سيولة غير معهودة تشهدها تطورات المنطقة العربية، لا تمنح صانع القرار فرصة إعداد تقدير موقف على نار هادئة، بل إنها قد تدفع دولها إلى اتخاذ مواقف وسياسات قد لا تكون متفقا عليها لدى دوائرها المغلقة، بما فيها إسرائيل التي ترى في تصاعد الخلافات بين دول المنطقة مخاطر قد تتحول إلى فرص في لحظة من اللحظات، وعلى هذا الأساس تحاول البحث عن مصلحة هنا، وفرصة هناك.
المستجد الأهم والأخطر في تطورات المنطقة وفق ما تراه دوائر صنع القرار الإسرائيلي، يتمثل في التدهور التدريجي الحاصل في علاقات الدولتين الأكبر على ضفاف الخليج العربي، ممثلتين في السعودية وإيران، اللتين يبدو أنهما بصدد دخول نفق طويل من التوتر السياسي والدبلوماسي، ولا أحد يعلم هل سيترجم ذلك إلى سلوك ميداني تصعيدي بينهما بصورة مباشرة، أم الاكتفاء باستمرار “حروب الوكالة” في سوريا واليمن والعراق.
لا تخفي إسرائيل قلقها من التمدد الإيراني الحاصل في المنطقة، ونفوذها المتنامي على عدة عواصم عربية، ووصولها أخيرا إلى مشارف حدودها الشمالية في قلب الجولان السوري المحتل
وبعيداً عن الدخول في تفاصيل الخلاف القائم في منطقة الخليج العربي، فإن التزام تل أبيب الصمت تجاه التطور الخطير في علاقات الرياض وطهران، لا يعني أنها لا تشعر بالارتياح وهي ترى الدولتين الكبريين تعيشان قطيعة سياسية، وربما أكثر من ذلك، مما يمنح إسرائيل فرصة الظهور بمظهر الدولة القومية المتماسكة التي تمثل يهود العالم، والقادرة على إدارة خلافاتها وتبايناتها بصورة هادئة.
لا تخفي إسرائيل قلقها من التمدد الإيراني الحاصل في المنطقة، ونفوذها المتنامي على عدة عواصم عربية، ووصولها أخيرا إلى مشارف حدودها الشمالية في قلب الجولان السوري المحتل، وأعلنت تل أبيب غير مرة أن الحرس الثوري الإيراني باتت له قواعد عسكرية تشرف على إسرائيل من جبال الجولان الشاهقة، مما جعلها تعيد تعريف الجولان كجبهة عسكرية قتالية أسوة بلبنان وغزة، ولذلك ربما ترى في أزمة إيران مع السعودية فرصة لانشغال إيراني بقضايا جانبية على حساب تفعيل جبهة الجولان، أو هكذا على الأقل تفكر إسرائيل.
أما السعودية فلا تخفي إسرائيل تحفظها على سياستها الخارجية، لاسيما عقب تولي الملك سلمان مقاليد الأمور، وقيامها ببعض الخطوات الدبلوماسية التي أثارت قلق تل أبيب، سواء على صعيد تصالح السعودية مع حماس، أو فتح صفحة جديدة مع تركيا، وما يقال عن حالة البرود في العلاقة السعودية مع حليفتها الأوثق في مصر، وابتعاد الرياض عن السياسة المتساوقة مع الإدارة الأميركية.
تشير الكثير من التقديرات الإسرائيلية إلى أن المصالحة مع تركيا تقترب رويدا رويدا، وإن كانت بخطى بطيئة، في ظل اتفاق الطواقم الفنية على الكثير من التفاصيل المتعلقة بشروط المعلنة لإتمام المصالحة، لاسيما تعويضات الضحايا الأتراك، ورفع الحصار عن غزة، ولم يتبق سوى موافقة الزعيمين المقيمين في أنقرة وتل أبيب للتوقيع النهائي على هذه المصالحة، لطي صفحة استمرت أكثر من خمس سنوات من القطيعة شبه الكاملة.
الإسرائيليون لديهم شبه قناعة بأن ما كان من علاقات استراتيجية وتحالف وثيق مع الأتراك قبل العام 2010 لن يعود إلى سابق عهده في 2016، نظرا لكثير من الاعتبارات لدى الجانبين، وقناعتهم تزداد بأن “أردوغان” لم يقم بهذه “الاستدارة الاضطرارية” نحو تل أبيب إلا بعد التأزم الذي حصل مع موسكو، وهو بصدد إعادة تموضع لعلاقاته الإقليمية والدولية، فيما يبدو “نتنياهو” بحاجة إلى الاقتراب من عدوه اللدود لمصالح اقتصادية في غالبها متعلقة بحقول الغاز، وتصديره إلى أوروبا.
أنقرة وتل أبيب تقتربان يوما بعد يوم من مصالحة “مصلحية” في ضوء تفجر الموقف في المنطقة من أقصاها إلى أقصاها، دون أن تتعبد الطريق بالكامل لتطبيع العلاقات، لكن إسرائيل قد ترى في عودة الدفء النسبي مع تركيا نوعاً من إدارة الوضع المتأزم في المنطقة، رغم ما يواجه “نتنياهو” من مصاعب شخصية للذهاب إلى مصالحة “أردوغان” خشية اتهامه من قبل اليمين المتطرف -شريكه في الائتلاف- بالخضوع لشروط الأخير، في الوقت الذي يستمع فيه لتوصيات من “المعارضة” بالمضي قدما في هذا الخط، ويا للمفارقة!
تبدي إسرائيل قلقاً لا تخفيه إزاء القلاقل الأمنية التي تشهدها المدن المصرية بين حين وآخر، وترى أنها قد تضطرها لأن تخسر حليفاً يزيد في أهميته عن عهد مبارك المخلوع، وهو ما يجعلها تبذل مساعي لا تخطئها العين على مختلف الأصعدة: السياسية والأمنية، داخل المنطقة وخارجها، في سبيل تأمين النظام المصري الحالي، لأن فقدانه يعني انكشاف ظهر إسرائيل أمام المنطقة، وهو ما تترتب عليه خسائر استراتيجية بعيدة المدى، ولذلك لا ترى إسرائيل أنها في وارد المقامرة بمستقبل هذا النظام، مهما كلفها ذلك.
إلا أن الواقع والتاريخ البعيد والقريب لمنطقة الشرق الأوسط يؤكدان لنا أن الحديث عن، بل السعى إلى، إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط ليس أمرًا جديدًا أو مستجدًا، سواء من جانب دول بل قوى أيديولوجية أو سياسية، تنتمى إلى الإقليم أو من جانب دول كبرى على الساحة العالمية من خارج الإقليم. ولئن كانت بعض تلك الدول والقوى من داخل الوطن العربى ذاته، فإن ما سوف نركز عليه هنا هو المحاولات والمساعى التى جاءت من دول إقليمية غير عربية ومن دول من خارج الإقليم كلية.
لكن بداية علينا جميعًا ألا ننسى أن الخريطة الحالية للشرق الأوسط رسمتها دول خارج الإقليم، وتحديدًا منذ أكثر من قرن من الزمان، وهى أساسًا كانت فرنسا وبريطانيا عبر اتفاق «سايكس بيكو» الشهير لعام 1916، الذى كان بمباركة روسية وإيطالية، والذى كشفت عنه ونشرته روسيا بعد انتصار الثورة البلشفية بها فى عام 1917، والاتفاق المذكور لا ينفصل عن كل من «وعد بلفور» البريطانى الممنوح للحركة الصهيونية العالمية فى عام 1917 بمنح اليهود وطن قومى فى فلسطين من جهة، وبنتائج مؤتمر سان ريمو فى إيطاليا لعام 1920 للخلفاء المنتصرين فى الحرب العالمية الأولى، والتى كرست توزيع العراق وسوريا ولبنان وفلسطين وشرق الأردن على بريطانيا وفرنسا. وقد تم تقنين تلك الترتيبات الجديدة بين القوى الاستعمارية الأوروبية لتقسيم تركة رجل أوروبا المريض آنذاك، وهى الدولة العثمانية، عبر صكوك الانتداب التى أصدرتها “عصبة الأمم”، التنظيم الدولى آنذاك، وقامت بموجبها بتسليم البلدان العربية للقوى الاستعمارية، وتضمن صك الانتداب على فلسطين إلزام بريطانيا بتنفيذ وعد بلفور.
ومنذ ذلك التاريخ لم تتوقف محاولات ومساعى البلدان غير العربية داخل إقليم الشرق الأوسط وكذلك محاولات قوى كبرى خارج الإقليم لإعادة رسم خريطة المنطقة بما يخدم مصالح تلك الدول والقوى فى المقام الأول، وبما كان، فى الأغلب الأعم من الأحوال، يضر بمصالح الدول العربية فى المنطقة.
وسوف نكتفى فيما يلى بأن نعرض بإيجاز فقط لأمثلة ثلاثة لتلك المحاولات، خاصة تلك التي أتت من بلدان غربية أو من الجانب الإسرائيلي، على مدى العقود الماضية.
ولم يكن الأمر ليتوقف عند حدود غزو العراق، بل كان المخطط أن يشمل دولًا عربية وغير عربية أخرى، إلا أن تبعات الغزو الأمريكى للعراق ونتائجه وما ترتب عليه لسنوات من حالة فوضى فى هذا البلد العربى الكبير وما ثبت من عجز الولايات المتحدة عن ترتيب أوضاعه بعد احتلاله مباشرة، أى ظهور الغياب الأمريكى لتصور اليوم التالى،
وحالة الغضب الشعبى العربى والإسلامى وكذلك من مناطق أخرى من العالم إزاء ما ألحقه الغزو من دمار بالعراق وشعبه، واكتشاف اختلاق مبررات الغزو من الخيال، كلها عوامل أدت إلى توقف مشروع المحافظين الجدد مرحليًا وإن تبنوا، بدلًا من الغزو العسكرى المباشر، وسائل ضغط أخرى على الدول المراد النيل من سيادتها ووحدة أراضيها.
والآن، ونحن بانتظار التعرف على تصور حكومة اليمين الإسرائيلى بزعامة نتنياهو لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط من منظورها، وفى ظل قدوم إدارة أمريكية جديدة أثبتت عندما تولت السلطة فى واشنطن من قبل مدى حميمية علاقاتها وتحالفاتها مع اليمين الإسرائيلى خاصة ومع إسرائيل بشكل عام، فإن العرب فى حاجة إلى بلورة تصور عربى مشترك لمستقبل المنطقة من منظور المصالح الاستراتيجية العربية.–
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا










