كلمة الرئيس المصري في قمة الدوحة لم تكن خطابا بروتوكوليًا عابرا بل بدت كصرخة وعي وجرس إنذار في لحظة فارقة تُختَصر فيها معادلات القوة والسياسة في جملة واحدة: لن نقبل بالعدوان.. ولن نسمح بإفشال السلام.
الكلمة حملت مزيجا نادرا من الحزم والوضوح وأظهرت أن مصر لا تكتفي بدور المراقب الحكيم بل تعود إلى موقعها الطبيعي كصوت ضمير الأمة وجدارها الأخير في مواجهة الانفلات الإسرائيلي.
منذ اللحظة الأولى وضع الرئيس الإطار الأخلاقي والسياسي للمعركة: عدوان على سيادة قطر تجاوز لكل الخطوط الحمراء وسلوك إسرائيلي منفلت يهدد بانزلاق المنطقة إلى أتون صراع شامل. لم يترك مساحة للغموض ولم يخفف من حدة الموقف بل صاغ إدانة صريحة ومباشرة تعكس إدراك القاهرة أن الأمر لم يعد خلافا حدوديا بل تهديدا للمنظومة الإقليمية كلها.
الأكثر أهمية أن الكلمة لم تتوقف عند حدود الشجب بل ارتقت إلى مستوى الرؤية الاستراتيجية، حين استدعت القرار العربي الأخير بشأن الأمن والتعاون الإقليمي ، وقدّمته كنواة لبناء منظومة عربية–إسلامية قادرة على مواجهة الهيمنة ورفض أي ترتيبات أحادية تنتقص من سيادة الدول. هنا بدا الخطاب كأنه دعوة لتأسيس مظلة أمن جماعي عربية–إسلامية وهي النقطة التي قد تُشكل تحولا مفصليا في التفكير العربي.
ثم جاءت الرسالة المباشرة لشعب إسرائيل محمّلة بجرأة غير معتادة: أن سياسات حكومتهم لا تهدد الفلسطينيين وحدهم بل مستقبلهم هم أيضا. كان ذلك خطابا مزدوجا يعرّي غطرسة القيادة الإسرائيلية من ناحية ويخاطب العقل الإسرائيلي ذاته مذكرا بأن الأمن لا يُصنع بالقوة بل بالسلام.
في ختام الكلمة ارتفعت النبرة إلى ما يشبه الميثاق: لا قبول بتهجير الفلسطينيين ، لا مساومة على القدس ولا سكوت على أي اعتداء على سيادة دولة عربية. بدا الخطاب وكأنه إعلان مبدئي يُرسم بحبر الإرادة والكرامة ويعيد تثبيت مصر كقلب الأمة النابض الذي يربط بين العروبة والإسلام ويضع الجميع أمام مسؤولياتهم التاريخية.
إنها ليست مجرد كلمة في قمة بل وثيقة سياسية وأخلاقية تقول إن مصر اختارت أن تكون صوتا للحقيقة في زمن الضوضاء وحائط صد في لحظة العواصف.










