حرصت أمي طوال رعايتها لنا ، علي ألا أخرج من البيت إلا ومعي ثلاثة أشياء : ساعة ، ومنديل ، وقلم ، وظل هذا الحرص يلازمني حتي اليوم !!.
وكان أول عهدي بالساعات حين برقت في عينيّ بللورة تحيط بمعصم شيخ حفيل ، ذات صلاة مغرب ، حين صحبني والدي معه للصلاة في المسجد ، وكنت طفلًا ، حيث كان يؤم الناس ، ولما لاحظ الشيخ اندهاشي خلعها وأعطانيها ، فنسيت الصلاة وتهت في الفرجة عليها ، لقد كانت ساعة يد غير تلك التي يدسها والدي في جيبه الداخلي ، ذات سلسلة فضية طويلة ، مربوطة في أذنها ، ويخرجها عند سؤاله من أحد عن الوقت !!.
ومنذ حينها تعلقت بالساعات ، ولما حصلت علي الإعدادية ، قالوا لي : سل هديتك ، قلت : ساعة ، فكانت !!.
وتنبهت بعد حين إلي أن الساعة عندي هي الزمن ، والزمن هو العمر ، والعمر أغلي هدايا الله للإنسان ، والعمر وعاء ، عليك أن تملأه بما تقدر ، بعلم وعمل وعطاء ، بحسنات أو بذنوب أو خطايا ، والوقت ثروة ، حرصت عليها ، فصرت أقدسه ، ولا أسمح لنفسي أو لمَن أحب أن يهدره ، دقيقًا في مواعيدي ؛ فلا أنتظر أحدًا ، ولا أدع أحدًا ينتظرني !!.
وكانت أمي تصنع لنا مناديل من القماش ، تقصها وتطرزها ، في أوقات فراغها النادرة ، وتوزعها علينا كما توزع الحلوي ، فمنا من كان لا يأبه به ، فيضيعه ، ولكني كنت حريصاً علي اقتنائه ، فتعلمت النظافة ، بل صارت عقدة عندي ، ليست نظافتي فقط ، وإنما المكان والأشياء والهواء أيضا !!.
وصار القلم رفيق دربي ، مثل الفارس وحصانه ، مثل المقاتل وسيفه ، يستوي عندي قلم رخيص بآخر من ذهب ، كلاهما ترجمان عقلي ونبضات قلبي وخفقات مشاعري ، ودائمًا ماكان القلم نعمة ، فلا خانني قط ، ولاخزلني ، ولاشمت أعدائي في ، وإن كان ألقي بي ذات يوم في غيابات مظلمة ، لكنها كانت ضريبة الشرف وثمن المبادئ !!.
قولوا لي بالله عليكم ، كم أم اليوم – ياسادة – تحرص علي ألا يخرج ولدها من البيت ، إلا ومعه ساعة ومنديل وقلم ، فتطمئن إلي دقة مواعيده ، ونظافته ، وثقافته ووعيه !!.










