لافتة عبقرية في وسط حي شعبي في القاهرة أعلنت بكل جراة وبساطة السقوط المدوي للعولمة التي صدع الغرب ( أمريكا وأوروبا) بها العالم على مدى العقود الماضية.. اللافتة المعلقة على حائط بيت قديم اضافت دليلا شعبيا صادقا الى جانب الأدلة السياسية الأخرى على فشل العولمة الذريع وعدم قدرتها على فرض نمط معين من الازياء او الطعام
على شعوب العالم..
أهمية اللافتة العبقرية انها جاءت عفوية ومواكبة للحظات التي تلفظ فيه العولمة أنفاسها الأخيرة على المستوى الاقتصادي العالمي وتتجلى ابهى صور السقوط في حالة اللخبطة والارتباك في الإدارة الامريكية والتي تتصرف وكانها فقدت صوابها مع كل دول العالم رافعة راية فرض الرسوم الجمركية..لمن يتحدى او يجرؤ على المقاومة..
المثير في قضية التمرد على العولمة انه جاء من قبل أمريكا بعد ان شعرت بان السحر انقلب على الساحر وانها لاتحقق لها مصالحها الاقتصادية في الهيمنة على الأسواق العالمية وان القوى الدولية الصاعدة تستفيد بشكل افضل..
المدهش ان العولمة بدأت صراعها او ضربات البداية من خلال الوجبات السريعة وتحديدا الكنتاكي ومشروب الكولا وما عرف باسم الكوكالايزيشن وكذلك الملبس وخاصة الجينز ونشر ثقافة الجينز بين الشباب في دول العالم وخاصة النامية.. وتنتهي أيضا برفض الاكلة واللباس!!
الحقيقة ان الدول الغربية الاستعمارية ابدعت في وسائل الاختراق للمجتمعات العربية والإسلامية لاهداف واضحة ومحددة في مقدمتها اخراج الناس من دينهم واضعاف عرى الايمان في النفوس ولتحقيق السيطرة عليها وتوثيق الارتباط واحكام عمليات الخضوع في المجالات المختلفة تم التركيز على المراة والشباب وافساد الذوق العام والخاص أيضا ومحاولة خلق نماذج تغريبية تعيش الغربة في مجتمعها شكلا ومضمونا..
وأول مظاهر الغربة والتغريب كان الزي سواء للمراة والشباب والمراقب الحصيف او غيره يستطيع ان يسجل بسهولة مظاهر الانسلاخ التي تصل في كثير من الحالات حد المسخرة لاحظ ملابس الفتيات والشباب ليس فقط المحزق والملزق او العري وما شابه.. ويتمسك بها شرائح معروفة من الشباب والفتيات ويتفاخرون بها رغم ما يثيره مظهرهم من سخرية واستهزاء واحيانا شفقة وحزن على ما وصل اليه الحال..
الأكثر حزنا ان محاولات المقاومة لا تكاد تجدي نفعا امام موجات العناد وبعض الأصوات الزاعقة التي تدعي حرية شخصية ورفضا لاي نوع من الالتزام والتمسك بالقيم والحفاظ على الحد الأدنى من الاخلاق والذوق العام..
العجيب انهم يتمسحون بشعارات المدنية والتحضر وانهم يسيرون او يتبعون الموضة ويتناسون انه تم توظيف تلك الشعارات سياسيا واجتماعيا لاخراج الناس ليس فقط من هدومها بل من دينها ومن كل ما يسترها في الدنيا والاخرة..
فالموضة لغت العقول تماما وهي اكثر تاثيرا في المراة والشباب وفيها ومعها ترى العجب العجاب ومما يشيب له الاجنة في البطون بدءا من الميني جيب والهوت شورت والاستومك وغيرها مما يكشف ويعري ولا يستر عورة اوغيرها ويصف ويشف ويفضح المفضوح أيضا.
لكل ذلك جاءت عبقرية اللافتة الشعبية بكلمات موحية ومعبرة :”استرجل وما تلبس اهل بيتك محزق”..انها دعوة صريحة للمقاومة ومواجهة كل ما يفسد القيم ويتعدى على الاخلاق ويثير الفتنة ويحرض على الرزيلة في المجتمع..لايخفى على كل ذي لب ان كل تلك المظاهر الخليعة والغريبة في اللباس والمظهر العام طارئة على مجتمعاتنا ومنافية لكل القيم والأخلاق الدينية والأعراف الاجتماعية واصول الحشمة والذوق العام..كما انها تمثل إهانة واستهانة بالقيم والأخلاق..
بالطبع هناك من يستفزهم هذا الكلام ممن يعشقون الفوضى ويتربحون منها وخاصة أولئك الذين يحبون ان تشيع الفاحشة في الذين امنوا ومن لا يرعون حدود الله وحقوق العباد وان يسود الامن والسلام ارجاء البلاد..هؤلاء ومن على شاكلتهم يرفضون حتى المثل الشعبي الحكيم:”كل ما يعجبك والبس ما يعجب الناس”..
من بديع ما قرأت حول اصل هذا المثل انه يعود الى احد الائمة الاعلام في القراءات القرانية المشهورة ابوعمرو البصري(المتوفى ١٥٤ هـ )وكان أعلم الناس بالقراءات والعربية والشعر وأيام العرب وكانت دفاتره ملء بيت إلى السقف ثم تنسك فأحرقها. وكان من أشراف العرب مدحه الفرزدق وغيره.وهو صاحب الحكمة المشهورة :كن على حذر من الكريم إذا أهنته ومن اللئيم إذا أكرمته ومن العاقل إذا أحرجته ومن الأحمق إذا مازحته ومن الفاجر إذا عاشرته وليس من الأدب أن تجيب من لا يسألك أو تسأل من لا يجيبك أو تحدث من لا ينصت لك .
روي أن شيخنا أبا عمرو رحمه الله كان في مجلس ونظر إلى بعض أصحابه وعليه ثياب مُشَهَّرة، فقال:”يا بني كل ما تشتهي والبس ما يشتهي الناس”..والثياب المُشَهَّرة قالوا انها هي:الفاضحة المفضوحة..
اللعب بالزى والخروج به عن حدود الذوق العام والادب والأخلاق مسالة خطيرة وتعد من صور الفساد الاجتماعي والأخلاقي الواجب محاربته ومقاومته بكل قوة بلا تهاون او تراخي ولا مجال بعد الان للسكوت تحت أي ضغوط من قبيل إرضاء الغرب او التيار العلماني والامعان في اقصاء المتدينين..فما حدث ويجري على الساحة قد اسقط كل أوراق التوت ودعاوى الزيف والضلال والبهتان التي خدرنا بها الغرب وخدع المتغربين على مدى الزمان..
** من القصائد الجميلة والمؤثرة لشاعر القطرين خليل مطران مصورا احد المشاهد التاريخية عندما غضب كسرى على وزيره بزرجمهر فحكم عليه بالموت وفي يوم تنفيذ الحكم رأى ابنة الوزير سافرة الوجه وقد كان ذلك عند الفرس عارًا فتساءل ما الخطب..فيجيب مطران:
مَا كَانِتِ الْحَسْنَاءُ تَرْفَعُ سِتْرَهَا
لَوْ أَنَّ فِي هَذِي الجُمُوعِ رجَالاَ..
والله المستعان..
megahedkh@hotmail.com










