جُبِل( صنع) ابن حارتنا علي الطيبه منذ ان كان صغيرا ، علمته أمه جبر الخواطر منذ نعومه أظافره ، فصار هذا دستوره في حياته العامه والخاصه ، يأخذ بيد عمي محمدعثمان النوبي الذي كان يتوكأ علي عصاه في ذهابه وايابه من المسجد .
عم محمد عثمان كان وحيدا يحيا بمفرده في بيته الكائن في وسط حاره السلطان ، ماتت زوجته وتزوج ولداه الذكور بعيدا عن الحاره ، قليلا ماكانوا يعقدون له زياره ، كان ابن الحاره يُغني العم عثمان عن حوجته لاولاده ، يمر عليه يوميا يسأل عليه ويقضي له احتياجاته القليله من الاطعمه التي كانت تمكث عنده كثيرا ، كما انه كان يُغنيه عن الذهاب الي الاطباء لكونه يدرس في كليه طب القصر العيني ولديه من الصحاب من يستشيره في تشيخيص وعلاج أي وعكه صحيه يقع فيها العم عثمان الرجل النوبي الطيب الذي لم تلقي منه الحاره الا كل خير .
ابن الحاره لم يبقي له غير عامين في كليه الطب ويصير طبيبا ، في العام قبل الاخبر انتقل ابن الحاره من المحاضرات النظريه الي المحاضرات العمليه ومناظره المرضي ، كان اول راوند ” انتقال الاطباء بين الاقسام ” له في قسم الامراض الصدريه ، يومها كان كل طبيب يعني بحالته منذ البدايه الي النهايه ، الشفا والمكوث بالدنيا اوالموت والانتقال الي الآخره ، جاء نصيب صاحبنا “صاحب جبر الخواطر “في مريض كبير في السن يعاني من مرض السل ، في كل زياره معاينه من الطبيب كان يصر هذا الشيخ الكبير إصرارا عجيبا علي معانقه الطبيب الذي إرتاحت انفاسه وانتظمت علي يديه ، يخشي ابن الحاره ان يبعده عنه بيده لانه يحمل ميكروب المرض في فمه وانفاسه المتحشرجه، فيتركه علي سجيته ولايطلب منه ابتعادا.
حين يداهم مرض السل شيخا كبيرا ، فليست هذه معضله كبيره فهو علي أعتاب القبر ، ولكن المعضله الكبيره حين ينتقل هذا المرض من شيخ في أرذل العمر الي فتي في ريعان الشباب ، لقد انتقل مرض السل الي بن الحاره بسبب بذره بُذرت فيه يوما ” بذرة كنيتها” ألا تحرج احدا” ، حالتان متبادلتان من المنع افادت الشيخ واوقعت الفتي في براثن المرض اللعين ، الذي تطور لدي الفتي الي اكتئاب حاد بعدما شاهد احدي رئتيه قد احدث بها المرض كهفا من الميكروبات تنهش الحويصلات الهوائيه ، يومها ظن بن الحاره ان حياته التي لم يعيشها بعدفي سبيلها الي الانتهاء ، ونصحه الاطباء بعدم مغادره منزله والاختلاط بأي من البشر ، بعدها تقوقع في بيته وأحس إنه قد أضحي منبوذ من عامه البشر ، الاواحد هو العم عثمان الصوفي صاحب المسبحه السمراء الطويله والوجه الطيب .
ذات مره تفاجأ جميع من في المنزل بزياره عم عثمان لإبنهم المريض مرض عضال يمنع الإختلاط ، ساعتها أصر الشيخ علي رؤيه صديقه الشاب، يهديك ياشيخ عثمان ، يرضيك ياشيخ عثمان ، لاتوجد فائده من المنع سأراه حتما .،امام اصراره سمحوا له بالزياره .
حين دلف الشيخ عثمان الي حجره صديقه الشاب ، وجده في حاله يرثي لها ، رأه وقدفقد معظم وزنه واتزانه، شاخص البصر ينظر في اتجاه واحدا وكأنه يتأهب لرؤيه وحش كاسر سوف ينقض عليه بين عشيه وضحاها،ولكنه في لحظه فارقه ارسل له المولي بدلا من الوحش الكاسر ، صديقه الصدوق الشيخ عثمان ، الذي عانقه قاصدا وان غادر بسببه الحياه ، الترياق الاولي كان في العناق حيث احس الفتي بأنه ليس وحيدا ..
بعد العناق اردف الفتي “ابن الحاره” للشيخ الكبير:
-اني في كرب ياعم عثمان
- يابني لاكرب مادام هناك رب، ثم وضع يده في جيب جلبابه الابيض يخرج للفتي مسبحه مثل مسبحته التي لم تغادر يده ردحا طويلا من الزمن ثم أردف:
فليكن ذكر الله انيسا لك في خلوتك المفروضه عليك كرها لاطوعا .
تلقف منه بن الحاره المسبحه بيده اليمني ثم استأذنه ان يقرب له الدواء حيث يضحي في متناول يده اليسري ليكونا الاثنين في حوزته المسبحه وقارورة الدواء. بعدها بشهور عاد الفتي الي سابق عهده يتأبط يسار الشيخ عثمان في رحلاته المتعدده الي مسجد الحاره.










