لا تسمحوا بتزييف وعيكم (عدد الفاتح من سبتمبر)
نحن الآن في زمن غريب ، زمن الرويبضة -إلا من رحم ربي- بمعنى سفهاء القوم يتكلمون في أمور القوم بعلم وبغير علم.
بداية هيا نحلل المصطلحات الآتية ، تزييف ، مزيف بضم الميم وكسر الزاي ومزيف بضم الميم وفتح الزاي ، والوعي ، وكذلك الهوية بضم الهاء وكسر الواو.
فمن هو المزيف هو المضلل الذي يضلل الناس قالبا الحق باطلا والباطل حقا فهو مخداع يخدع الناس ويبيع لهم الوهم ، ويصور الواقع المرير ورديًا وجميلًا كمن يغترف بيده شربة ماء مالح ويضعها في فمه ويظهرون أمام الجميع ويقولون ما أعذب هذا الماء وما أجمله ، أو كمن يصور للناس بكاميرته المناطق الجميلة ويعمم الحكم على كل المناطق ويطلق الأحكام على عواهنها ، ولا يظهر إلا جزءا من الواقع ، كما يحدث عندما يزور مسؤول ما إحدي المؤسسات الحكومية ، يستقبل بالورود والزينات ولا يظهرون له إلا الشكل فقط والمضمون أجوف.
قس على ذلك في العملية التعليمية مثلا عندما يعمل مدرس الفصل بزيارة قادمة إليه من موجه يقوم بوضع الطلاب المتفوقين في مقدمة الصفوف حتى توجه لهم الأسئلة ، المهم (اضحك عشان الصورة تطلع حلوة)، وما خلف الصورة من حزن وكآبة ورقص على قوت البسطاء وضحك على الذقون ، هذا لا يهم ، المهم صورة المسؤول الأدنى تطلع حلوة أمام المسؤول الأعلى فالأعلى وهكذا دواليك.
وهذا ليس بجديد فإذا ما استقرأنا تاريخ الفكر الفلسفي ، ولا سيما فكر السوفسطائية دعاة التنوير ، الذين استخفوا قومهم وأضلوا عقول البسطاء الذين لا يجيدون فن الحوار ، وحاولوا إقناعهم بنسبية الحقائق ، وأنه لا يمكن قيام معارف لاعتمادها على الحواس ، وأنه لا يوجد شيء على الإطلاق ، راجعوا مقولة جورجياس في كتابه اللاوجود ، أنه لا يوجد شيء على الإطلاق وحتى إن وجد لا نعلمه وإذا علمناه لا نستطيع إيصاله للآخرين.
ونسي هذا المسفسط أن الكتاب موجود فكيف يكون الشيء موجودا وغير موجود في آن واحد ، قس على ذلك كيف نصور للناس أنه ليس ثمة غلاء للاسعار والناس ترى ذلك بأم أعينها في الأسواق.
نعم ناقشهم سقراط ودحض فرياتهم وناقش أرسطو فحلا من فحولهم وهو إقراطليوس ودخل معه في حوار ، وكلاهما يريد أن يقنع الآخر ، إقراطليوس يريد أن يثبت عدم وجود شيء فامتنع عن الكلام وأرسطو يستفزه بأسئلته ، حتى جعله يحرك إصبعه ، فقال له أرسطو ،تحريكك لإصبعك دليل أنطولوجي، دليل وجودي على أنك موجود ، فما الداعي للإنكار.
ونسي هؤلاء المسفسطون – ولكل عصر مزيفوه ومسفسطوه- أو تناسى أو زين لهم الشيطان سوء عملهم فرأوه حسنا ، نسي هؤلاء أن السائل والمسؤول والناظر والمنظور جميعهم سيقفون أمام المسؤول الأعظم الذي أمرنا أن نؤدي الأمانات إلي أهلها ،(إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل)، والأمانة الرعية والمستأمن الرعاة ، فالكل سيقف (وقفهم إنهم مسؤولون)، فالجميع سيقف أمام المسؤول الأعظم الله سبحانه وتعالى.
وسيسأل المزيف لماذا فعلت ذلك لماذا كنت مسفسطا مموهًا مخداعًا، من الذي أمرك بهذا وما الذي دفعك إلى هذا ، لماذا دهستم أحلام البسطاء ووعدتموهم، لماذا طالبتموهم بالتقشف وأنتم تسكنون القصور ، حقا صدق فيكم قوله تعالى (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار).
نعم المزيف منافق مداهن ، من أجل الحفاظ على كرسيه أو سلطته أو لتحقيق مكاسب مادية، يبيع عقله وعلمه وقلمه من أجل الدرهم والدينار والدولار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار- يفعل ما يطلب منه وهو يعلم تمام العلم أن ما يفعله وما يقوله مناف للواقع.
وهم كثر للأسف الآن ، حملات شرسة تشن على أئمتنا من بعض الأبواق العفنة التي تنعق نعقا بما لا تعلم ، تطاول على الأئمة الأربعة ، ومن قبلهم النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم ، ومن بعده صحابته ، ثم أبواق العصر وآلاتهم الإعلامية التي تتطاول على أهل القرآن والفقه الذين ملأوا الدنيا علما وفقها ويتهمونهم بالتمثيل وأنهم لا يفقهون شيئا ، سبحان الله ، (والله من ورائهم محيط)، نعم محيط وخبير بكل ما تفعلونه ، أليس هذا تزييف وزيف للتاريخ وتزوير له ، ما شأنكم أنتم ومجدد العصر فضيلة الشيخ شيخ المجددين الشعراوي رحمه الله تعالى ، أم هي ملهاة لإلهاء الناس وتزييف وعيهم وصرفهم عما يشغلهم وصرفهم عما يحدث فى الأسواق من غلاء معيشي ، أم هي أجندات خارجية تنفذونها لتشكيك الناس في معتقدهم وفي أئمتهم (قل موتوا بغيظكم)، (ولا يفلح الساحر حيث أتى.
من هو المزيف بضم الميم وفتح الزاي والياء.
فالمزيف الذي يحاول البعض تزييفه من أبواق مأجورة ليس لها هم إلا التربح والكسب والرقص على حثث الغلابة والفقراء وايهامهم أن كل شيئ على ما يرام ، وكله تمام ، وتقديم المسكنات أو البدائل البالية والحجج الواهية ، وكثيرة هي الأبواق سواء الإعلامية أو حتى المنابر الدينية التي تعظ الناس بالصبر والجلد والمثابرة والاصطبار وللأسف يلوون عنق النصوص ، فينصحوا الناس بالمواطن والحفاظ على الأوطان وهم أول من يبيعون أوطانهم بثمن بخس ، ينصحون الناس بالزهد والتقشف وهم أو بعضهم يسكنون الفلل والقصور ويأكلون أجود الأطعمة وافخمها وينصحون الناس بالتوفير فبدلا من أن يقدموا الحقائق واضحة للناس يزيفون الواقع بحقائق مغلوطة ، يفرشون الأرض بالورود ، وما قيمة هذه الورود والأرض بور ، تحتاج إلى استصلاح حقيقي ، ولا يتحقق ذلك إلا بصلاحكم ، لكن (اسمعت لو ناديت حيا).
لماذا لا تطرحون مشاكلنا وهي كثيرة ، لماذا لا تطرحونها دون زيف ، دون خداع ، لماذا لا تستضيفون خبراء إقتصاد حقيقيون قلبهم على البلد فعلا ليقدموا رؤيتهم الحقيقية والحلول المقترحة للخروج من هذه الأزمة الإقتصادية الطاحنة والآثار الإجتماعية المترتبة عليها واهمها ازدياد الفقير فقرا ، وتمسك الغني بأمواله خشية أن تضيع منه ، لماذا لا تستضيفون علماء دين ينصحون الناس بالتعاون لتحقيق التكافل الإجتماعي.
لماذا تصدون كل من يقول كلمة حق وتتهمونه بالعمالة وتصبوا عليه وابلا من اللعنات والخيانة ، (أليس منكم رجل رشيد)، رجل عقيل.
نعم هذا حال أمتنا العربية ، إلا ما رحم ربي ، فلا أريد أن تصيبني لعنة وخطيئة التعميم، الكل يتحدث عن السلام العادل ،لكن أين هو على أرض الواقع ، القوي يكشر عن أنيابه بغية الهيمنة والسيطرة على العالم ومنه الدول النامية التي حتى لا تمتلك قوتها ولا قوتها ، فكيف يكون هذا السلام ، كلا ، إنه استسلام ، من يدفع ويطأطأ رأسه يكون هو الحبيب والمقرب إلى الكاهن الأعظم (سادة العالم)، ومن يتمرد أو حتى يقول كلمة مجرد كلمة حق ويقولها على استحياء ينكل به وتفرض عليه عقوبات وحظورات إقتصادية وخلافه .
إذن أليس هذا تزييف للواقع ، ليس ثمة أحلام وردية نرجسية ، وإنما أحلام يقظة ، أضغاث أحلام ، نحلم بكل ما هو حق وخير وجمال ونستيقظ على اللاشيء ، الحال هو الحال هو هو كما هو.
فضلا لا تزيفوا الواقع انقلوا الصورة حقيقية دون مواربة حتى نجد الحلول الناجعة لمشكلاتنا ولمشكلة وطننا الأكبر وأمتنا العربية ، لا تقولوا كله تمام ، لا تقولوا كله سيصبح جيدا ، نعم سيصبح جيدا لكن ليس بالكلام وإنما بالعمل الجاد فعلى سبيل المثال ، لابد أن تكون هناك حالات مكثفة للقضاء على ظاهرة الاحتكار المنتشرة الآن عن طريق حملات تفتيشية مفاجأة للتجار الجشعيين والمحتكرين الذين يتاجرون بقوت الشعب وبسلعه الضرورية.
كذلك عن طريق توضيح رأي الدين في مسألة الاحتكار وهنا أخاطب علماء الدين والأزهر الشريف والأوقاف والافتاء.
إذا أردنا حقا نهضة حقيقية لبلادنا فلا تدفنوا رؤوسكم فى الرمال ولا تزيفوا الحقائق لأن الجميع يرى ويشاهد ، والله خير شاهد.
هذا بالنسبة للمزيف.
أما تعريفنا للوعي و الهوية.
فأقول :
الوعي بمعنى الإدراك والإدراك ينقسم إلى قسمين:
الذات الدراكة والموضوع محل الإدراك
السؤال متى تكون العلاقة بينهما علاقة تلازم ،ومتى تكون علاقة طردية عكسية
الذات المدركة نحن،والموضوع محل الإدراك
المادة التى تقدم لنا ،ودورنا كمتلقين لهذه المادة ،فإذا ما عرضتها على ذواتنا ،ووجدناها لاقت استحسانا وقبولا منطقياً رفعنا لها القبعة ،وفى هذه الحالة تكون العلاقة تلازمية .
أما إذا كان ما يقدم لنا غثا زبدا فسوف يذهب جفاءا وسيكون لنا موقف منه ،هذا الموقف سيتمثل فى نقده عن طريق نقدا منهجيا يقوم على الدليل والحجة والبرهان
فلا ينبغي بحال من الأحوال أن نقف موقف المتفرج على ما يدور حولنا من مستحدثات الأمور بل وبعقولنا الدراكة الواعية المستنيرة لا نقبل أكتب ما يملى عليك ،ولا نقبل بلا أريكم إلا ما أرى ،ففى هذا تزييف للوعى وإهدار للذات المفكرة ولنضرب على ذلك مثالا ، هل يليق بنا أن نرى هذه الهجمات الشرسة الممنهجة على الإسلام ونقف متفرجين ، هل نقبل ما طرحه زويمير من الطعن في الإسلام والمسلمين وتشكيك المسلم في عقيدته بحيث يجعله مسلم بشهادة الميلاد ، أجوف لا يعي شيئا عن الإسلام وهذه هي الحملات المأجورة الممنهجة الآن ، هل نقف ننظر متفرجين ولا يكون لنا موقف من الهذا الزويمر وخلافه.
إذا وقفنا هذا الموقف ، أقصد موقف المتفرج واللامبالاة فهذا هو الخسران المبين ، وهذا جد فقدان للهوية الإسلامية ، فمن لا يدافع عن دينه لا يدافع عن عرضه ومن لا يدافع عن عرضه لا يدافع عن أرضه ، ومن لا يدافع عن كل هؤلاء فاقد لهويته وفاقد لأهليته ، ولبطن الأرض أفضل له إذا قبلته ولم تنبذه.
والذي يسمح لأحد أن يزييف وعيه ويمحو هويته وشخصيته فليس له نصيب من الإنسانية ويصدق عليه قول الله تعالى (أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ، فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين).
أعاذنا الله وإياكم من التيه والضلال.
أستاذ الفلسفة بآداب حلوان.










