من القاهرة التي أنجبت السينما واحتضنت أول شغف عربي بالصورة والحكاية إلى الجونة التي تحوّلت إلى مرآة تعكس حال الفن الآن يبدو السؤال ملحا: متى يعود الفن إلى رسالته؟
ذلك الفن الذي كان مرآة الوجدان ، وصوت الإنسان ورسول القيم والجمال صار في كثير من الأحيان صدى للضجيج وسباقا على الضوء لا على المعنى ومهرجانا للإطلالة أكثر من كونه احتفالا بالإبداع.
لم تكن السينما المصرية يوما مجرد ترف أو وسيلة ترفيه بل كانت حافظة الذاكرة وضمير الأمة الناطق بلسانها. أفلام الأبيض والأسود لم تُخلّد لأنها فقط أتقنت التصوير أو الأداء بل لأنها خاطبت الإنسان في جوهره ورسمت حدود الخير والشر الحب والخيانة الوطن والاغتراب بلغة الفن لا بلغة الشعارات.
كانت القاهرة يوما مصنع الوعي العربي ، من استوديو مصر إلى مسرح عبد الوهاب ومن صوت أم كلثوم إلى قلم نجيب محفوظ. وكان الفن — بحق — جزءا من تكوين الشخصية المصرية: راق في لغته ، صادق في مضمونه ، نبيلا في هدفه.
لكن ما الذي جرى؟
كيف تحوّل الفن من مرآة للمجتمع إلى واجهة للعرض؟
ومن منبر للقيم إلى منصة للفت الانتباه؟
لقد تغيّرت الأولويات. صار البريق أهم من الفكرة والظهور أسبق من الجوهر . أصبحت المهرجانات مساحة للتباهي أكثر منها ساحة للتنوير. نتابع صور السجادة الحمراء أكثر مما نتابع الأعمال المعروضة ونناقش الأزياء قبل أن نناقش السيناريوهات.
وفي خضم هذا الانبهار الخارجي تراجع السؤال الجوهري: ماذا يقول الفن؟ ولمن؟ ولماذا؟
حين يتحوّل المبدع إلى نجم حضور يفقد الفن بعضا من قدسيته. وحين يتسلّل العري باسم الحرية والابتذال تحت شعار الجرأة يصبح الإبداع في خطر.
الفن الراقي لا يُقاس بكمّ الجرأة بل بمدى صدقه وإنسانيته. فالمشهد الذي يُبكيك ليس لأنه صادم بل لأنه صادق .
لقد كان يوسف شاهين جريئا في فكره لكنه لم يكن فوضويا في رسالته. وكان عاطف الطيب واقعيا لكنه ظل وفيا لإنسان البسيط الذي يحمل همّ الوطن في قلبه.
مهرجان الجونة — بكل ما فيه من تنظيم وانبهار وإبهار — يعكس أزمة أعمق من مجرد إطلالات لا تليق. إنه يعكس تحوّل الذوق العام واختلاط المفاهيم بين الفن والشهرة.
الفن الحقيقي لا يُقاس بعدد الكاميرات التي تلاحق صاحبه بل بقدرته على تحريك وعي الناس وترك أثر في ضمائرهم.
من المؤسف أن تتحوّل بعض المهرجانات إلى عروض أزياء أكثر منها منصات للإبداع.
وليس الخطأ في الجمال ذاته — فالفن في جوهره احتفاء بالجمال — ولكن في تحويل الجمال إلى غاية بلا مضمون.
الجمال حين يُفرّغ من القيم يصبح قشرة براقة تخفي خواء داخليا تماما كما يتحول المسرح إلى مجرد ديكور إذا غابت عنه الكلمة الهادفة.
نحن لا نهاجم مهرجانات الفن بل ندافع عن معناها الأصيل.
الفن ليس ضد الحرية لكنه ضد التفاهة.
وليس ضد الحداثة لكنه ضد الانسلاخ عن الهوية.
وليس ضد الجمال لكنه ضد التجرّد من القيم.
إن ما تحتاجه السينما العربية — والمصرية خصوصا — ليس ميزانيات أكبر أو أضواء أقوى بل رؤية تُعيد للفن روحه ووظيفته الإنسانية.
الفن العظيم هو الذي يسأل لا الذي يصرخ.
الذي يُوقظ فينا التساؤل لا الغرائز الذي يُذكّرنا بأننا بشر لا مشاهير في سباق بلا نهاية.
لقد كان المبدعون الكبار يدركون أن الفن لا يعيش إلا حين يرتبط بالناس.
نجيب محفوظ لم يكتب ليُعرض على شاشات الجوائز بل ليُقرأ في المقاهي والبيوت.
وصلاح جاهين لم يكن شاعرًا للنخبة بل لنبض الشارع.
وسيد درويش لم يغن للمهرجانات بل للوطن والعمال والبحّارة.
هذه هي الرسالة التي ضاعت بين صخب الصورة وضجيج “الترند”.
ومع ذلك يبقى الأمل موجودا.
جيل جديد من المخرجين والكتاب والممثلين بدأ يستعيد هذه الروح يحاول أن يعيد الفن إلى مكانه الطبيعي في خدمة الإنسان لا تسليته فقط. أعمال مثل الهرشة السبعة والصفارة وتحت الوصاية على سبيل المثال أثبتت أن الجمهور لا يزال يميّز بين الفن الحقيقي والضوضاء المصطنعة وأن الذوق العام مهما أصابه التشويش يشتاق دائما إلى الصدق.
من القاهرة التي أنجبت الوعي الفني العربي إلى الجونة التي تحتضن اليوم جدل الفن والمظهر ، المسافة ليست في المكان بل في الروح.
وحين يستعيد الفن تلك الروح سيعود ليكون كما كان: ضميرا للأمة وجسرا بين الناس ومساحة للصدق في عالم امتلأ بالزيف.
لقد آن الأوان أن نُعيد للفن رسالته.
أن نرى المهرجان لا كمسرح للعرض بل كمنصة للأفكار.
أن نعيد للكلمة احترامها وللصورة معناها وللمبدع مسؤوليته.
فالبلاد التي تهمل فنّها تهمل ذاكرتها وحين تبهت ذاكرتها تبهت ملامحها.
إننا لا نريد فنا يثير الجدل لليلة بل فنًا يُضيء الوعي لعقود.
ولا نريد نجما يسرق الكاميرا بل مبدعا يُعيد الإنسان إلى ذاته.
وحين يحدث ذلك سنقول بكل فخر:
لقد عاد الفن إلى رسالته.. وعادت القاهرة لتقود القلوب والعقول كما كانت دائما.










