يشكو أغلبنا من انحدار الذوق العام لدى بعض أبناء هذا الجيل، الجيل الذي أجده متجنيًا ظالمًا في بعض الأحيان، وأراه بريئًا مظلومًا في أحيان أخرى، فالطفل منذ ولادته ينتظر من يعتني به ويرعاه، يدله ويرشده لكي يبدأ رحلته في هذه الحياة بكل سلام، يبحث عمن يهتم بجميع شئونه، يحدد رغباته، ومن ثم يشبعها له؛ هناك احتياجات تهتم ببناء الجسد، حتى تساعده في النمو وسلامة البنية، وهناك احتياجات تهتم بالنفس والإحساس، لتشكل الروح وتنمي الوجدان.
تمر السنوات سريعًا، ليصل لثاني المراحل الهامة، مرحلة الطفولة المبكرة التي تستوجب من الأبوين المزيد من القراءة والاطلاع لفهم طبيعتها وسماتها، وكيفية تخطيها بطريقة آمنة، تبتعد عن خلق العقد وصناعة الصدمات، حتى يكبر الصغير ويتقدم واثقًا للأمام، تسابقه أمنيات أبوين يحلمان بمستقبل أفضل له، يتمنيان أن يحققا من خلاله ما تبقى لهما من أحلام حالت بينهما وبين تحقيقها ظروف حياة في سابق أيام.
تغيب عن أذهان البعض فكرة تنمية الإحساس والوجدان، تجهل دورها في مساعدة الطفل على صنع الخيال، بينما يدرك البعض أهمية ذلك فيهتمون بتثقيف أنفسهم، بالبحث بالقراءة عن كيفية التعامل مع الجانب الوجداني للطفل، إنه يمتثل لأوامر الكبار دون إدراك، إنه يواظب على الاجتهاد في استذكار دروسه، وأداء فروضه المنزلية، ينجز هذا من أجل حصاد سعادة لا يدرك مفهومها الشامل، ولا يستشعر معناها التام.
أحد أشكال تقديم الدعم سيأتي عن طريق اتفاق مسبق بين الأب والأم على خلق بيئة تسهم في استدعاء الخيال، بخطوات متسقة تبدأ باصطحاب طفلهما إلى الحدائق والمتنزهات، بمتابعته وهو يرى تلك الطبيعة الخلابة التي أوجدها الله لترقية ذوق الإنسان، يقومان بحثه حينها على استحضار تلك الصور الجميلة، والاندماج مع سماع هذه الأصوات، إنها زقزقات عصافير وتغريدات، وها هو هواء لطيف يداعب الأزاهير فتتمايل معه وترقص فوق الأغصان، تنجذب إليها أنواعًا من الطيور وأسرابًا من الفراشات.
توجهه دون أمر، بلطف وهدوء شديدين، تدعوه لتذوق هذا الجمال، بالنظر لهذه الألوان وكل هذا الإبداع، تعيد الفضل لذلك كله لمن أوجده، إنه الله الخالق الوهاب، تطلب منه أن يتوجه بالشكر دومًا لربه ومولاه، فلولاه ولولا صنيعه ما كان هناك ما يبهج أنفسنا في هذه الحياة، تدعوه لمشاهدة تلك السماء البعيدة بزرقتها وصفائها، تربط ذلك بقدرته ثم تصطحبه لمشاهدة أثر الهواء وهو يمر برفق فوق صفحة المياه، يحركها برفق ويغازلها بحياء.
تقوم بغرس حب الجمال في نفس صغيرها، تكسو به أنسجته الرقيقة لتنفذ إلى روحه كشعاعات شمس في إحدى أيام فصل الشتاء، تدفئه تعوده تذوق ما حوله من إبداع وجمال، تصنع منه نسخة أخرى تختزنها في جوف خلاياه، فيكبر محبًا للحياة محافظًا على بيئته، مؤمنًا بدوره الذي تعلمه من أسرة واعية، متذوقة للجمال، وعاشقة للحياة.
أسرة تعرف ما الذي يجب أن يشاهده طفلها أو يتابعه، فليس كل ما يعرض يناسبه، تعرف أثر ذلك عليه وتصنف لكل معروض جدواه، تبارك خطواته التي تكسبه إنسانية حقة وتزيده رفقًا وحنانًا، مع إنسان، مع طير أو حيوان، وكلما رصدت عيناه سلوكًا مرفوضًا سارعت الكلمات لتوعيته على الفور، قبل أن تتسابق الأسئلة برأسه لتقارن بين تربية صحيحة وتنشئة سليمة أمام واقع معقد، واقع شديد الاختلاف.
تخبره بأن بعض الناس لا تستجيب لضرورة المحافظة على الأشياء، لا تعنيها سلامة الممتلكات العامة ما دامت ممتلكاتها الخاصة بأمان، نساعده على أن يجد ذاته، ينتقد ما لا يعجبه، وما يراه غير مناسب له، يجعل له مبدأ واتجاه في الحياة يسير على أثره، وإن اختلفت معه دنياه بأكملها، ليمضي ويبقى حيث وكما أحبه وأراده الله.










