الأحد , 8 نوفمبر 2026

مأمون الشناوي يكتب.. ساعة .. ومنديل .. وقلم !!

حرصت أمي طوال رعايتها لنا ، علي ألا أخرج من البيت إلا ومعي ثلاثة أشياء : ساعة ، ومنديل ، وقلم ، وظل هذا الحرص يلازمني حتي اليوم !!.
وكان أول عهدي بالساعات حين برقت في عينيّ بللورة تحيط بمعصم شيخ حفيل ، ذات صلاة مغرب ، حين صحبني والدي معه للصلاة في المسجد ، وكنت طفلًا ، حيث كان يؤم الناس ، ولما لاحظ الشيخ اندهاشي خلعها وأعطانيها ، فنسيت الصلاة وتهت في الفرجة عليها ، لقد كانت ساعة يد غير تلك التي يدسها والدي في جيبه الداخلي ، ذات سلسلة فضية طويلة ، مربوطة في أذنها ، ويخرجها عند سؤاله من أحد عن الوقت !!.
ومنذ حينها تعلقت بالساعات ، ولما حصلت علي الإعدادية ، قالوا لي : سل هديتك ، قلت : ساعة ، فكانت !!.
وتنبهت بعد حين إلي أن الساعة عندي هي الزمن ، والزمن هو العمر ، والعمر أغلي هدايا الله للإنسان ، والعمر وعاء ، عليك أن تملأه بما تقدر ، بعلم وعمل وعطاء ، بحسنات أو بذنوب أو خطايا ، والوقت ثروة ، حرصت عليها ، فصرت أقدسه ، ولا أسمح لنفسي أو لمَن أحب أن يهدره ، دقيقًا في مواعيدي ؛ فلا أنتظر أحدًا ، ولا أدع أحدًا ينتظرني !!.
وكانت أمي تصنع لنا مناديل من القماش ، تقصها وتطرزها ، في أوقات فراغها النادرة ، وتوزعها علينا كما توزع الحلوي ، فمنا من كان لا يأبه به ، فيضيعه ، ولكني كنت حريصاً علي اقتنائه ، فتعلمت النظافة ، بل صارت عقدة عندي ، ليست نظافتي فقط ، وإنما المكان والأشياء والهواء أيضا !!.
وصار القلم رفيق دربي ، مثل الفارس وحصانه ، مثل المقاتل وسيفه ، يستوي عندي قلم رخيص بآخر من ذهب ، كلاهما ترجمان عقلي ونبضات قلبي وخفقات مشاعري ، ودائمًا ماكان القلم نعمة ، فلا خانني قط ، ولاخزلني ، ولاشمت أعدائي في ، وإن كان ألقي بي ذات يوم في غيابات مظلمة ، لكنها كانت ضريبة الشرف وثمن المبادئ !!.
قولوا لي بالله عليكم ، كم أم اليوم – ياسادة – تحرص علي ألا يخرج ولدها من البيت ، إلا ومعه ساعة ومنديل وقلم ، فتطمئن إلي دقة مواعيده ، ونظافته ، وثقافته ووعيه !!.

شاهد أيضاً

د. عادل عامر يكتب.. جرائم الاشتباه في القانون الجنائي.. بين مقتضيات الأمن العام وقرينة البراءة وحرية الإنسان

تُعد جرائم الاشتباه من أكثر الموضوعات الجنائية إثارة للجدل؛ لأنها تقع عند نقطة التقاء حساسة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *