يُعد المهرجان – الذي انطلق عام 1988 – أحد أبرز الفعاليات المسرحية في مصر والعالم العربي. غير أن تاريخه لم يخلُ من الجدل، الذي تجاوز طبيعة العروض والمعايير الفنية ليصل إلى مسألة الاسم والهوية: هل يظل “تجريبيًا” أم يُعاد تعريفه باسم جديد مثل “المعاصر” أو “الدولي”؟ في دورة 2020، برئاسة الدكتور علاء عبد العزيز، حُسم هذا الجدل بعودة المهرجان إلى اسمه الأصلي، مع التأكيد على أن أي تغيير في الهوية يجب أن يتم برؤية مؤسسية لا بقرارات فردية. القرار بدا وقتها محاولة لإغلاق ملف متكرر وحماية تراكم الهوية. لكن مع تولي الدكتور سامح مهران إدارة المهرجان في دورات لاحقة، عاد النقاش من جديد، إذ ارتبط اسمه بمحاولات لإعادة طرح فكرة تغيير الاسم، ما أثار تساؤلات حول جدوى تكرار نفس الملف مع كل تغيير في القيادة. في الفعاليات العامة، خصوصًا المهرجانات الفنية المموّلة من المال العام أو المدعومة مؤسسيًا، لا يجوز أن تُحسم قرارات تأسيسية—مثل الاسم والهوية وآليات المسابقة—بمزاج أفراد، حتى لو كانوا أصحاب خبرة. غياب لائحة مُعلنة ومُلزِمة يخلق “فراغًا تنظيميًا” يسمح بتغوّل الإدارة الفردية، ويمهّد لدوّامة إعادة طرح نفس القضايا مع كل تغيير في القيادة، بما يهز الثقة ويشتّت صورة المهرجان لدى جمهوره المحلي وشركائه الدوليين.
إعادة طرح الملف في 2025 لم تُقرأ باعتبارها نقاشًا موضوعيًا بقدر ما عكست غياب لوائح واضحة تحدد آليات اتخاذ القرارات التأسيسية. الأسئلة البسيطة تظل بلا إجابة: من يملك حق اقتراح تغيير الاسم؟ ما آليات الاستشارة؟ من يصوّت؟ وكيف تُعلن القرارات؟ هذا الغموض يجعل الجدل شخصانيًا أكثر منه مؤسسيًا، ويعزز الانطباع بأن القرارات مرهونة بالأشخاص لا بالمصلحة العامة.
ومن هنا يبرز سؤال آخر: ما الدافع الحقيقي وراء الدعوة إلى تغيير الاسم؟ هل هو اعتراف ضمني بفشل المهرجان في دوراته السابقة، بما يعني أن الإدارة تعترف بفشلها أثناء توليها المسؤولية؟ أم أن المسألة مرتبطة بالتعريف الأكاديمي لفكرة “التجريب”، ما يفرض ضرورة فتح حوار أكاديمي متخصص بدلاً من حسم الملف بقرار إداري؟ أم أن الأزمة تكمن في التسويق وصورة المهرجان أمام الجمهور، وهو ما يمثل خللًا إداريًا لا أزمة هوية، خاصة وأن المهرجان بهويته الأصلية أثبت نجاحه على مدى سنوات؟ إن وضوح الإجابة على هذه التساؤلات كفيل بإنهاء الجدل، بدلاً من الدوران في دوائر من الافتراضات والاتهامات التي تضعف الثقة وتشتت المشهد المسرحي.
ثم تكشف هذه الحالة عن أزمة أعمق تتعلق باللوائح المنظمة للفعاليات الفنية في مصر. فغياب نصوص واضحة ومُلزمة يفتح الباب أمام اجتهادات فردية تعيد صياغة القواعد مع كل إدارة جديدة، فيتحول المهرجان من كيان مؤسسي عام إلى انعكاس لشخصية من يقوده. هذه الفردية لا تهدد فقط استقرار الفعالية، بل تضعف ثقة الجمهور والشركاء الدوليين فيها، وتمنع المجال الثقافي من تحقيق تراكم حقيقي. الأزمة الحقيقية للمهرجان التجريبي لا ترتبط بالموارد بقدر ما ترتبط بغياب لوائح واضحة وملزمة تنظّم قراراته التأسيسية. هذا الفراغ جعل المهرجان عرضة لتقلبات الأفراد، فتحوّل النقاش من تطوير المحتوى إلى صراع حول الأسماء والنوايا. قرار 2020 أعاد تثبيت الهوية بروح من حسن النية، إذ اعتُبر أن الملف قد أُغلق نهائيًا، ولم يكن هناك تصور أن يُعاد فتحه. لكن عودة الجدل في 2025 تكشف الحاجة إلى إطار مؤسسي أكثر صرامة، بحيث لا يظل المهرجان رهين تغيّر الأشخاص، بل مؤسسة ثقافية راسخة محمية بلوائح شفافة وملزمة.










