لا يختلف اثنان على أن المسرح في مصر يمر بأزمة متشابكة الجذور، أزمة تتجاوز حدود الموارد المالية أو البنية التحتية، لتصل إلى أزمة فكرية وإدارية تمس جوهر العملية الإبداعية ذاتها. وبينما يُتهم التجريب المسرحي بأنه رفاهية نخبوية أو “موضة قديمة” لم تعد صالحة لزمننا، تكشف التجربة التاريخية والواقع المعاصر أن التجريب ليس فقط ضرورة فنية، بل هو المنفذ الوحيد لاستعادة حيوية المسرح في مواجهة الركود السائد.
إذا نظرنا إلى الموسم المسرحي المصري في السنوات الأخيرة، سنجد ظاهرة لافتة وهي ان كثير من العروض العامة (غير التجريبية) تُعرض أمام مقاعد فارغة أو بجمهور محدود لا يتجاوز العشرات. هذه العروض غالبًا تعتمد أسلوبًا مباشرًا وبسيطًا في التواصل، لكنها عاجزة مع جمهور شاب يبحث عن لغة بصرية جديدة، وإيقاع مختلف، وموضوعات تعبّر عن واقعه. المفارقة أن العروض التي يُفترض أنها “سهلة” و”جماهيرية” لا تحقق أي جماهيرية فعلية. السبب ليس في تعقيد التجريب، بل في فقر الخيال وعدم فهم تحولات الأجيال. الجيل الذي يعيش على “التيك توك” و”البودكاست” لا يتفاعل مع نفس اللغة المسرحية التي أُنتجت قبل سنين.
وعلى الرغم من أن الدولة تعلن توجهًا واضحًا لدمج الشباب في العمل العام، يظل المسرح المصري استثناءً سلبيًا. فالإدارة المسرحية محصورة في دائرة ضيقة من أسماء تجاوزت الستين، بل والسبعين عامًا. هذه الأسماء تتبادل المقاعد فيما يشبه لعبة الكراسي الموسيقية: مدير مهرجان ينتقل لإدارة مسرح، ومدير مسرح ينتقل إلى المجلس الأعلى للثقافة، وهكذا، من دون أن يدخل لاعبون جدد إلى الميدان. قلة قليلة من هؤلاء يمكن وصفهم بأنهم مثقفون حقيقيون منفتحون على الاختلاف، بينما الغالبية تنظر إلى الشباب باعتبارهم تهديدًا أو عبئًا. الشباب إما يُهمَّشون أو يُستَخدمون كديكور إداري في مواقع صغيرة، أو يتم “خصيهم فكريًا” ليصبحوا تابعين نسخ متكررة تحمل نفس الدوافع وترث نفس المعارك مع نفس الخصوم، والنتيجة غياب بدائل حقيقية، وحرمان المؤسسة الثقافية من طاقات متجددة.
المسرح ليس فنًا جماليًا فقط، بل هو وسيلة للحوار الاجتماعي والسياسي. التجريب يمنح المسرح القدرة على اقتحام قضايا معاصرة، وعلى صياغة لغة تتناسب مع جيل يعيش في عالم افتراضي. إذا انغلق المسرح على أشكاله القديمة، فسوف يفقد دوره كمساحة للحوار والتفكير النقدي. ويمكننا النظر الى تجارب دولية مختلفة فعلى سبيل المثال في فرنسا مهرجان أفينيون دخول جيل جديد من المديرين في الأربعينيات وفتح الباب لتجارب رقمية وتفاعلية جذب جمهور الجامعات والشباب. ألمانيا من خلال مسرح Schaubühne Berlin أعطت مواقع قيادية لمسرحيين شباب، فصارت في مقدمة تناول قضايا معاصرة مثل المناخ واللجوء. بريطانيا Arts Council England وضع خطة واضحة لتسليم إدارة مؤسسات فنية لجيل تحت الأربعين، مع بقاء الكبار كمستشارين. الإمارات الشارقة وأبو ظبي أطلقتا مبادرات يقودها شباب كمديرين حقيقيين، ما صنع مشهدًا عربيًا حديثًا. هذه النماذج تثبت أن تمكين الشباب ليس رفاهية بل استراتيجية، وأن الدمج الفعلي – لا الرمزي – يخلق طاقة تجديدية مستدامة.
اما في مصر لا توجد آليات تنافسية شفافة تسمح للشباب بتقديم أفكارهم. النتيجة هي غياب شبه كامل للإبداع الشبابي عن مواقع اتخاذ القرار. الأخطر أن مصر – بخلاف دول مجاورة – تهدم مسارحها. مشهد مثل مسرح الشباب “العائم” الذي تم هدمه، يبعث رسالة سلبية لجيل كامل من المسرحيين “هذا المكان ليس لكم”. ومع غياب استراتيجية واضحة لمشاركة الشباب في الإدارة، يصبح الإحباط مضاعفًا. بينما في الدول المحيطة يتم ضخ استثمارات في البنية الثقافية، نحن نرسل إشارة معاكسة بأن المسرح لا يخص هذا الجيل. المسرح المصري مهدد بفراغ مؤسسي وثقافي خطير إذا غاب كبار السن فجأة، لاعتبارات طبيعية أو صحية.
ومن أجل ذلك اقترح عمل إحلال تدريجي من خلال بقاء القيادات الكبيرة كمستشارين، مع تسليم الإدارة التنفيذية للشباب. وخلق آليات تنافسية شفافة عن طريق فتح باب التقديم للمناصب الإدارية عبر خطط وبرامج يطرحها المرشحون، لا عبر التعيين المباشر. مع دعم مالي وإداري للتجريب وتمويل مشاريع شبابية غير مشروطة بالمعايير التقليدية. وأخيرا إنشاء برامج وطنية لتأهيل الشباب لإدارة المسارح والمهرجانات، على غرار برامج الزمالة الدولية. هذا يساعد على تداول حقيقي للسلطة الثقافية ومنع احتكار المواقع لعقود طويلة
أزمة المسرح المصري اليوم ليست أزمة جمهور فقط، بل أزمة طريقة تفكير وآليات إدارة. التجريب لم ينتهِ ولن ينتهي، بل يتجدد مع كل جيل. لكن هذا التجديد يحتاج إلى بيئة تسمح للشباب بالاختلاف، لا تهمشهم أو تعيد تشكيلهم ليكونوا تابعين. إذا أرادت وزارة الثقافة أن تنقذ المسرح، فعليها أن تتحول الى مؤسسة تحتفي بالجرأة والمغامرة. أن تُعيد تعريف دور الكبار كمستشارين لا كحراس للبوابة، وأن تفتح الأبواب أمام الشباب ليقودوا بالفعل. المسرح لا يُدار بالعُمر، بل بالقدرة على الحلم والتجديد. وما يحتاجه مسرحنا اليوم هو قبلة حياة تمنحها له التجارب الشبابية الحرة، فترد له جمهوره، وتعيد له وظيفته الأصلية أن يكون مرآة للمجتمع وفضاءً للتفكير النقدي والتجدد المستمر.










