يُعدّ مسرح الشارع ظاهرة فنية واجتماعية متفردة، تتجاوز حدود خشبة المسرح التقليدية لتلامس الحياة اليومية للناس في فضاءاتهم العامة. في ليبيا، كان للأستاذ عبد الله مفتاح هويدي السبق في تناول هذا الموضوع الحيوي، من خلال مقاله المعنون “مسرح الشارع” الذي نُشر في مجلة “آفاق مسرحية” وضمن سلسلة “تحقيق اشتراكية الثقافة” (العدد 39 لسنة 1985). هذا العمل الرائد لم يكن مجرد مقال، بل كان بمثابة حجر الزاوية الذي وضع مسرح الشارع على الخارطة الثقافية الليبية.
لقد استشرف هويدي في دراسته أهمية مسرح الشارع كأداة قوية للتعبير الفني والاجتماعي. ففي زمن كانت فيه الفنون المسرحية محصورة إلى حد كبير داخل الجدران المغلقة، رأى هويدي في مسرح الشارع وسيلة لكسر هذه الحواجز، وإيصال الرسالة الفنية إلى جمهور أوسع وأكثر تنوعًا. إن خروج المسرح إلى الشارع يعني إزالة الحواجز بين المؤدي والمتلقي، وتحويل الفضاء العام إلى مساحة للتفاعل المباشر وغير الوسيط.
لماذا مسرح الشارع؟
يتناول الأستاذ هويدي في مقاله الدوافع والأهداف الكامنة وراء ممارسة مسرح الشارع. لعل أبرزها هو دوره في:
الوصول إلى الجماهير: بخلاف المسرح التقليدي الذي يتطلب من الجمهور الحضور إلى قاعة عرض معينة، يأتي مسرح الشارع إلى الجمهور حيث يتواجدون، سواء في الأسواق، الساحات العامة، أو حتى الأحياء السكنية. هذا يجعله أكثر شمولية وقدرة على الوصول إلى شرائح مختلفة من المجتمع.
التفاعل المباشر: يتيح مسرح الشارع للممثلين فرصة التفاعل الحي والمباشر مع الجمهور، مما يخلق تجربة فريدة وديناميكية. يمكن أن يتطور العرض ويتغير استجابة لردود فعل المتفرجين، مما يجعله تجربة حية ومتغيرة باستمرار.
معالجة القضايا الاجتماعية: غالبًا ما يستخدم مسرح الشارع كمنصة لمعالجة القضايا الاجتماعية والسياسية الملحة. فبفضل مرونته وقدرته على الوصول السريع، يمكن أن يكون وسيلة فعالة لإثارة النقاش والتوعية حول موضوعات هامة تمس حياة الناس بشكل مباشر.
تحطيم الحواجز: يساهم مسرح الشارع في تحطيم الحواجز بين الفن والحياة اليومية. فهو يدمج الفن في نسيج المجتمع، ويجعله جزءًا عضويًا من الحياة العامة، وليس مجرد نشاط ترفيهي أو ثقافي محصور في قاعات معينة.
أثر المقال في المشهد الثقافي الليبي
كان لمقال الأستاذ عبد الله مفتاح هويدي تأثير بالغ الأهمية في المشهد الثقافي الليبي. فبالإضافة إلى كونه أول تناول ليبي لموضوع مسرح الشارع، فقد فتح آفاقًا جديدة أمام الفنانين والمسرحيين لاستكشاف هذا الشكل الفني. لقد ألهم المقال جيلًا من المسرحيين للتفكير خارج الصندوق، والبحث عن طرق مبتكرة للتعبير عن أنفسهم والتفاعل مع مجتمعهم.
إن هذا العمل يظل شاهدًا على بصيرة هويدي ورؤيته الثاقبة لأهمية الفنون في تشكيل الوعي المجتمعي. ففي عام (1985)، كان حديثه عن مسرح الشارع بمثابة دعوة جريئة للخروج بالفن من صالاته المغلقة إلى الفضاءات الرحبة، حيث يمكن أن يلتقي بالناس ويتفاعل معهم في بيئتهم الطبيعية.
طرابلس ليبيا










