شهد المسرح الليبي المعاصر في العقود الأخيرة تطورات لافتة، على الرغم من التحديات العديدة التي واجهها. ومن بين الأشكال المسرحية التي برزت بقوة، تأتي المنودراما (أو المونودراما) كنموذج فني يُتيح مساحة واسعة للتعبير العميق عن الذات البشرية وقضايا المجتمع، وذلك من خلال صوت واحد وشخصية وحيدة على خشبة المسرح. في هذا السياق، تبرز أعمال المخرج المسرحي عواض الفيتوري كنموذج حيوي لدراسة مدى توظيف هذا الشكل المسرحي في معالجة القضايا الراهنة وتقديم رؤى فنية متفردة.
تُعد المنودراما، بطبيعتها، تجربة مسرحية مكثفة. فهي تتطلب من الممثل قدرات استثنائية في الأداء، ومن المخرج رؤية فنية ثاقبة لتحويل النص المكتوب إلى عرض حي ينبض بالحياة، مستفيداً من كل عناصر الإخراج المسرحي المتاحة. في ليبيا، حيث غالبًا ما تكون الموارد محدودة، تُقدم المنودراما حلاً عمليًا وفنيًا يُمكّن المبدعين من تقديم أعمال ذات جودة عالية بأقل الإمكانيات، مع الحفاظ على عمق الرسالة الفنية.
لقد استطاع عواض الفيتوري، بموهبته الفنية ورؤيته الإخراجية المتميزة، أن يقدم عدة أعمال منودرامية أثرت المشهد المسرحي الليبي. تتميز أعمال عواض الفيتوري بقدرتها على الغوص في أعماق النفس البشرية، مستعرضة صراعاتها الداخلية وهمومها الخارجية. فهو غالبًا ما يتناول قضايا اجتماعية وسياسية شائكة، ويعالجها من زوايا غير تقليدية، مما يثير تساؤلات لدى الجمهور ويدفعه للتفكير. ومن أبرز ما يميز مقاربة عواض الفيتوري للمنودراما هو اعتماده على لغة مسرحية بصرية غنية، تُكمل الحوار وتُعزز المعاني، بالإضافة إلى توجيهه الدقيق للممثل ليُظهر أقصى طاقاته التعبيرية.
إن استخدام المنودراما في المسرح الليبي، كما يتجلى في أعمال عواض الفيتوري، يعكس ليس فقط اختيارًا فنيًا، بل ضرورة تعبيرية في ظل ظروف معينة. ففي مجتمع يشهد تحولات سريعة وتحديات كبرى، تُتيح المنودراما مساحة آمنة للتعبير عن الأفكار الجريئة، وطرح الأسئلة الصعبة، وتسليط الضوء على المهمشين والمقهورين. إنها بمثابة صرخة فردية مدوية، تتجاوز حدود الخشبة لتلامس وجدان المتلقي.
في الختام، تُشكل أعمال المخرج عواض الفيتوري في مجال المنودراما إضافة نوعية للمسرح الليبي المعاصر. فهي لا تُسهم فقط في إثراء التجربة المسرحية محليًا، بل تُقدم نموذجًا يُحتذى به في كيفية توظيف هذا الشكل الفني لمعالجة القضايا المجتمعية بجرأة وعمق، مما يؤكد أن المسرح، حتى بصوت واحد، قادر على إحداث تأثير هائل وترك بصمة لا تُمحى في ذاكرة الجمهور.
طرابلس – ليبيا










