لم يكن البدر حاضراً تلك الليلة
لم يصعد..
لم يتجرأ على الظهور
كأن السماء أغلقت عليه بابها وعلقت على وجهها ستائر النجوم المصطفة في صمت مهيب
لم تكن ليلة للعرض بل ليلة للانبعاث
هناك داخل زجاجة تشبه التعاويذ كانت نائمة
تقبع على جنبها الأيسر كأنها تسند عمرها كاملاً من النفي والغربة.
سنوات…
عقود…
قرون…
لا أحد يعلم كم مكثت ولا هي كانت تملك الوقت لتعد
كان اسمها
ليليث
أو هكذا كانوا يُنادونها في وادي عبقر، حيث اجتمع أدباء الجن وشعراء الظلام والموسيقيين العالقين بين عالمين
جاؤوا بأحلامهم وسخريتهم بدموعهم المزيفة ومزاميرهم التي تشبه الأنين او النواح
كانوا يرقصون على إيقاع الباطن لا يعرفون أن منامها هو صمت العاصفة
حاولوا مرارا أن يوقظوها بألسنة اللهب لم تُفتح الزجاجة
في الجليد لم تتفتت الطلاسم
صوتهم الوحيد الذي بلغها هو صوت الغرور صوت عبثهم المتكرر
لكنها صرخت
لم تكن صرخة فزع بل صرخة نداء، صرخة عودة
ارتجت الأرض تحت أقدامهم حين خرجت.
كأن القمقم كان رحمًا ناريًّا وكأنها الآن تلد نفسها من جديد
قالت وهي تمشي مترنحة:
“هناك صوت… أسمعه من بعيد… ليس منكم، ليس من الجن، ليس من عالم الكلمات المهترئة.”
تركها الحراس رغم الخوف تمضي وحدها تتبع ذلك الصوت النداء الأثيري الذي لا يُشبه شيئا إلا اليقين القديم
تعثرت خطواتها ساقاها تلتفان أنفاسها تتسابق،
لكنها تمشي
كأنها تمشي لأول مرة كأن الأرض تكتشفها معها
النداء لا يُفسّر
صوت؟ طيف؟ جذبة؟
ربما كان من بشرٍ نائم في الأرض أو من نجم يحتضر في السماء
لكن حين وصلت لم يكن هناك شيء.
صرخت صرختها الثانية
اهتزت المدينة الخفية
هربت الذئاب
وسقط القمر في بئر من الغمام
قال كبيرهم بصوت خافت:
لقد خرجت لكنها لن تعود كما كانت
هذه ليست ليليث بل ظلّها الجديد
ثم صمت الجميع
وهي اختفت داخل الصرخة…
كأنها ذابت فيها










