
بالورى قتلا.
الشهيد : إن تغض الطرف عنهم.. لحظة.. لبرزوا من جحورهم.. واقبلوا زحفا.
زرقاء : هل أقاموا للحرمات وزنا؟.
الشهيد : هل راعوا فينا.. قبلا.. إلا .. أو رحمة.. أو رحما.
العدو : ( ممسكا بالخنجر يلوح به) السلام.. السلام.
الشهيد : ما جاءوك بالسلام.. بل بالسام.
زرقاء : أرادوه لك وردا.
الشهيد : جاءوك يبغون استسلامك لا السلام.
زرقاء : لا تصم أذنيك.. احذر.
الشهيد : هم فى دار ندوتهم يدبرون لك أمرا.
زرقاء : هل فى مدينتنا إذ تسالم يضرب بالبوق.. إذ يذبح ابنك.. أو تغتصب ابنتك
.. أو يعبثون بلحية أبيك.. ثم يتمرغ الجند على سرر النوم.. ويدنسون
معبدك.
زرقاء : هل سيرفع الفخ من الحقل.. كى تطمئن العصافير.
الشهيد : احذر.
زرقاء : إن الحمام المطوق ليس يقدم بيضته للثعابين حتى يسود السلام.
الشهيد : هل كانت رأسى ثمنا؟ لتمر جحافله آمنة تنشر الخراب والدمار.
زرقاء : هل تسالم وفى بعض من أرضك.. تتردد صرخات المتعبين.. وتتفجر
النفوس بالأسى والأنين.. إذ يصلبون كل يوم.. يقتلون كل يوم..
يستذلون كل يوم.. يغتال حلمهم بالحرية فى كل ثانية.
الشهيد : ( يشير إلى العدو ) وهذا ينسج مجده.. يبنى صرحه.. من عظام الصغار
الغارقين فى بحار الدم.
زرقاء : أرضك ما زال بأذنيها.. دم من قرطها المنزوع.. قهقهة اللصوص تسوق
هودجها.. تتركها بلا زاد.. تشد أصابع العطش المميت على الرمال ..
تضيع صرخاتها بحمحمة الخيول.. ملقاة على الصحراء ظامئة.. وتلقى
بالدلو مرات.. مرات .. وتخرجه بلا ماء.. وتزحف فى لهيب القيظ..
تسأل عن عذوبة نهرها.
زرقاء : والنهر سممه العدا.
الشهيد : وعيونها تجثو من الإعياء.. تستسقى جذور الشوك.. تنتظر المر.
زرقاء : كيف ترفع السنابل الخضر فى الحقول أعناقها..أجبنى( تشير إلى العدو )
..وهو يسحقها فى زحفه.
زرقاء والشهيد : لاتصالح.
( طرقة نحاسية )
( الوزير والعدو والمتخاذلين يحيطون بالأمير )
الوزير :هيا.. هيا فلحتفل بالسلام.
( موسيقى.. يدورون حول الأمير فى حلقة )
الشهيد : يا أيها الذين يرقصون فى ذكرى القتيل.. استمتعوا بالرقص والأنغام
والشراب.. فالناس يرقصون دونما أسباب.. لكن فى صفوفهم من يقرع
الطبول لحنا بدائيا.
زرقاء : الناس يرقصون فى مدينتى.. لأن غيرهم يصفقون.. ومن يصفقون قد لا
يعرفون.. من أجل من يصفقون.
الشهيد : هل سيف جدك صار على الجدار زينة؟.
زرقاء : هل درع جدك صار للثريد قصعة؟.
الشهيد : هل صما عن صراخ اليتامى؟.
زرقاء : هل عميا عن رؤية دموع الثكالى؟.
الشهيد : هل تحللت وبينك وبين دمى عهدا؟.
زرقاء : ألم تراهم إذ غدروا جدك؟!! بينك وبينهم التاريخ حكما.
زرقاء والشهيد : لاتصالح.. فليس أنت سوى ما تريد.. كن فارس هذا الزمان
الوحيد.. وسواك.. سواك المسوخ.
زرقاء : لا تصالح..ولاتتوخى الهرب..الصلح بينك وبينهم.. كمن يختار لنفسه أن
يقف على شفا جرف هار.
زرقاء والشهيد : لاتصالح.
( طرقة نحاسية )
( الأمير يقف فى حيرة.. والعدو والمتخاذلون والوزير فى جهة.. والشهيد وزرقاء فى جهة.. ثم تركز الإضاءة على الأمير وحده )
الأمير : آه .. حين يكون الأمير صاحب القرار وحده.. وبطانته ودعت ملامته..
كى تبقى طويلا بالجوار.. أنى يرى بعيون الأهل؟.. متى ينبض القلب فى
انتظام؟..دون توان.. بلا نبضة شاردة تبغى تداعينا.. فى قرارى أرنو
السلام.. ( يشير إلى العدو ) التاريخ أكد لى وسطر.. كم تذلل هذا ليتمكن
.. ثم تبطر.. تسانده عصبة شر.. تضمر لنا كرها.. حقدا..آه.. كم
يحزننى التخاذل فى نفوس أبناء عمومتى.. منهم من باع القضية..
والتاريخ سطر .. ومنهم من يلقى غيره بسهام الاتهام.. ولا يملك سوى
الكلام.. مهرولا نحو اللئام ( يشير للعدو )..وامتلأت خزائنه لما باع ثرى
الشهيد بتبر العدو.. وما زال يساوم بتراب من جلد أبيه المحترق..أشكوك
يا زرقاء.. أشكوك بطانتى.. أشكو أبناء عمومتى.. أشكوكم كلكم
لسامعىّ..أرنو السلام.. والأمان.. لتستظل به الأجفان.. ولكنى أعلم
علم اليقين أن عدوى هذا ( يشير إلى العدو ) آلف الغدر.. ونقض العهد..
السلام معه حلم بعيد المنال.. بل ضرب من خيال.. دلونى.. اهدونى ..
لبر الأمان.. حيث لا.. لا.. ملام.. لن أتحمل تبعة هذا القرار وحدى..
قولوها لى..
( يظلم المسرح وتتركز دائرة ضوئية عليه.. يقل الضوء على ثلاث مراحل بعد أن يتكلم فى كل مرة.. .. طرقة نحاسية.. وفى ذات الوقت تزيد الإضاءة على المتفرجين في الوقت الذي تنقص من على الأمير )
: قولوها لى.. صالح أو لاتصالح..
: صالح أو لاتصالح..
: صالح أو لاتصالح.
( وتبقى الأضواء فى صالة المسرح على الجمهور.. وتظلم خشبه المسرح )










