ليس سرا أن الأنهار لا تُختطف فجأة ، ولا أن القضايا الكبرى لا تتحرك من فراغ. سد النهضة لم يكن يوما أزمة فنية محضة بل مسألة سياسية عميقة الجذور وميدانا لتوازنات القوى واختبارا لمدى صلابة الإرادة الوطنية أمام تهديدات مائية متنكرة في هيئة مشاريع تنمية. لذا فإن عودة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب للحديث عن السد بعد سنوات من الصمت ليست مجرد تعبير عن قلق إنساني بل جزء من مشهد أكبر تتقاطع فيه المصالح الأمريكية مع خرائط النفوذ في إفريقيا.
حين يقول ترامب إن الولايات المتحدة موّلت السد الإثيوبي فهو لا يعترف فقط بمعلومة يعلمها الجميع بل يُعيد ترتيب الطاولة بلغة المصالح: من موّل، يملك أن يُفاوض، أو يبتز. ومن بنى، يملك أن يُشعل أو يُهدئ. ومن صمت سنوات ثم نطق فجأة فلابد أن يسأل نفسه: لماذا الآن؟ ولمن تُكتب الرسائل الخفية؟
الرئيس الأمريكي الذي اعتاد استخدام الملفات الدولية كأوراق ضغط في حملاته الانتخابية أو لتحسين صورته السياسية اختار لحظة مشحونة من التوتر الإقليمي ليتحدث باسم مصر وقلقها ونيابة عن النيل وشريانه لا لشيء إلا ليضع نفسه على خريطة التفاوض أو يعيد تثبيت واشنطن كلاعب رئيسي في معادلة ظلت القاهرة تديرها بذكاء دبلوماسي فريد بعيدا عن ضجيج العواصم.
تصريحات ترامب – على ما تحمل من عبارات ودّ ظاهرية – لا يمكن فصلها عن تصاعد التحركات المصرية في ملفات أخرى أكثر إزعاجا لبعض مراكز القرار الأمريكية: تنويع الشركاء الاستراتيجيين الانضمام إلى مجموعة “البريكس”، تطوير العلاقات الدفاعية مع دول كبرى في الشرق والجنوب والموقف الصلب من مأساة غزة ورفض الانخراط في سياسات المقايضة الإقليمية.
لذلك فإن ظهور ملف السد على لسان ترامب في لقاء رسمي مع الأمين العام لحلف الناتو ، لا يمكن قراءته كاستطراد عابر. فالمكان والمضمون واللغة كلها توحي بأن وراء الأكمة ما وراءها. والأهم أن مصر التي لم تُراهن يوما على ضجيج البيانات تدرك تماما أن المعركة ليست فقط على مياه بل على الإرادة.
طوال السنوات الماضية خاضت القاهرة هذه المعركة الشرسة بأدوات السيادة والصبر والاحتراف. لم تنجرّ وراء التهديدات ولم تفرّط في حقوقها ، بل عملت على بناء قدرة تفاوضية وبدائل استراتيجية تحمي أمنها المائي مهما تغيرت الظروف. لم تكن الأزمة في إثيوبيا وحدها بل في أطراف دفعت في الكواليس وأدارت من الخلف. وها هي بعض الأصوات تخرج لتقول: نعم نحن من موّلنا..!
مصر التي رفضت ابتزاز السلاح وابتزاز المياه وابتزاز المعونات تعرف أن المواقف لا تُشترى ولا تُقايض. تعرف أن النيل ليس نهرا فحسب بل شريانًا حضاريًّا وروحيًّا واستراتيجيًّا لا يمكن العبث به. وتعرف أن إعلان القلق من ترامب قد يكون قلقا على الاستقرار أو قلقا من استقلال القرار المصري.
أما عن المضمون فهل حقا جاء ترامب ليحسم؟ أم ليُذكّر الجميع بأن واشنطن تملك خيوطا لا تُرى؟ الحقيقة أن مصر لا تُراهن على أحد ولا تُسلّم مفاتيح أمنها للغير. لذلك ستظل القاهرة تطالب باتفاق قانوني مُلزم يُحدد قواعد الملء والتشغيل ويمنع أي عبث أو تهديد لمصالحها المائية.
ترامب يريد أن يكون جزءا من الحل لكن السؤال الحقيقي: هل من موّل السد يمكن أن يكون حكما نزيهًا؟ وهل من غضّ الطرف عن الانتهاك يمكن أن يكون ضامنًا لسلامته؟ إن إعادة طرح ملف السد في توقيت كهذا مع تصعيد مواز في ملفات غزة ومفاوضات هشة في السودان ، تُشير إلى شيء واحد: المياه ليست فقط موردا بل ورقة ضغط قد تُستخدم في الوقت الخطأ.
ووسط كل هذا تظل مصر ثابتة على مبادئها: لا تفريط لا تهوّر، لا خضوع. تُحاور وتُفاوض لكنها لا تُساوم على حقوقها. تُقدّر من يُقدّرها لكنها لا تُنسى من حاول أن يُساومها. تدرك أن النيل ليس مجرد نهر بل اختبار طويل لعقود من الصبر واليقظة والثقة في النفس.
مرحّبٌ بأي وساطة نزيهة بأي دعم حقيقي بأي موقف يساند العدالة والحق. لكن التحذير واضح: لا أوراق ضغط على حساب السيادة. لا تسويات تحت الطاولة. لا اختراقات باسم الدعم الإنساني. فمصر تعرف مَن معها ومَن يدّعي ومَن يريد أن يُمرر مشاريعه على ضفاف الأزمة.
التاريخ لا يرحم الذين تاجروا بالأزمات والمستقبل لا يبتسم لمن يستهينون بحكمة الشعوب. ومصر التي مرّت من أزمات أصعب لن تُلدغ من النيل ولا من واشنطن ولا من وهم الزعامة في حملات انتخابية عابرة.










