المسرح، ذلك الفن النبيل الذي سُمّي منذ القدم بـ”أبو الفنون”، لم يكن يوماً مجرد وسيلة للتسلية أو إضاعة الوقت، بل كان منبراً للتنوير، وفضاءً للتربية الجمالية والفكرية، ورسالة تحمل هموم الناس وآمالهم. غير أن واقعنا المسرحي اليوم يشهد ظاهرة مؤلمة، يمكن أن نطلق عليها “مرتزقة الفن المسرحي”؛ فئة تسعى وراء المنافع الشخصية والمكاسب الضيقة، على حساب القيم الفنية والرسالة الثقافية.
مرتزقة المسرح لا يأتون إلى الخشبة بدافع العشق والإيمان بدور المسرح في التغيير، بل يأتون إليها بعقلية السوق، حيث تتحول النصوص إلى سلعة، والعروض إلى صفقات، والمهرجانات إلى مناسبات للتباهي والتقاط الصور أكثر من كونها محطات لتطوير الفن. هؤلاء يسيئون للفن قبل أن يسيئوا لأنفسهم، لأنهم يفرغون العمل المسرحي من جوهره الإنساني، ويحجبون الضوء عن الطاقات الحقيقية التي تناضل بصمت من أجل مسرح جاد ومسؤول.
إن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في وجود هذه الفئة، بل في صمت المؤسسات الثقافية التي تتواطأ أحياناً أو تغض الطرف عن ممارساتها. فتجد الدعم يوجه نحو الأسماء ذات النفوذ والعلاقات، بينما يُقصى المبدع الصادق الذي يحترق شغفاً في ورشاته الصغيرة بعيداً عن الأضواء. وهكذا يتحول المسرح من رسالة إلى مهنة بلا روح، ومن حلم جماعي إلى غنيمة يتقاسمها الانتهازيون.
ومع ذلك، يظل الأمل قائماً. فما يزال هناك فنانون حقيقيون يقاومون الرداءة بالعمل الجاد، ويواجهون الارتزاق بالإبداع الصادق. هؤلاء هم من يستحقون الدعم والاهتمام، لأنهم حماة الخشبة وورثة تقاليدها النبيلة.
إن محاربة “مرتزقة المسرح” ليست معركة ضد أشخاص بقدر ما هي معركة من أجل قيم. قيم الإبداع، الحرية، المسؤولية، والنزاهة. وإذا استعدنا هذه القيم، سيعود المسرح في بلدنا منارة تضيء العقول والقلوب، لا سوقاً للارتزاق والانتهازية.










