أخيرا..أعلنت الأمم المتحدة رسميا حالة المجاعة في غزة، وقالت في تقاريرها إن تجويع الناس لأغراض عسكرية جريمة حرب ترتكبها إسرائيل ووصمة عار على جبين العالم، وطالبت الأطراف ذات النفوذ باستخدام تأثيرها بحزم وإحساس بالواجب الأخلاقي لإدخال شاحنات الإغاثة التي تقف على بعد أمتار من غزة، فالغذاء مكدس عند الحدود، والمستودعات في مصر والأردن ممتلئة بما يكفي من الغذاء والدواء والمواد الصحية لتعبئة 6 آلاف شاحنة.
هذا أمر جيد أن تكشف تقارير المنظمة الدولية الحقيقة وتعلنها للعالم حتى وإن جاءت متأخرة، ولكن ما قيمة هذه التقارير، وما قيمة المناشدات والدعوات والتصريحات والإدانات؟ وما قيمة الحديث عن القانون الدولي ما دامت إسرائيل تستهين به، وتعتبره مجرد دخان في الهواء لن يردعها بعقوبات كما يحدث مع الدول الأخرى؟
لذلك لم يعد لدى الفلسطينيين المشردين المجوعين ثقة بالأمم المتحدة وتقاريرها ووعودها، ولا تثريب عليهم إذ يئسوا من النظام الدولي الحالي وقدرته على إقامة ميزان العدل لقضيتهم، وإذ يئسوا من أن يروا أفقا لحل سياسي يعيد إليهم حقوقهم المشروعة، ولم يبق أمامهم غير المقاومة، ليحاربوا معركتهم بأنفسهم مهما كلفهم ذلك من تضحيات، ومهما كانت قوة عدوهم وقوة الداعمين له، فالمصير واحد، ومن لم يمت بالصاروخ سيموت بالجوع والعطش.
المقاومة في نظر الفلسطيني هي الطريق الوحيد إلى السلام والأمن والاستقرار بعد أن أغلقت أمامه كل الطرق، وصارت إسرائيل وأمريكا تتنكران لحقوقه وتتآمران لتهجيره وإزاحته من أرضه كي يسكنها المستوطنون، وتكرسان لاستمرار الاحتلال والحصار والمجاعة.
المقاومة هي صاحبة الشرعية الوطنية رغم ما تواجهه من صعوبات وما تتحمله من تضحيات، وكلما ضاق الخناق عليها جاءت ضرباتها موجعة لتحيي الأمل في النفوس المحبطة، مثلما حدث في كمائن خان يونس الأخيرة، حيث خرج رجالها من أعماق الأنفاق السحيقة، ومن بين ركام البيوت المهدمة، ليصطادوا جنود العدو وضباطه المدججين بأحدث الأسلحة والذخائر، يقتلونهم من المسافة صفر، ويدمرون دباباتهم ومعداتهم الثقيلة في كمائن الرعب، ليس في أيديهم غير أسلحة بدائية، ولكن قلوبهم عامرة بالإيمان والعقيدة الراسخة، والقضية هنا ليست حماس أوالجهاد أو فتح، بل جوهر فكرة المقاومة، تذهب الأسماء والمسميات ويأتي غيرها، وما دام هناك احتلال فهناك مقاومة.
ولقد نجحت المقاومة الفلسطينية في إثبات وجودها أمام الأسلحة المتطورة التي ترسلها أمريكا وأوروبا لإسرائيل، وهاهم الإسرائيليون يفرون إلى الخارج هربا من التجنيد، وجيش الاحتياط يتمرد ويرفض القتال في غزة، وبعضه ينتحر أو يخضع للعلاج النفسي، وأهالي المجندين يتظاهرون مع أهالي الأسرى ضد نتنياهو وحكومته، ويطلبون الإسراع بإنهاء الحرب، ورئيس الأركان يرفض خطة احتلال غزة لأنها تعني مزيدا من استنزاف الجيش، وها هي إسرائيل تطلب عبر إعلانات الصحف 12 ألف متطوع من الفرنسيين والأمريكيين للانضمام إلى جيشها الذي أصابه الوهن.
إن السلاح لاينطق، وإنما ينطق به الرجال، وإذا كان مئات المتطوعين قد تقاطروا على إسرائيل في الشهور الأولى لعدوانها بعد السابع من أكتوبر 2023، مدفوعين بالثقة في قدرات جيشها وانتصاراته، فإن سمعة هذا الجيش اليوم جعلت من الصعب أن يحصل على متطوعين من الداخل أو الخارج، ومن ثم فإن حكومات أمريكا وأوروبا ترفض خطة نتنياهو لاحتلال غزة ليس حبا في الفلسطينيين أو إشفاقا عليهم، وإنما خوفا على جيش الاحتلال من أن يغرق في وحل غزة كما حدث عام 2005 عندما احتلها شارون ثم هرب رافعا شعاره”الانسحاب من جانب واحد”.
الغرب يدرك أن إنقاذ إسرائيل وضمان استمرار وجودها يكمن في استقرارها داخل حدودها المعترف بها دوليا، مع توسيع اتفاقات التطبيع مع جيرانها حتى تعيش دولة بين الدول، لكن جشع الصهاينة جعلهم يمدون أنظارهم إلى ما هو أبعد من الأرض التي منحت لهم من الظالمين الكبار، فصار نتنياهو يتحدث عن إسرائيل الكبرى التي تهيمن على الشرق الأوسط وتغير خريطته، باعتبارها دولة فوق الدول.










